نيك ريباترازون
ترجمة: ممدوح رزق
في يونيو 2002، كنت في إجازة الصيف، وعلى وشك دخول سنتي الأخيرة في الجامعة. قضيت تلك الأشهر الدافئة أعمل في مسقط رأسي بمدرسة “ذا سينغ آي” لتدريب الكلاب المرشدة. كان عملًا مريحًا في تنسيق الحدائق، يتضمن وجبات غداء مجانية، ووقتًا كافيًا لقراءة أندريه دوبوس، وكتب اللاهوت على جرّار “شتاينر”، مركون في حقل مُشذّب حديثًا. كنت قد تعلمت حينها أن أُقدِّر نِعم الله عليّ.
في أحد الأيام، فتحت بريدي الإلكتروني لأجد رسالة من كاتب حقيقي. كنت أدرس الكتابة الإبداعية والفلسفة في جامعة ساسكوهانا في سيلينسجروف، بنسلفانيا، وكنت محاطًا بكتّاب حقيقيين، وبالطبع أتلقى تعليمي منهم، لكن هذه كانت رسالة من كاتب لم ألتق به قط.
اسمه جاك غاريت. التقى بإخوتي الأكبر سنًا في الأسبوع السابق، وشربوا معًا بيرة، وتحدثوا عن رحلاتهم إلى الأماكن نفسها في إيطاليا. أخبروا جاك بأنني أرغب في أن أصبح كاتبًا، فأعطاهم بريده الإلكتروني. لطالما كان إخوتي من أكبر الداعمين لي، سواء كنت في ملعب كرة السلة، أو خلف المنصة أقرأ من أعمالي الناشئة.
كان قرار جاك بمشاركة بريده الإلكتروني مع إخوتي لفتة طيبة، والألطف من ذلك رسالته التي ردّ بها على رسالتي التمهيدية. كان بإمكانه أن يكون مهذبًا بشكل روتيني، لكنه بدلًا من ذلك كان كريمًا ومتأملًا. لم تكن مجرد رسالة بريد إلكتروني، بل رسالة حقيقية، من النوع الذي كنت أتلقاه من أختي أو أمي أثناء دراستي في الجامعة؛ تلك الرسالة التي تجعل الكاتب الشاب يؤمن بأن كل هذا الجهد يستحق العناء.
لطالما كنت متشككًا بعض الشيء في عبارة “المواطنة الأدبية”. في أفضل صورها، وربما أنقاها، هي الرغبة في إنشاء مجتمع أدبي أصيل من الكُتّاب والقرّاء. أما في أسوأ صورها، فهي تُوحي بمبدأ المعاملة بالمثل والعلاقات النفعية: اشتريت كتابك، لذا من الأفضل أن تشتري كتابي، ولا تتوقع مني أن أنشر عملك إن لم تنشر عملي.
الكتّاب، بطبيعة الحال، أكثر دهاءً من إشهار ذلك. ومع هذا، فإن شكوكي حول المواطنة الأدبية تنبع غالبًا من كونها ظاهرة عامة. ومثل الصلاة، أتساءل إن كان من الأفضل أن آخذ كتابًا، وأذهب إلى غرفتي، ثم أغلق الباب، وأُثني عليه سرًا.
وصلت رسالة جاك قبل أن أنشئ حسابًا على “فيسبوك”، وقبل وقت طويل من امتلاكي حسابًا على “تويتر”، أو موقعًا إلكترونيًا، أو أن يكون لي أي وجود بارز آخر على الإنترنت. كانت رسالة من شخص لآخر، يجمعهما شغف مشترك بالفن.
