البكاء بين يدى علي البدري

عبد الله محمد عبد الله

صخب سيارات الأجرة و المنادين عليها في موقف المؤسسة لم يمنع صوتك الرخيم من أن يتردد في ذهني، استعدته بفرحة ووجل، كنت اتعذب في الشهور الأخيرة لأني أشعر بأن رنة صوتك اختفت من أذني للأبد وأنى لن أستعيدها أبداً، شعرت للحظة أننا معا قهرنا الموت الذي فرقنا، صوتك في أذني من جديد لن أجعله يتسرب منها مرة أخرى، هل يدرك الراحلون يا أبي  من آخرتهم كيف يمسخ موتهم حياة ذويهم الباقين؟

كان كلامك عن الوحشة التي تثيرها مدينة أكتوبر في قلبك- ذاك الضعيف الذي عاش ومرض ومات في القناطر الخيرية ـ يتردد في ذهني بينما اخطو مترددا ناحية ميكروباصات اكتوبر زايد … انا ايضا لم احب تلك البقعة الباردة من الأرض لكن الشديد القوى دفعني لهناك .. بالأمس لطمني الخبر.. تجمدت وانكمشت بداخلى ولم اعرف ماذا افعل .. تماما كما اللحظة التي أخبرني الطبيب برحيلك عن الدنيا .. هل لخبر غير موتك أن يهزني بهذا الشكل؟ غير اني هش وضائع من بعدك أمام أي شىء فهذا الخبر بالاخص قلّب على مواجع رحيلك … كتمت الخبر بالأمس وحتى الآن بداخلي ولم ابح به لم لك إلا الان … أردت ان اتصرف بحكمة أولا وأن أخذ خطوة للحل قبل أن تعلم .. وها أنا الآن أخبرك بعد أن بحثت عن مكان اجد فيه ا ممدوح حتى أخبره بكل شىء ليوقف تلك المهزلة قبل فوات الاوان.

الخبر يا ابي أنهم سيصنعنون جزءا جديدا من ليالي الحلمية .. جزءا سادسا تخيل يا ابي.. بعد رحيل الأستاذ أسامة ومن بعده العم إسماعيل عبدالحافظ .. بعد أن مات أصحاب الدار يريدون أن يعيثوا فسادا فيه…. سيكون مسخا يا ابي سيقتلون معه اجمل ذكرياتنا معا .. الحلمية .. جوهرتنا المكنونة ودرتنا المصونة … فاكهة الحياة التي كبرت وانا اشاهدها معك حلقة بحلقة .. تفسر لي أحداثها مشهد مشهد وتفرد لي تفاصيل شخصياتها فردا فردا … اجمل ايامنا معا ستذهب ريحها الطيب هباء مع قبح ما يكتبونه ويمثلونه هذه الأيام … المحزن يا ابي اني اكتشفت أن الاستاذ ممدوح عبدالعليم سيقوم بدور البطولة في الجزء الجديد … دورك المفضل وشخصيتك الأثيرة علي البدري .

هاتفت أحد اصدقائي من العاملين بالصحافة الفنية وشرحت له الكارثة وحدثته عن رغبتي في اللقاء بالاستاذ ممدوح والحديث معه … مصطفى صديقي هذا يعرفني من ايام الكلية في  دار علوم .. لم تلتقه ابدا انت ولم يزرنا في البيت إلا في عزائك … مصطفى يعرف بحالتي فأنا احكى له كل شىء مثلك تماما يا أبي … هو من اختار لي الطبيب النفسي الذي أزوره .. عندما تكلمت معه شعرت بتردده في التجاوب معي لكنه لان وتكلم بعد أن وعدته ألا أرتكب اى حماقة … قال لي أن الأستاذ يتواجد كل صباح في نادي رياضي (جيم) قريب من منزله بالشيخ زايد .. وأنه هو بنفسه أجرى معه حوار صحفي في كافيه بجوار النادي من قبل .. نصحني مصطفى أن أهدأ وأن اعرف الاستاذ بنفسي قبل كل شىء وأن احكى له عنك يا ابي وعن حبنا للحلمية والاستاذ اسامه وكل ما كتبه خاصة شخصية علي البدري، مصطفى قال لي أن الأستاذ رجل طيب وأنه سيستقبلني بحفاوة وسيتكلم معي شرط أن أحدثه بهدوء وأن أشرح له كل شىء والأهم كما قال أن أخذ دوائي قبل أن أتحرك من البيت.

