حاوره: بولص آدم*
أصدر الأديب القدير روبن بيت شمويل، عدة كتب في سيرة وأدب الشاعر الراحل سركون بولص.. نستذكر رحيل سركون هذه الأيام.. في واحد من مؤلفات روبن أقتبس التالي: “قبل يوم من وصول سركون بولص إلى العاصمة الهولندية، هاتفني صديقي القاص المبدع بولص آدم من فيينّا مؤكـّداً لي أن سركون سيكون في هولندا للمشاركة في مهرجان روتردام العالمي الثامن والثلاثين، للفترة من 16-22 حزيران 2007. وفي الحال، أجريت اتصالاتي مع إدارة المهرجان لتؤكّد لي الخبر مع الإشارة إلى أنّ سركون بولص مدعو إلى المهرجان بصفته شاعراً عراقياً…”
وبعد مرور 20 عاماً على حوار أجريته مع روبن، أُعيد النشر..

الأديب روبن بيت شموئيل كان قد أصدر في بغداد عام 1998 كتابًا خصّ به الشاعر العراقي سركون بولص، بعنوان «سركون بولص.. حياته وأدبه»، وكانت نسخة منه قد أبرقها المؤلف إلى سركون عن طريق صديق الطرفين، الشاعر ميخائيل مروكل ممو.
وفي سؤال للإذاعة الهولندية (القسم العربي):
* كيف كان لقاؤك بالكتاب؟
أجاب سركون: لقد تفاجأت بالكتاب تمامًا. في إحدى الكنائس الآشورية في شيكاغو، كان قد عُرض هذا الكتاب، وكنت بصحبة صديق أشار إلى صورة كانت قد طُبعت على غلاف كتاب ما، قائلًا إن هذه الصورة لك يا سركون! وفعلًا اندهشت إذ رأيت صورتي في كتاب تزيّنه كتابة آشورية. يبدو أن مؤلف الكتاب كان رجلًا جريئًا للغاية، فكيف استطاع أن يصدر كتابًا عن شاعر هارب من العراق وباللغة الآشورية؟
وفي سؤال ثانٍ: ألم يجعلك هذا الكتاب تحنّ إلى لغتك الأم الآشورية؟
أجاب سركون: بلى.. انتابتني مشاعر رهيبة جدًا، فسألت نفسي: من نحن؟ صدك، من نحن؟ أنت عراقي وهناك كتاب عنك بالآشورية في بغداد، وأنت في نهاية العالم! فهذا المؤلف صادني مثل السمكة التي كانت في القصيدة. (إشارة إلى أول قصيدة كتبها سركون في كركوك بالآشورية، بعنوان «الصياد»).
الأديب روبين بيت شموئيل هو أول من ألّف كتابًا عن الشاعر العراقي الراحل سركون بولص، الكتاب الموسوم «سركون بولص.. حياته وأدبه». ذلك الكتاب له قصة، ولأنه الكتاب الوحيد الذي أُلّف عنه وهو على قيد الحياة، فقد جرى بيننا هذا الحوار:
* البقاء في حياتك، روبين.
* البقاء في حياتك وحياة الشعر، بولص.
* سبق لي قراءة خبر عن كتابك في مجلة «ماسذياد» للشاعر الأسترالي أليسون كروكون، وفي بيوغراف مختصر عن شاعرنا الراحل، ذُكر أن كتابك عنه ظهر عام 1999:
“SARGON BOULUS was born in Iraq in 1943 into an Assyrian family. He is a poet, short-story writer and translator of English-language poets into Arabic. He has published seven collections of poems and a volume of short stories. A study of his life and works Sargon Boulus: his Life and Writing (in Assyrian and Arabic) was published in Baghdad, 1999. He lives in San Francisco, USA. He is a consulting editor of Banipal.”
* تاريخ النشر غير دقيق، فكتابي رأى النور عام 1998!