منذ بداية رسالته، بدا جاك متواضعًا. لم يكن متأكدًا من أنه الشخص الأنسب للإجابة على أسئلتي حول حياة الكتابة، لكنه شاركني قصته. كانت رحلة “متعرجة للغاية منذ البداية”: طموح شبابي لأن يصبح كاتبًا، وشهادة الثانوية العامة، ووظائف مبكرة كمذيع راديو في “محطات صغيرة في الجنوب الغربي”. مع ذلك، ظل شغفه بالكتابة يجذبه، فالتحق بجامعة أيوا كطالب مستجد في سن السادسة والعشرين، ودرس الأدب الإنجليزي والمسرح، بما في ذلك ورش عمل في كتابة المسرحيات. قال إن تلك السنوات غيرت حياته: “تلقيت الكثير من التشجيع واكتسبت بعض الثقة، بالإضافة إلى الوقت الكافي للكتابة، ولا يمكن للمرء أن يطلب أكثر من ذلك”.
رفَضَ برامج الماجستير في الفنون الجميلة، وقضى بدلًا من ذلك بضعة أشهر في فرنسا “حيث واجهت فشلًا ذريعًا في إنجاز أي كتابة، لكنني قضيت وقتًا ممتعًا” قبل أن ينتقل إلى مدينة نيويورك؛ حيث كانت حبيبته تدرس في الدراسات العليا هناك. كَتب بالفعل، لكن الأمر لم يكن سهلًا: “أرسلت بعض أعمالي إلى المجلات الفصلية المعتادة، وتلقيت بعض الرفض المشجع، لكنني في النهاية تعثرت لعدم وجود جمهور”. عاد جاك إلى التمثيل، وأسس فرقة مسرحية مع بعض الأصدقاء، وقال: “في ذلك الوقت، كنت أكتب بشغفٍ كبير، لعلمي بأنني سأتمكن قريبًا من عرض أعمالي على خشبة المسرح: استعدت جمهوري. كان شعورًا رائعًا”. لكن ذلك لم يدم سوى بضع سنوات: “استنفدنا طاقتنا”.
أضاف تعليقًا جانبيًا بين قوسين (يشاطرني جاك الانجذاب نحو تلك الخاصية التركيبية): “هذا صراع مستمر، أدركت الآن أنه لن ينتهي. إنه محور حياتي. إذا كتبت، فالحياة جيدة. وإذا لم أفعل، فإنني أغرق في العدم”.
كان جاك يكسب رزقه من خلال وظائف متنوعة، منها مساعد قانوني ومعلّق صوتي، “مما يعني أنني تخليت عن فكرة (المسيرة المهنية) أو أي فرصة حقيقية لها، بينما كنت أحاول أن أنجح ككاتب. لا أشعر بأي ندم على ذلك. كما قلت، الكتابة نفسها هي الكفاح، لكنها الوحيدة التي تمنح حياتي معنى حقيقيًا. لا يمكنني بأي حال من الأحوال أن أُعتبر نفسي ناجحًا، إلا أنني لم أستسلم. عمري 47 عامًا”.
اختتم رسالته بهذه العبارة: “أتمنى لكم التوفيق والسعادة في عملكم”.
خلال السنوات اللاحقة، كنت أعود مرارًا إلى رسالة جاك. في عام 2009، كتبت إليه لأُطلعه على آخر المستجدات؛ كنت قد نشرت قصصًا في مجلتي “ذا كينيون ريفيو” و”إسكواير”، وأدرس أيضًا في برنامج الماجستير في الكتابة الإبداعية بجامعة روتجرز. لكنني أردت في المقام الأول أن أشكره على لطفه.
لم تصل رسالة البريد الإلكتروني؛ تم إغلاق الحساب.
تتراكم في صناديق بريدنا الإلكتروني آلاف الرسائل. وبفضل أرشفتها الرقمية، لا تشغل حيزًا في الأدراج أو الخزائن. يصلنا المزيد منها يوميًا، وتُدفن الرسائل القديمة، وغالبًا ما تكون غير مرئية لعمليات البحث البسيطة. من بين هذه الرسائل الإلكترونية مسودات لم تُرسل، تُركت دون إكمال بسبب التشتت أو التردد. كثيرًا ما نترك محادثاتنا غير مكتملة.