في (الكنبة) خلف السائق جلست وانتظرت في التويوتا الفارغة توافد الركاب واحد تلو الآخر .. شعرت بسخف ما أفعله … متى أتوقف عن تصرفات الأطفال هذه التي طالما ما جعلت من حولي ينفضون عني .. فكرت في الرجوع للبيت لكني لم أتخيل كيف سأعيش أيامي القادمة في ذلك الجحيم ..  حاولت أن أرتب أفكاري .. ماذا سأقول للرجل؟ هل أحكى له عنك يا أبي؟ سأحكى له كيف احتفظت بكل شىء في البيت نسخة طبق الأصل منه كما كان  يوم أن رحلت عن الدنيا .. كل شىء .. حتى ان شقتنا أصبحت متحف قديم .. الكنبة الاسطنبولي التي يفتح عليها باب الشقة لازالت في الصالة، إلى الان أجلس على غطائها البيج الذي بدلته قبل موتك بيومين.. اغسله وأعيده مرة أخرى ولا أجلس على غيره .. أمام الكنبة تلفزيونك الفيلبس القديم ال 20 بوصة لا زال على حاله .. ارمم فيه كلما تصدع منه جزء لكني لا استبدله أو اغيره ابدا .. أليس من رائحة  المرحومة امي كما كنت تقول.. الم تكن تحبه لأنكم شاهدتم عليه كل مسلسلات الاستاذ أسامة بداية من الشهد والدموع بجزئيها إلى عصفور النار الى ابوالعلا البشري والراية البيضا وضمير ابله حكمت وصولا للحلمية… كأنهم يشعرون بي يا أبي من يوم رحيلك في مايو 2010 والقنوات الفضائية تتناوب على إذاعة حلقات واجزاء الحلمية مرة بعد مرة من دريم إلى روتانا كلاسيك الى النيل دراما إلى dmc .. يومي ينتهي بنهاية الحلقة في الواحدة صباحا يا ابي.

في الحلقة الثالثة والعشرين من الجزء الثالث من الحلمية (حلقتك المفضلة) مات علي البدري واقفا… إنه تعبيرك الذي استعيره الان بينما افكر فيما أقوله للرجل .. يكتشف في السجن -الذي دخله مظلوما بتلفيق في قضية سياسيةـ أن حب عمره زهرة سليمان غانم /آثار الحكيم ستتزوج من رئيسها في الجريدة التي تعمل بها، في مشهد حزين يزوره اخوه وأخو زهرة عادل البدري / هشام سليم ويحكى له كل شىء .. علي ابن (علية ) التي ماتت بينما تلده .. اليتيم الذي أهمله أبوه وتركه لاقاربه يربونه أجهزت عليه الايام وذاق الظلم من كل النواحي … في سنتي الاعدادية النهائية قلت لي في جولة مشاهدة جديدة للحلمية  أن علي البدري هو تجسيد حي لشخصية الاستاذ أسامة نفسه إذ إنهما من نفس الجيل، عاشا معا أحلام عبدالناصر البراقة وذبحتهما هزيمة يونيو .. منذ شهور قليلة صادفت حوارا قديما على التلفزيون يقول فيه الاستاذ أنه بكى كثيرا بينما كان يكتب علي البدري … لماذا رحلت باكراً وتركتني وحيداً في هذه الدنيا يا أبي؟

في مطلع العام 2008 كان الأستاذ أسامة أنور عكاشة في طور نقاهة من عملية إزالة الكلي الذي خضع لها بمركز المنصورة في أواخر العام السابق.. كنا نترصد أخباره من الصحف والمجلات عندما أخبرتك يومها أنني قرأت في صفحة اذاعة وتلفزيون بصحيفة الأخبار أن برنامج العاشرة مساء سيستضيف الاستاذ ليطمئن الجمهور على صحته … انتظرنا الحلقة بفارغ الصبر .. كانت علامات المرض والهزال بادية على وجه الاستاذ بشكل واضح وكانت نبرة صوته ضعيفة .. عندما نوهت المذيعة عن استعداد البرنامج لاستقبال المكالمات الهاتفية، مرت فترة صمت بيننا تلاها نظرة مشتركة ثم ابتسامة تفهم، تحركت بسرعة إلى الطاولة التي تحمل التليفون الارضي، حملته وعدت به لجلسة الكنبة وبدأت سلسلة الاتصالات الطويلة بالبرنامج وكلها كانت محاولات باءت بالفشل فالرقم لم (يجمع) كما كنا نقول وقتها ..