* شكرًا لك. سركون بولص، الشاعر والإنسان، كيف أصبح مهمًا في تقديرك، ليتشكل لديك ذلك الدافع القوي الذي يقود المرء إلى العمل على تأليف كتاب عن حياته وأدبه؟
* في منتصف الثمانينيات، وعند صدور ديوانه الأول، قرأت في مجلة «كل العرب»، أعتقد عام 1986، مقالًا عنه. كان عرضًا موجزًا بمناسبة صدور ديوانه الأول «الوصول إلى مدينة أين»، وكانت الصفحة تحوي صورة الغلاف. اسم سركون «الآشوري» جذبني لاقتطع هذه الصفحة من المجلة التي لا تزال تقبع في مكتبتي في العراق، والتي كانت تحفزني دومًا للبحث عن أخبار هذا الرجل الذي التمست من المقال أنه شاعر وقاص ومترجم عراقي مهم ومؤثر في الحداثة الشعرية العربية، يكتب شيئًا مختلفًا عما كانت تختزنه الذاكرة من الشعر العراقي الحر يومذاك. وعند قراءة كتاب «الموجة الصاخبة» للشاعر سامي مهدي (1994)، تأكدت بأنني أمام شاعر ستيني جيلًا وعالمي شعرًا. يكفي أن أذكر لك، يا صديقي، بأنني قرأت دواوينه المتاحة المستنسخة، وأنت تقدر إذن تأثير نصوصه علينا في فترة الحرب. شيء غامض يغلفه التفاعل بعمق مع نصوصه جعلني مصرًّا على تنفيذ فكرة الكتاب، فبدأت الخطوة الأولى.

* أشعر بتعبير آخر بأنك بدأت برحلة الوصول إلى مدينة اسمها سركون بولص. بالتأكيد، كانت مصادرك المدونة عنه محدودة، وما كان يُنشر عنه في العراق والبلدان العربية تمّ بندرة وعلى فترات متباعدة، وما كُتب عنه طوال حياته لا يعادل نصف ما كُتب عنه في اليوم الأول لرحيله!
* أتفق معك حول ندرة المصادر التي كنت بحاجة إليها، والمنقول عنه من أصدقائه القدامى، إن كان في كركوك أو بغداد. سعيت للبحث عن وقائع وآراء وأخبار ممن عايشوه عن قرب، وقارنت تلك المعلومات بعضها ببعض. عاضدني كل أصدقائه الذين التقيت بهم في بغداد، وهم: د. شجاع العاني، وفهد الأسدي، وعبد الستار ناصر، ونزار عباس، وسامي مهدي، وحسين حسن، وحميد المطبعي، وعلي الطائي، وخضير عبد الأمير، وغيرهم. وفي تلك الفترة، حصلت على نصوص معظم قصصه المنشورة، وكانت بحدود 12 قصة قصيرة. ولم أكتفِ بما هو معروف عن بداياته والجماعة التي كان فاعلًا فيها ورحلته وأسفاره، وما إلى آخره مما هو معروف عنه…
* أتذكر بأنك أخبرتني يوم اتصالك بي للتأكد من خبر تواجده في هولندا بأنك تحتفظ بعدد من نصوصه القصصية القديمة؟
* نعم، وعندما ذكرت له عناوين تلك القصص في لقاءاتي العديدة به على هامش مهرجان روتردام العالمي، تذكرها جميعًا فرحًا متلألئ العينين.
* من قابلت من أصدقائه القدامى، بالإضافة إلى المعروفين؟
* قابلت كثيرين، والحقيقة أنني كنت مندهشًا كيف لم نسمع به في النادي الثقافي الآثوري، الذي كان يومئذ معقل الآشوريين القوميين المخلصين الذين تحدوا البعثيين في قيادة النادي ورسم طريقه، إلى أن تسلط عليه النظام في بداية الثمانينيات. فمثلًا، السيد بولص شليطا كان يتحدث عنه كأنه يحدثه ويتذكر معه. تلك اللقاءات مع أحبته كانت فاعلة وغنية، دفعتني إلى خطوة تالية، ألا وهي الشروع بإنجاز الكتاب بثقة كاملة.