لطالما تساءلت عما حدث لجاك غاريت. في السنوات التي أعقبت مراسلته لي، كان راويًا غزير الإنتاج للكتب الصوتية، لا سيما روايات الغرب الأمريكي والخيال العلمي والفانتازيا. وقد نشر بعض القصص القصيرة الرائعة في مجلات “ذا ليتيراري ريفيو” و”ذا نيو أورلينز ريفيو” وغيرها.
عقب تلك الاكتشافات، قررت البحث عنه. وبعد بضع رسائل إلكترونية، تلقيت ردًا من جاك. في البداية، ظن أن استفساري الجديد “نوع من عمليات الاحتيال الإلكتروني؛ ذكية وإن كانت سخيفة”.
من ضمن الأشياء التي كتبها لي في البداية، وفاجأتني قليلًا: “لا أستطيع أن أنظر إلى الوراء، وأقول إن الكثير قد تغيّر خلال 23 سنة. ربما كتابة هذا الاعتراف ستساعدني على مواجهته، وتدفعني إلى فعل شيء حيال ذلك”.
على الرغم من أن جاك قد نشر حوالي 20 قصة، إلا أن إحدى قصصه المفضلة قد “رُفضَت (أحصيتها للتو) 91 مرة، وأخرى أكثر من 70 مرة، والعديد غيرها عشرات المرات، معظم هذا الرفض تلخص في عبارة نمطية من سطر واحد”. يعود إلى تلك القصص “مرة واحدة في السنة تقريبًا” لمراجعتها، “ويجد في أغلب الأحيان جملة أو جملتين فقط يمكن تغييرهما، أو بضع كلمات – وهو ما لا يزال يمنحه متعة كبيرة – ثم يرسلها مرة أخرى”.
يخبرني جاك بأنه يتساءل أحيانًا عما إذا كان ينبغي عليه الاستمرار في الكتابة لـ “العروض المسرحية”، حيث يكون التفاعل مع القراء والجمهور أكثر مباشرة. ومع ذلك، يجد نفسه منجذبًا دائمًا إلى الروايات النثرية، كما “لن يتوقف عن المحاولة” لنشر أعماله.
يقول: “لكنني لم أبذل جهدًا كافيًا”.
في السنوات القليلة الماضية تحديدًا، كنت أبحث عن أي عذر لأبتعد عن مكتبي، مستسلمًا بسهولة عندما أواجه مأزقًا ما. كنت أقع في فخ المشتتات السهلة، وأشعر بالكراهية نحو العمل أو تجاه نفسي لعدم إنجازه. إنها قصة قديمة، وليست قصتي وحدي، ولكن هذا لا يخفف من وطأتها.
ويتابع: أذكّر نفسي بأنني اتخذت قرارًا بأن أعيش ككاتب، وأن أكون فضوليًا بلا تمييز وبمرح ـ سواءً أكان ذلك بملاحظة هادئة أو بانخراط دؤوب ـ هو امتياز لم أمتلك بعد الشجاعة الكافية لأتقبّله بالكامل. إنها حياة صعبة، تُعاش بالمثابرة واللعب الجاد، ويتنازعها البؤس والفرح. في سن 71، أشعر وكأنني ما زلت في بداية الطريق.
أود أن أشكر جاك. وأن أقول له أيضًا إنه كاتب عميق، ومُلهِم دائمًا. أحيانًا ينبغي نشر المراسلات الخاصة، لأنها تمنح الأمل للآخرين. إذا كنت تكتب ـ أو تُبدع أي نوع من الفن ـ فليس عليك إلا الاستمرار.
Literary Hub
19 فبراير 2026
……………………..
*نيك ريباترازون: كاتب أمريكي، يشغل منصب محرر الشؤون الثقافية في مجلة Image Journal، وكاتب منتظم في موقع Lit Hub. نُشرت مقالاته وأعماله في عدد من أبرز المجلات والصحف العالمية، منها: The Atlantic، وRolling Stone، وThe Paris Review، وEsquire، وGQ، وSlate . يُعد كتاب “عادة الشعر “(2023) أحدث مؤلفاته. يعيش في ولاية نيوجيرسي مع زوجته وابنتيه التوأم.




