ظلت آمالنا معلقة بالهاتف الذي كنا نتبادل الاتصال عبره  انا مرة وأنت مرة  في الوقت الذي كنا نستمع لمكالمات الناس وانا أدعو الله أن يحقق لك أمنية أعلم أنك لا تتمنى شيء في العالم أكثر منها .. اقتربت نهاية الفقرة وقلوبنا تضطرب بالأمل، عندما استمعت لصوت ضعيف أخذ يتزايد في الوضوح كأنه قادم من قاع بئر.. كان صوت أحد مساعدي الإعداد يسأل عن اسم المتصل .. منحت السماعة إليك يا ابي فحملتها وبدأت كلماتك المتعلثمة في الخروج بصعوبة .. كنت تعتقد انك تكلم الاستاذ فبدأت بتوضيح الأمر لك ثم قمت بالتعريف  بنفسك ثم فترة صمت وترقب… قالت منى الشاذلي على الشاشة أمامي أن على الهاتف أ عبدالحميد من القليوبية  .. تكرر كلامها مرة أخرى على التلفزيون مع زنة أزعجتها فطلبت منك خفض الصوت والاستماع عبر الهاتف .. نفذت ما طلبت وصرت أتنقل ما بين وجهك الملتصق بالسماعة وشاشة التلفزيون المنخفض صوته .. لحظات سكوتك الطويلة أربكتني وجعلت المذيعة تردد :

– أ عبدالحميد؟ ..

عندها فكت عقدة لسانك وانطلقت في الكلام .. ماذا يقول الإنسان عندما تأتى له فجأة فرصة غير متوقعة للكلام مع من يحب؟ .. لحظتها نظرت أنت للشاشة وبدأت  في تدفقك الهادىء.. أكثر ما أذكره الآن هو اللحظة التي طلبت فيها الحديث مع الاستاذ وعندما قالت لك الشاذلي أنك تكلمه بشكل مباشر، غلبك الصمت ، شعرت بالفرصة تهرب فوسعت حدقتا عيني لأحثك على معاودة الكلام .. ثم قلت الجملة التي ستظل محفورة في ذاكرتي للأبد : أنا عاوز اقول لحضرتك يا استاذ أسامة أن أنا عامل في مصنع ياسين للزجاج في شبرا الخيمه وعندي ٤٨ سنة يعنى مش صغير ومع ذلك انا اتربيت على ايدك يا استاذ .. وعرفت كل حاجة عن تاريخ البلد وعن الذوق والإنسانية من مسلسلاتك .. انا عاوز اشكرك على كل حاجة يا استاذ .

تهدج صوتك بالبكاء خلال الحديث عند هذه النقطة .. نظرت إلى الشاشة فرأيت الكادر على الاستاذ وهو يغالب دموعه .. وبينكما كنت انا ممزق ما بين الفرحة الغامرة باللقاء الحلم والحزن على تأثركما .. تقطعت كلماتك ولم تعد منتظمة .. استنتجت من صمتك أن المكالمة انتهت .. أخذت منك السماعة ورفعت صوت التلفزيون بالريموت .. كانت الشاذلي تعقب على كلامك وهي تنظر للاستاذ الذي يبكي بتأثر .. نظرت لك ثم احتضنتك بقوة.

على الطريق الدائري كان القبح يطارد عيني أينما سارت بنا السيارة.. قبح البيوت الخرسانية المتراصة بلا ذوق أو ترتيب.. أسياخ من الجماد تسلخ نظر من يراها كعذاب يومي ابدي لا يتوقف .. عندما دخلنا إلى طريق المحور زاد أثر القبح كثيراً .. كان مد الأبنية الحمراء يزحف بغباء على الأراضي الخضراء .. حاولت أن أغمض عيني ففشلت .. يذكرني كل شىء أراه على هذا الطريق بما حدث لقريتنا أو ما كانت قريتنا .. منذ رحلت وأغلب البقع الخضراء المزروعة تحولت إلى مباني قبيحة وشوارع ضيقة كئيبة .. لو كنت بيننا الان لشعرت بالغربة التي أحيا فيها .. صارت قريتنا مسخا لا روح فيه .. لا سكينة الريف ولا تمدن الحضر.