* ما الذي لديك من معلومات عن مسقط رأسه؟ أنت وأنا مسقط رأسنا هو منطقة «صبنا» (بالبيث السريانية)، أي الدائرة المحصورة بين جبلين في دائرة مركزها مدينة «العمادية» المعروفة بعراقتها. طيب، روبين، ماذا عن مسقط رأس المرحوم سركون بولص؟
* مسقط رأس والده بولص هو من منطقة كاور (كاف أعجمية)، في المنطقة الحدودية بين العراق وتركيا وإيران حاليًا. ينحدر أجداد الشاعر الراحل من تلك المنطقة الآشورية، وكانت أراضيهم مزروعة موسمًا إثر موسم، وكانوا زُرّاع حبوب معروفين، وكانت المناطق المجاورة، مثل «جيلو»، وعرة وقليلة الحظوظ بموارد الفلاحة. هناك مثل آشوري نتداوله إلى يومنا هذا، ألا وهو، بترجمته إلى اللغة العربية: «تلد جيلو يدبر كاور!» أي إن المناطق المجاورة اعتمدت على موارد ومحاصيل «كاور» الأساسية للحياة…
* كاور أعطت لعراقها والعالم شاعرًا خالدًا إذن؟
* هناك دلالات مبثوثة في بعض نصوصه، ربما تؤكد أن شاعرنا الراحل كان قد سمعها من أجداده وأقربائه، وبالأخص من جدته لوالده، التي كانت تقصّ له في صغره في الحبانية مآسي هجرة أجداده الآشوريين من تركيا عبر إيران، إلى أن وصلوا بعقوبة. الرحلة الماراثونية الآشورية ابتلعت 35 يومًا، وآلاف الشهداء قربانًا لوجودهم القومي والديني.
* هل كان طموحك تقديم كتاب نقدي؟
* كتابي كان عبارة عن سيرة حياة وقراءة فيما توفر لي من نصوصه في تلك الفترة، أي فترة عشرة أعوام إلى لحظة طبع الكتاب. فعلًا، كنت أود أن أحرّك الذاكرة العراقية بشاعر مهم، وفي الوقت ذاته أردت أن يعرفه أبناء جلدته الذين كان معظمهم يجهل من هو سركون بولص…
* كتابك بفصلين: الأول «سركون بولص إنسانًا حالمًا»، والثاني «سركون بولص الأديب المجدد»، في ثلاثة محاور: سركون مترجمًا، وسركون قاصًا ستينيًا، وسركون شاعرًا ستينيًا. الإهداء: «إلى كل مبدع آثوري.. حيثما كان». عدد صفحاته 176 صفحة، وبصورة غلافه لسركون شخصيًا، والمطبوع في مطبعة بغدادية أهلية (الحرف الذهبي)، وبالمقتطفات القصيرة من كتابات الآخرين عنه، التي ثبتّها أنت على الغلاف الداخلي الأخير، وإلخ من التفاصيل التي ذكرتها لي عن شكل ومحتوى الطبعة الأولى من كتاب «سركون بولص.. حياته وأدبه»، والذي حمل توقيعك وعلى نفقتك الخاصة (300 نسخة)، أهديت الجزء الأعظم منها إلى أدباء وأصدقاء له ولك. كيف وصلت نسخة سركون إليه شخصيًا؟
* تكفّل صديقنا الأديب العراقي ميخائيل ممو بإيصال نسخة من الكتاب إلى شاعرنا الراحل سركون بولص، وقد كتب العزيز ميخائيل عرضًا مهمًا ووافيًا للكتاب بالعربية في مجلة «عشتار» الصادرة في كندا، وبالسريانية في مجلة «خوياذا»، أي «الاتحاد»، في السويد، ونشرت جريدة «الحياة» اللندنية خبرًا موجزًا عن كتابي في حينه.
* وما مخاض إجازة هكذا كتاب عن شاعر غادر العراق هربًا في نهاية الستينيات، ولم يتواجد في بلده من بعدها غير شهر يتيم قضاه بين بغداد وكركوك منتصف الثمانينيات؟!
* لأن كتابي كان بالعربية والسريانية، فقد أُحيل إلى المجمع العلمي العراقي لكي يُدقَّق من قبل خبير بالسريانية. كان صديقي الأب الراحل د. يوسف حبي قد حوّله إلى الخبير يوسف قوزي، على ما أظن، وبموجب رأي هيئة اللغة السريانية في المجمع، مُنحت موافقة دائرة الرقابة في وزارة الإعلام. طبعًا، لدفع عجلة الموافقة في الإعلام، كانت تحتاج إلى سخاء مادي! أوردت في الكتاب آراء بعض مجايليه الذين تسنّى لي الاتصال بهم في بغداد.
* متى تلقيت رأي الشاعر الراحل بالكتاب الوحيد عنه بلغته الأم واللغة العربية التي كتب نصوصه بها؟
* بعد 10 سنوات، عندما التقيته في هولندا أيام مهرجان نوتردام العالمي، أبدى إعجابه وشكره على ما حملته مراحل الكتاب كلها، حتى استلامه النسخة المهداة إليه، من مجازفة ومخاطرة. يكفي بأنني تكلمت عنه قبل أن يفارقنا، وكونه آشوريًا، فكانت تلفّ بعض الصعوبات حول اسمه وارتباطاته العائلية…
* الراحل عاش عراقيًا وعربيًا. ترجم بجمال، وتُرجم إلى لغات جميلة، وكان بتصنيف العيش الثقافي مواطنًا عالميًا. جذر عراقي واخضرار شجرته ربيعًا وخريفًا، بسمة ودمعة، إحباط وأمل… روبين، أنت تتفق معي بأنه، أولًا وآخرًا، كان مبدعًا كبيرًا؟
* نعم، بولص، لكن هناك دومًا عوائق معينة حول فهم أمور مثل هذه!
* استرسل!
* في عام 1996، التقيت بشاعر عراقي كبير في عمّان، وهو عبد الوهاب البياتي، وأنا ألاحق كل النفوس التي ستفيد مشروع كتابي، وكان رأي ذلك الراحل أن سركون بولص من أفضل الشعراء العراقيين من غير العرب إجادةً في كتابة الشعر العربي.
* هل أخبرت الراحل سركون في نوتردام بذلك؟
* هو الذي ذكّرني برأي البياتي في معرض حديثي بشكل عفوي عن آراء الشعراء العراقيين بشعره.
* ما الذي أجابك به في تلك اللحظة، رجاءً؟
* قال الراحل: «لا أعتقد بأنه كان يطريني، بل قصده: وما علاقة ذلك الغريب بلغة العرب؟!»
* كان ثمة مشروع مهم اتفقتما على إنجازه معًا…
* أجل، مشروع ترجمة نصوص من الشعر الآشوري الحديث إلى اللغة العربية. كانت الفكرة من مبادرته، أن أقوم أنا أولًا باختيار النصوص وترجمتها إلى العربية، ثم يتولى هو صياغة الترجمة النهائية. وربما كان سيكتب شيئًا عن المشروع في المقدمة. بالمناسبة، هو قرأ لي أول قصيدة كتبها بالسريانية بعنوان «الصياد»، لا تحضرني حاليًا، وهي محفوظة في أوراقي. وكان متحمسًا جدًا لهذا المشروع، حتى مكالماتي الهاتفية معه وهو في برلين، قبل أشهر من رحيله.
* هل تشعر بأهمية ما فعلته من خلال كتابك «سركون بولص.. حياته وأدبه»؟
* بالتأكيد، وسأكون سعيدًا أكثر عند صدور الطبعة الثانية منه، خصوصًا أنك تعرف ظروف العراق فترة نشر الكتاب، ومحدودية نسخه، وصعوبة إيصاله إلى المتلقي المهتم بتجربته وإبداعه الخالد.
* شكرًا لسركون وروبين.
* شكرًا لسركون وبولص.
……………………….
* نُشر بتاريخ 01.11.2007 في موقع “الكاتب العراقي” الذي كان يشرف عليه الأديب فؤاد ميرزا.

















