الرجال الذين بلغوا الستين.. فجأة

عزمي عبد الوهاب

عزمي عبد الوهاب

لا تصدقوا أحزاننا
نحن الرجال الذين بلغوا الستين.. فجأة
فالليل وحيد ها هنا ومريض
واقف كحارس الأبد،
والنجوم مشغولة بعتمة تتكاثر كالفطر
في غيبة القمر،
ونوافذ الحنين موصدة،
هكذا يقول الغرباء
العالقون في المسافة بين الصوت والصدى،
يتحدثون دون أن ينظروا إليك،
ودائما يصلون متأخرين
في موعد لا يعني
سوى أن نهرا
يشق مجرى بعيدا عن عيونهم،
ثم يلقون في راحتيك جمرة من غضب
وكأنك سويت الكون على تلك الهيئة المزرية،
هل أنت نادم
لأنك تخليت عنهم كما يدعون؟!
أصابعهم تمزقت من الذنوب،
ومن كثرة ما أشارت إلى وهم شاخص في الفضاء،
كجندي عائد من حرب قاسية
بروح مرتجفة
وهزيمة كاملة
ونصف انتصار،
هكذا يبدو
أولئك الرجال الذين بلغوا الستين.. فجأة،
يعيشون في غفلة من الموسيقى
يظنون أنهم نجوا من ورطة الحياة
والخروج إلى النهار،
من جسر إلى آخر
ينحنون كي يمر الزمن،
ويقدمون شيخوختهم قربانا إلى النهر
لكنه لا يعبأ بصمتهم الصاخب
فيهمسون بينهم وبين أنفسهم:
(انتصرت الجغرافيا
وانهزم التاريخ
طالت بنا الأيام أكثر مما يجب
حتى باخت تماما)
في الشارع يفسح العابرون لهم ممرا ليعبروا
فرادى كالزحام،
في المترو يتخلى الصغار لهم عن مقاعدهم
بابتسامة خضراء كأعمارهم،
يحفظون مقالات الرأي في الصحف القديمة،
والوفيات في الصفحة الأخيرة
تحت الوسائد،
حتى تظل أحزانهم ريفية
وطازجة كالجرح
في ذاكرة منسية،
وفي “الضمان الاجتماعي” يطلبون منهم
أن يثبتوا أنهم على قيد الحياة
كأنهم لم يموتوا من قبل
كأنهم لن يموتوا أبدا،
كأنهم والعدم صنوان منذ الأزل،
حياتهم مرت بين موتين فنجوا
لم يتغيروا
من أجل الآخرين
كما تقول الأغنية:
(أنا لم أتغير
مازلت ذلك الشاب غريب الأطوار
الذي غنى لك أغاني رومانسية
الذي اخترع لك يوم الأحد
أنا لم أتغير
مازلت ذلك المبتدئ فنان الشوارع)
ظلوا على حالهم
يندفعون بغباء إلى قاع العادية
وكلما اتسعت الحياة ضاق الاختيار،
لم يرددوا سوى أغنية
تتحدث عن عناكب عمياء
تتجنب الاصطدام بالجدران
فتسقط في مستنقع الحزن،
كانوا يغنون:
أيتها الرصاصة
كوني رحيمة بيأسنا!
حتى الطرق العارية
والعتمة الساطعة كالخواء
لم تصل بهم إلى مكان،
مساكين
نعم مساكين
لا بيت
لا حقل
لا أصدقاء
لا عائلة
وحيدون مثلك يا ليل
وساذجون كشجرة واقفة
على حافة بحيرة ناشفة
تنتظر الماء والطيور الخضراء،
أحلامهم ثقيلة وصاخبة وثرثارة..
تقصم الظهر
تقترب وتبتعد،
لتتسع المسافة
بينهم وبين الخطوة القادمة
في ساحة الفناء،
أحدهم سيقول لك بتقطيبة
وجدية تأتي آخر العمر:
(صديقي مات بالأمس
دون أن يشيعه أحد
رموه في حفرة تليق بوضاعته
لم يبكوا عليه)
هؤلاء الستينيون يكذبون كثيرا،
ينتحبون في هدوء حين تمر جنازة،
وهذا الرجل بالذات لم يكن له أصدقاء
ظل طوال عمره يكلم الأشجار والبيوت والسماء
وحيدا يصنع السيوف والأعداء
وحيدا يمشي على هيئة “كيخوتا”
ربما كان نبيلا
ربما كان أحمق،
وهو يطارد الطواحين التي زرعها في رأسه
ليصنع المجد!
فقط كان يحمل على كتفيه
ذات الشمال وذات اليمين
غرابا
وجثة لا تجد من يواري سوأتها
جثة تشبهه بالضبط،
حين يكبر الفراغ.. كان يتضاءل
وتغوص أقدامه في طرق موحلة
تؤدي إلى قرية بعيدة،
لا ظل له
ولا شاطئ أو ماء
صحراء.. صحراء.. وعطش أبدي
لا شيء يؤنس وحدته سوى أشباح
تأخذه من يده إلى بحر
لا يحبه
كاد أن يسقط بين موجاته.. مرة
ونجا بمصادفة
فظل مدينا للمصادفات:
مصادفة أن عاش بعد الثلاثين
وصار موظفا تافها
لم تفارق الكوابيس غرفته،
مصادفة أن صاحبته التعاويذ السحرية
والخوف من المرايا
في الشتاء،
كان ميتا ويدري أنه ميت
وهذا سر لم يبح به،
اكتشفته امرأة سوداء
خارجة من كتب الساحرات
ومحاكم التفتيش في العصور الوسطى
ورايات الكوليرا الصفراء في رواية ماركيز،
تلك السوداء
حركت مقعده فتهاوى كالغبار القديم،
وتطاير السر،
كان ميتا إذن
جثة تسير على ساقين خشبيتين
وعظام مهترئة في قميص بائس،
يشبه البطل في “أحدب نوتردام”
لم يكن بطلا على أية حال
كان شبحا خائبا
لا يراه أحد
لا يحبه أحد
فلماذا يقول:
لا تصدقوا أحزاننا
فالليل وحيد ها هنا ومريض
واقف كحارس الأبد،
والنجوم مشغولة بعتمة تتكاثر كالفطر
في غيبة القمر
ونوافذ الحنين موصدة؟!
يتحدث كأنه رجل ذو شأن عظيم!
………….
يا الله
“النهاية هي البداية،
والبداية هي النهاية،
والزمن يمر،
لكن يمر إلى أين؟*”
كيف احتمل أولئك الرجال الذين بلغوا الستين.. فجأة
حياتهم السخيفة
دون أن ينهاروا
أو يتركوا ما يدل على موتهم القديم؟!
……………………………………………
*من مسرحية “جاك” ليوجين يونسكو

صدر له: – النوافذ لا أثر لها – الأسماء لا تليق بالأماكن – بأكاذيب سوداء كثيرة – بعد خروج الملاك…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع