شهاب بديوي
مُفتتح:
باتت الأفلام القصيرة تأخذ مساحة أوسع من الاهتمام عما مضى. ورغم أننا لا نزال داخل إطار محدود وهامشي في بعض الأوقات، إلا أنه لا يمكن إنكار أن مساحة العرض والاهتمام تتسع بفضل المهرجانات السينمائية، والفعاليات، وشاشات السينما البديلة، والجمهور الذي بات مهتمًا وحريصًا على المتابعة.
ويخطف النصيب الأكبر من هذا الاهتمام تلك الأفلام التي تقتنص الجوائز، خاصة العالمية، أو حتى تحظى بفرصة العرض داخل الفعاليات الأهم دوليًا؛ فعندما نسمع بأن هناك فيلمًا قصيرًا تواجد في مهرجان فينيسيا، أو كان، أو برلين، أو لوكارنو، نسعى بشغف متقد إلى مشاهدة هذا العمل والتعرف عليه وعلى صُنّاعه.
إلا أن مساحة عرض الأفلام القصيرة لا تزال مرهونة بالمهرجانات والفعاليات السينمائية، وخارج هذه السياقات يصعب العثور عليها أو مشاهدتها. وهذا حاجز يقف أمام الجمهور الحريص على المشاهدة والمتابعة، وبين الأفلام. ولكن الأفلام المميزة تجد طريقها للجمهور، ولو بعد حين.
٢
ليلة خارج التوقعات:
ومن هذه الأفلام المميزة فيلم المخرجة المصرية كوثر يونس «صاحبتي»، إنتاج سنة ٢٠٢٢، ومن تأليف أحمد عصام السيد وكوثر يونس. وشارك في العمل إلهام صفي الدين، ومارك حجازي، وفاضل الجارحي.
وتقع أحداث الفيلم في ليلة واحدة، تزور فيها (علياء) منزل صديقتها في الجامعة (سارة) للعمل على مشروع تخرجهما.
لكن، بعد ثوانٍ من دخول علياء، نكتشف معلومة كافية لقلب موازين الأحداث؛ فعلياء هي في الحقيقة (علي)، حبيب سارة الذي جاء إلى منزلها متخفيًا لقضاء ليلة بصحبتها.
منذ الكشف عن هذه المعلومة، تتغير طبيعة الحكاية، ونكون أكثر حرصًا على المتابعة، وأكثر تلهفًا لمعرفة ما سيحدث. فمن هنا تظهر مشاعر القلق والتوتر ترقبًا للحظة التي تنكشف فيها هوية (علي) أمام الأسرة. وفي كل مرة تدخل فيها والدة سارة عليهما، يزداد القلق والتوتر، وقد أجادت المخرجة استغلال هذه المشاعر، بعدّد المرات التي تدخل فيها الأم، والمشاهد التي ظهر فيها الأب كذلك، وأحسنت كذلك، اختيار التوقيت الذي يمكن استغلال هذه النقطة فيه.
تمر الليلة على عكس ما هو متوقع لها، وهذا فيلم لا يسير وفق توقعات مشاهديه؛ فبعدما كانت الزيارة عادية من صديقة لصديقتها في بداية الأمر، تحولت إلى حبيب يزور حبيبته داخل بيتها، وفجأة تتحول مشاعر اللهفة والشهوة إلى عكس ذلك، ويتعكر مزاج (علي) من سخرية سارة منه وهو متنكر في شكل فتاة. علي الذي تساعدنا الكاميرا على ملاحظة إعجابه بشكله في دور الفتاة، ونلاحظ اكتشافه علاقته بجسده بشكل مختلف.
يبيت علي مع حبيبته سارة على سرير واحد، لكن دون أي فعل. ولكي لا نفقد الحماس تجاه القصة بعد معرفة معلومة تنكر علي في دور فتاة، تحرص المخرجة على جعل المشاهد مشدودًا ومنتبهًا، فتلعب على هذا الخيط. فعندما يقرر علي أن يدخل الحمام فجرًا، وبعد دخوله مباشرة، يقف الأب أمام باب الحمام منتظرًا خروجها، لتبدأ مراوغة جديدة على حبال التوتر.
وفي نهاية الليلة، وصباح هذه الأمسية، عند نزول علي بصفته علياء بصحبة سارة، يطلب الأب من سارة أن تبحث عن نظارته، وبينما تذهب هي لذلك، يبدأ حديثًا موترًا مع صديقتها علياء، وبفضل اللقطات الكلوز التي تعتمدها كوثر في مراقبة يد الأب، نلاحظ بُعدًا آخر للمعاملة والملامسات في محاولته التقرب منها. وهنا يواجه علي الأمر في صورة أكثر فجاجة وقسوة؛ فالشاب الذي رفض تشبيه حبيبته له بالأنثى وسخريتها منه، وتوتر من مشاعره تجاه جسده التي ظهرت مع نظرته للمرآة، يواجه في نهاية الليلة محاولة تحرش من أب حبيبته.
ومن المثير للاهتمام هنا أن الفيلم لا يتعامل مع التنكر بوصفه مجرد حيلة يلجأ إليها علي لكي يتمكن من قضاء ليلة مع حبيبته، وإنما يجعل منه مدخلًا لاكتشاف جوانب أخرى من الشخصية لم تكن لتظهر في الظروف العادية. فعلي الذي يدخل المنزل وهو يعرف جيدًا الغرض من هذه الزيارة، يجد نفسه تدريجيًا في مواجهة أسئلة لم يأتِ من أجلها، وتتحول الملابس التي يرتديها من وسيلة لإخفاء هويته إلى سبب في ارتباكه أمام نفسه وأمام الآخرين. والمفارقة أن علي، الذي كان يسعى إلى الاقتراب من حبيبته، يبدأ في الابتعاد عنها كلما ازدادت محاولاتها للتقرب منه، وكأن التجربة التي كان يتوقع منها إشباع رغبته تقوده إلى اكتشاف مشاعر لا يعرف كيف يتعامل معها. لكن الفيلم لا يمنح هذا التحول تفسيرًا مباشرًا، ولا يحاول أن يحسم لنا ما يشعر به علي على وجه الدقة، وإنما يتركنا أمام أفعال متناقضة، ونظرات، ولحظات صمت، نتلمس من خلالها ارتباك الشخصية. وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الفيلم؛ فهو لا يتعامل مع الشخصية باعتبارها كيانًا مكتملًا يعرف دوافعه جيدًا، وإنما يضعها في موقف يكشف لها عن نفسها بقدر ما يكشفها لنا.
تتلاعب كوثر بالأدوار، وبدلاً من تقديم خطاب عن ما تتعرض له النساء من قهر، واستغلال، وتحرش، وعن نظرة المجتمع لها، وما تعانيه؛ فهي تقلب الموازين، وتستخدم حيلة التنكر التي وضعة فيها بطلها (علي)، ليُعاين الرجل بنفسه ما يعنيه أن تكون أُنثى داخل المجتمع. من هذا المدخل؛ تلاحق الصدمات علي بداية من رفضه التشبيه بالمرأة، إلى محاولة استغلاله على أنه علياء.
دائمًا ما يطالب الرجل بأن يتعاطف مع المرأة، كونها طرف أضعف في المجتمعات العربية خاصة. والتعاطف (Empathy) هو قدرة الإنسان على فهم مشاعر الآخرين، ووضع نفسه مكانهم، ورؤية الأمور من منظورهم، ومشاركة مشاعرهم أو تقديرها دون الحكم عليهم. لا يقتصر التعاطف على مجرد “الشفقَة” أو “الشفقة على الحال”، بل هو تواصل إنساني عميق يتيح لك أن تشعر بما يشعرون به وتدرك دوافعهم.
كوثر لا تطلب التعاطف من طرف للآخر، ولكن تقذف به مكان الطرف الآخر ليُعاين بنفسه ما يعانيه الطرف الثاني. فليس الخبر الذي قد يسمعه الرجل عن قهر امرأة، او تعرضها للتحرش كالمعاينة كما في حالة علي هنا.
٣
الكتابة والإيقاع، وفخ المفاجآت:
يمكننا خوض حديث عن مشكلات الأفلام القصيرة من هنا، من هذا الفيلم تحديدًا، ومن هذه المشكلات الخفية أزمة النهايات، والسعي الدائم لإبهار المشاهد في نهاية الفيلم؛ فأنت تشاهد حكاية تسير في خط ما، وعند مشهد النهاية نُصدم بنهاية غير متوقعة.
يسعى كثير من مخرجي الأفلام القصيرة لهذه الخدعة، وكأن الخدعة السردية شيء لازم في بناء الفيلم القصير، حتى لو كانت لا تخدمه.
وليس عيبًا أن يفاجئنا الفيلم بنهاية غير متوقعة، ولكن الأزمة تكون في أن كثيرًا من هذه الأفلام لا تملك سوى تلك المفاجأة. يعتمد عليها الصانع اعتمادًا كليًا. فهي أفلام فارغة من كل شيء، مفلسة، لا تحمل إلا دهشة النهاية الساذجة.
بينما نحن هنا أمام فيلم يعتمد بذكاء شديد، ورغم المفاجآت التي يحملها، على التحول الداخلي للشخصية، وعلى لحظات تبدو عابرة وسريعة، لكنها تكشف عن العالم والمجتمع والشخصيات داخله الكثير والكثير.
فنبدأ مع علي الذي جاء إلى بيت حبيبته لكي يمارس معها الجنس، بشهوة ذكورية جامحة، ثم يحدث للشخصية تحول داخلي بسيط، لكنه صادم ومربك، عندما يكتشف جسده، وتتغير علاقته معه من خلال تنكره في دور علياء. يرتبك علي، ولا يحسن التعامل مع هذه المشاعر، فيرفض ملاطفة سارة أو التجاوب معها، ثم في النهاية يحدث تغير آخر مزلزل، بمحاولة الأب التقرب منه على أنه فتاة/علياء. أحداث ومعلومات مثيرة وصادمة، لكنها متبوعة بتحولات داخلية للشخصية، وهذا هو الأهم، وتخدم عليها بشكل قوي.
حرفة البناء:
لا يحتوي الفيلم على عنصر واحد؛ هناك العديد من العناصر الفنية التي تتكاتف وتنسجم معًا لتكوين عمل فني. والعمل الجيد لا يُميزه عنصر واحد من عناصره، ولو كان هذا ملحظًا نراه متكررًا في كثير من الأعمال الأخيرة، خاصة الأفلام القصيرة التي تطغى فيها الصورة على باقي عناصرها. أما هنا، فنحن أمام لغة سينمائية متماسكة مكّنت الجمهور من أن يدلف داخل الحكاية بسلاسة. وهي أقرب ما تكون إلى الواقع، وهي ما تتميز به المخرجة كوثر يونس التي تُجيد الإقناع بواقعية الحكاية اعتمادًا على لغة الصورة. كذلك هناك وعي شديد بالمشاهد، وحرص على جعله منغمسًا في الحكاية ومتورطًا داخلها دون ملل أو انفصال.
الكتابة الجيدة هي أن تعرف ماذا تريد أن تقول، وأن تعرف شخصياتك، وأن تتحول الكلمات إلى فعل درامي. كذلك تحتاج الكتابة الجيدة إلى جرأة الحذف؛ حذف ما لا يهم، وما هو مكرر، وما لا يدفع القصة إلى الأمام.
وأهم ما يميز الكتابة الجيدة، وهذا الفيلم، أن يمتلك الكاتب/المخرج إيقاعًا خاصًا بالحكاية ونوعها. وليس مقصودنا بالإيقاع هنا وتيرة الأحداث أو سرعتها فقط. فقد نكون أمام مشهد طويل بين شخصيتين، لكنه مليء بالتوتر ومشحون بالمشاعر. وقد نكون أمام مشهد مليء بالمعلومات، لكنه ممل.
والإيقاع يتشكل أصالةً من العلاقة بين المعلومات التي نعرفها نحن كمشاهدين، والتوقعات التي تتكون لدينا على إثرها، والأفعال التي نشاهدها، والوقت الذي يمنحه الفيلم لكل ذلك، والوقت هنا بمثابة إطار محكم.
وفي الفيلم هنا، تجعلنا المعلومات التي نعرفها منذ البداية، مع الكشف عن حقيقة هوية علياء، نحمل توقعات عن طبيعة الأحداث القادمة بين سارة وعلي، وبينها وبين أسرتها لو كُشف أمرها. هذه المعلومة تشحننا بمشاعر مختلطة من التوتر والقلق والترقب واللهفة، وبين هذه التوقعات وما نشاهده يحدث بالفعل، والمشاهد التي تضع فيها المخرجة كشف هوية علياء على المحك، يُصنع الإيقاع بحرفية شديدة الإتقان.
وليس لزامًا، من باب الكتابة الجيدة، ألا يتنبأ المشاهدون بالأحداث؛ فالحكاية أحيانًا قد تكون بسيطة ومألوفة، لكنها تتميز بأن طريقة معالجتها شديدة الخصوصية. فالأصالة ليست أن تقول شيئًا لم يسبق قوله، ولكن الأصالة أن تصل إلى تعبير ومشاعر خاصة تجاه شيء قد يكون الآخرون قد عاشوه ومروا به. ففي النهاية الفيلم يتناول مواضيع تم تناولها آلاف المرات، وهي مواضيع مألوفة عن التحرش، والمرأة في مجتمعات محافظة، ولكن ذكاء صناع العمل في قلب الموازين، ووضع الرجل مكان المرأة ليختبر تلك المشاعر التي طالما سمعها، وسمع عنها، فكما يقول الممثل: ليس الخبر كالمعاينة.
الأداء:
ومن العناصر المميزة داخل الفيلم، بكل تأكيد، الكاستينج الموفق من المخرجة في اختيار الممثلين. بدايةً من الممثلة (إلهام صفي الدين) صاحبة الحضور القوي واللافت، إلى الممثل (مارك حجازي) في دور علي/علياء، والذي، في نظري، كان موفقًا في التعبير عن المشاعر الداخلية المتناقضة وشديدة الحساسية، وقدم أداءً مقبولًا إلى حد كبير. وكذلك دور الأب كان مقبولًا، والأم كانت موفقة جدًا رغم مشاهدها القليلة.
ختامًا:
في النهاية، قدمت لنا كوثر يونس بصحبة أحمد عصام السيد حكاية متماسكة وتجربة سينمائية مميزة. تترك معنا، بجانب الحكاية المشوقة، أسئلة كثيرة عن الهوية، وعن الذكورية الهشة، وعن الأدوار الاجتماعية المفروضة على كل طرف. حكاية، رغم بساطتها التي تبدو بها ظاهريًا، تحمل الكثير من الهم والغم والضيق. حكاية محملة بأتعاب الحاضر/الواقع الذي تعيشه المخرجة والنساء عامة.


