أخيراً أصل مدينة زايد ..علامة الهايبر والمبنى الضخم الذي يحملها .. أنزل من السيارة وأبدأ في السؤال عن النادي الرياضي ..ينصحني البعض بتاكسي وبالفعل ذهب بي سريعاً إلى المكان.. هالتني فخامة البناية المبالغ فيها .. المصعد واسع صعدت فيه مع مجموعة من الناس بدا شكلي وسطهم نشازاً وبدا عليهم التأفف من مظهري.. إلى الدور الثالث حيث الباب الزجاجي الذي يفتح أوتوماتيكيا بمجرد الحركة نحوه.. في المدخل طاولة استقبال عريضة، عليها فتاة حسنة المظهر استقبلتني بابتسامة متشككة وسألتني عما أريد، قلت لها أني من طرف مصطفى عبيد وأنى أريد أن أصل للفنان ممدوح عبدالعليم .. نظرت لي باستغراب ثم سألتني إن كان معي قسيمة للاشتراك .. أجبتها انى لست عضوا ولكني أريد مقابلة الاستاذ ممدوح في شأن شخصي… نظرت إلى فتاة أخرى جوارها وتبادلت معها حديث هامس ثم نظرت إلي ما خلفي عندما أمسك شخص ما ذراعي بقوة وطلب مني الخروج معه بهدوء .. حاولت التملص لكنه ضيق الخناق علي وحاول سحبي للخارج .. بدأت في دفعه بعيدا عني عندما حضر لمساندته حارسا أمن  آخران .. انفعلت وعلا صراخي عندما تكالبوا على واسقطوني أرضا.

رفعوني عن الأرض ومشيت معهم في استسلام عندما سمعنا ضجة كبيرة وصوت صرخات انثوية وهرج ومرج .. اندفع حارس اخر من خلف بارفان ضخم يخفي القاعات الأخرى .. كان يصرخ طلبا للمساعدة عندما تركنى اثنان منهم وذهبا معه .. في ثوان عادا وهما يحملون رجل في الخمسينات يرتدي تريينج رياضي وعلى رأسه كاب سرعان ما سقط من فوق رأسه فرأيت الأستاذ ممدوح محمولا وفي حالة إغماءة .. كان مختلفا عن شكله التقليدي حيث بدا عليه علامات التقدم في السن .. حاولت أن أتحرك لمساعدتهم لكن حراس آخرون كثيرون أتوا وأمسكوا بي .. أرغموني على النزول عبر السلالم ..  ادخلوني في شاحنة ميكروباص عليها شعار النادي الرياضي .. تحركت السيارة بتسارع  عالي بينما كنت أجلس وسط مجموعة من الحراس الغلاظ..  تماما كما تفعل أجهزة المخابرات في الافلام الغربية.

 … بعد دقائق قليلة توقفت السيارة وأمسك بي ما يبدو أنه رئيسهم .. هددني أنه إذا رآني مرة أخرى هنا سيسلمني للشرطة ..  .. أخرج محفظتي من حقيبتي وقلب في البطاقة الشخصية وبقية الكروت .. نظر لي بقرف ثم ألقي بأوراقي من نافذة السيارة ثم جذب باب الميكروباص ودفعني للخارج.

عدت للبيت مهزوما .. بملابسي المتربة وحذائي نمت نوم الهارب من كل شىء .. نوم الذي يتمنى الموت .. في الحادية عشرة قرب منتصف الليل استيقظت .. تمنيت أن يكون يومي الطويل كابوس كئيب مقبض لكن حالي المهلهل قال كل شىء .. فتحت جهاز الكمبيوتر وسمعت رنة الويندوز الشهيرة.. كتبت على جوجل (ممدوح عبدالعليم) وانتظرت النتائج … النتيجة الاولى كانت :

 

 وفاة الفنان المصري ممدوح عبد العليم إثر أزمة قلبية

تركت ما في يدي وقمت لاغتسل .. أعددت بعض الطعام .. وعندما دقت الساعة الثانية عشر ليلا وفي بداية يوم جديد .. جلست على الكنبة الاسطنبولي و بالريموت السميك العريض فتحت التلفزيون الفليبس لاشاهد حلقة جديدة من الحلمية.

……………………………..
*تنويه: (في 5 يناير 2016 رحل عن دنيانا الفنان ممدوح عبدالعليم إثر أزمة قلبية أثناء تواجده بنادي رياضي (جيم) في نادي الجزيرة بالزمالك ،رحمة الله عليه)

*قصة من المجموعة الفائزة بجائزة يحيى الطاهر عبد الله، دار المرايا، 2025

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع