يا ظالمني

مرفت رجب

هى أغنية أم كلثوم التى غنتها لأول مرة فى حفل شهر إبريل 1954، وصحيح أننى حضرت الحفل، لكنكم لن تجدوا أى إشارة لذلك فى أى من كتاباتى السابقة، والسبب بسيط جدا ذلك أن الحكاية تطرح أسئلة لم أكن أملك أى إجابة عنها، لكن ما حدث قبل يومين أتى إلى بما يشبه التفسير.
وصلتنى رسالة من زميل صحفى فى دار الهلال؛ هو الأستاذ خليل زيدان، يسألنى عن صورة لأم كلثوم ومحمد القصبجي جالسَين، وتقف أمامهما بنت صغيرة فى زى عسكرى. ويسألني إن كان بإمكانى أن أفيده ما إذا كانت الصبية هى ابنة السيد علوى حافظ.
أرسلت الرد على الفور بأن ابنة السيد علوى حافظ لم تكن زميلة لى فى أى مرحلة، لكننى حضرت ذلك الحفل ولا أملك تفسيرا لذلك!! لكن لماذا تظن أن الإجابة عندى؟ هل من المحتمل أن تكون الصورة لى؟ هل كان يمكن أن أنسى أننى سلمت على أم كلثوم والقصبجى!! لو كان الأمر كذلك لكنت حكيت الواقعة بمناسبة ومن غير مناسبة عشرات المرات، على مدى السنوات الفائتة، ولماذا تبهت كل الصور فى ذاكرتى فيما عدا صورة السيد كمال الدين حسين؟


حكى لى الزميل الصحفى أنه نشر الصورة كما وجدها فى مجلة المصور مذيلة بالمكتوب تحتها، والذى يفيد بأن الصورة لبنت السيد علوى حافظ، وكيف أن زميلة من التلفزيون اتصلت به، وعرفته بأن هذا الكلام غير صحيح، وبأنها هى صاحبة الصورة، وأن اسمها عماد غالب وكانت وكيل وزارة فى التلفزيون وقت أن كنت رئيسة للتلفزيون، كنا معا فى مدرسة البهية البرهانية، وأننا كنا نسكن فى نفس شارع بورسعيد، وأن المدرسة هى التى رتبت حضورنا حفل أم كلثوم بزى الزهرات (وهو فرع من الكشافة) وأننى أظهر فى صورة فيها ثلاث بنات وأننى صاحبة الفيونكة البيضا…
وهكذا، وبالقراءة المتأنية للكلام الكثير المحيط بالصور يتضح أن السيد اليوزباشي علوى حافظ هو الذى رتب حضور مجموعة صغيرة من بنات زهرات البهية البرهانية حفل أم كلثوم لشهر إبريل 1954، تمجيدا للدور الوطنى الذى يلعبه أبناء دائرة الدرب الأحمر إعلاء لمبادئ ثورة يوليو…
تكفل العنوان بمتابعة وثيقة لبرنامج الملفات السرية للثورة المصرية، وعلى مدى عشر حلقات نجح طارق حبيب فى إعطاء انطباع بأنه لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أو ردها، ولم يستثنِ من ذلك صداقة الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا، وأحمد سوكارنو رئيس جمهورية إندونيسيا الأسبق، ولا هو تردد فى عرض تناقض روايات عن علاقة الضباط الأحرار بتنظيم الإخوان المسلمين، أو عن محاولة اغتيال جمال عبد الناصر فيما عُرف بحادث المنشية 1954، أو أزمة مارس 1953 ناهيك عن القرارات المفصلية (مثل تأميم قناة السويس)، أو التوابع الكارثية من نوع العدوان الثلاثي 1956.


على هذه الخلفية طافت بخاطرى صور من حفل أم كلثوم الذى حضرته مع مجموعة صغيرة من زهرات البهية البرهانية، كيف أننا ذهبنا مرتديات زى الزهرات، وأن أم كلثوم غنت يا ظالمنى، كيف أن الصورة الوحيدة الواضحة هى صورة السيد كمال الدين حسين، وما عدا ذلك لا شىء. كيف ذهبنا وكيف عدنا إلى بيوتنا، وما سبب الأثر الطيب الذى تركه الصاغ كمال الدين حسين فى نفسى والذى تأكد من ظهوره المتكرر فى حلقات طارق حبيب التسجيلية، مثله فى ذلك مثل عديد من الضباط الأحرار، لكن علوى حافظ لم يظهر بالمرة.
ويك يا من رام تقييد الفلك
أى نجم فى السما يخضع لك
من أحب ما كتب مصطفى صادق الرافعى. ولقد ظل المعنى يطن فى رأسى أثناء مشاهدتى الثانية لحلقات طارق حبيب التى أثبتت لى بما لا يدع مجالا لأى شك أن هناك نية لمحو تاريخ علوى حافظ، كأنه لم يكن يوما الشخصية الأشهر فى دائرة الدرب الأحمر والنائب المنتخب فى البرلمان منذ أول انعقاد له ولثلاثين سنة متصلة.
كان يمكن تقبل هذه النسخة من الملفات السرية للثورة، لولا الصور المنشورة لحفل (يا ظالمنى)، ولولا أن هناك من قرأ أو سمع عن كتاب “الفساد” الذى بين فيه علوى حافظ كيف تحول من مشارك فى صناعة الثورة إلى معارض شرس.
بلغت محبة علوى حافظ لجمال عبد الناصر حدا جعله يتكفل بحسن إدارة حشود الجماهير فى ميدان عابدين يوم الخامس من مارس 1953، بحيث تتحول هتافاتها من الهتاف لمحمد نجيب لتصبح هديرًا لصالح جمال عبد الناصر.
“… أما بالنسبة للمؤتمر الشعبى الذى سيقام فى ميدان عابدين فقلت إنه يمكننى احتلال ميدان عابدين من الصباح الباكر بقواتى، وأى تجمع يهتف لحساب محمد نجيب يتم إيقافه… واقترح عبد الناصر عليَّ احتلال ميدان عابدين منذ الصباح بحيث إننا خلال التجمعات الشعبية نقلب هذه التجمعات إلى تأييد أهداف الثورة واستمرارها” (صفحة 28 كتاب “الفساد” لعلوى حافظ). وفى الصفحة 29 من الكتاب الصادر عن الشركة العربية الدولية للنشر والإعلام (1991) يقول علوى حافظ: “وكان ذلك نقطة تحول كبيرة فى حياتى، وكان محمد نجيب يخطب فى هذا الميدان، وخرجنا من العملية فى هذا اليوم بعد قيام الجماهير بأجمعها بالهتاف بحياة عبد الناصر، وتمكن العسكريون من القبض على محمد نجيب ووضعه فى المعتقل فى المرج، ليقضى بقية عمره رهن الاعتقال فى سكون… وقالت إحدى الإذاعات الأجنبية فى ذلك اليوم إن ملازما اسمه علوى حافظ متهورا إلى أقصى حدود التهور.. قاد الشعب وأجبر نجيب على الارتماء تحت أقدام الثورة لتحميه!! وإن هذا الشاب أنقذ الثورة وعبد الناصر من الضياع!!!”.


حتى جاء يوم الصراع بينى وبين ثورة 23 يوليو.
وفى ذلك اليوم جاءت إلى معسكر فى الدرب الأحمر عربات من الجيش ونزلت بتجريد معسكر الدرب الأحمر من السلاح؟! منها مجموعة من القيادات الكبيرة وأبلغونى أنه قد صدر قرار من القائد العام للقوات المسلحة بتجريد معسكر الدرب الأحمر من السلاح؟! وقالوا فى البداية، إنهم يريدون سلاح المعسكر لاحتياجهم له فى القوات المسلحة، واعتبرتها إهانة وطنية ومعناها عزلى من موقعى، ورفضت تنفيذ الأمر وطلبت من القادة المنفذين للقرار أن يرجعوا إلى القائد العام ويخبروه أننى رفضت تنفيذ هذا الأمر وفعلا رحلوا بعد تهديدى لهم بأنهم إن مكثوا فى المعسكر سيتم القبض عليهم وأخذهم رهائن وأن التحول قد يكون دمويا مع أى فرد يتحداني فى هذا الموقف، وبعد ساعتين من رحيل القادة العسكريين من معسكرك فى الدرب الأحمر، وقفت عربة نزل منها أنور السادات وكان عضوا فى مجلس قيادة الثورة، كما كان سياسيا ماكرا جدا، وأبلغنى القرار بطريقة ملتوية وأخبرنى أن عبد الناصر أرسلنى لأبلغك أن هناك ضغطا عليه، وهو يثق فيك ويحبك ويقدرك” وقال إن القادة أخبروه إنك رفضت تسليم السلاح، وهذا يعتبر عصيانا عسكريا، وأن العصيان يقابل بمحاكمة، لكن جمال رفض محاكمتك وأرسلنى للتفاهم معك وطلب منى أن أخبرك أننا نحتاج إليك فى مهمة أخرى غير مهمة الفدائيين، نحتاج إلى علوى حافظ لتأدية دور آخر فى المؤتمر الإسلامي…
من خلع من
واحد خلع واحد من سدة الحكم
وبعد نصف قرن جاء من يخلع اسم علوى حافظ من الملفات.
ويبقى السؤال؛ هل نجحت تلك الملفات فى تبييض صفحة من ظهروا فيها! وما هو الرأى فيمن تم إخفاؤهم؟!!
وماذا عن الجماهير وحركتها البطيئة بفعل الزحام والضيق النسبى لشارع درب الجماميز إن جاؤه من ناحية باب الخلق أو السيدة زينب أو سكة راتب باشا.
فى كل الأحوال منعنا أهلنا من النزول إلى الشارع لدى تردد أصداء تلك الحشود إن جاءت من بعيد أو قريب وربما تكون تلك الذكريات هى أصل كراهية المظاهرات وتوابعها…
وماذا عن الصغيرة أم فيونكة بيضا؟
أما آن لها أن تكشف عن الصدمة التى ربما تفسر انسحاب ليلة يا ظالمنى من مركز الذاكرة؟
الواقع أن السهر كان أليما لطفلة تعودت أن تنام بعد الغروب، وتستيقظ قبل الشروق. وحين التقينا بأم كلثوم صدمنى صوتها وجحوظ عينيها وعقدت الدهشة لسانى، وكنت أتمنى أن تبدأ الوصلة الثانية بأسرع ما يمكن حتى نستطيع المغادرة كما أبلغونا، وبالرغم من كل معاناة فقد أحببت “يا ظالمنى” أكثر من أى أغنية أخرى لأم كلثوم.

مرفت رجب

2 مقال
إذاعية مصرية قديرة، من مواليد القاهرة، تولت رئاسة التليفزيون المصري عام 2001، وكانت رئيس الإدارة المركزية للعلاقات الدولية باتحاد الإذاعة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع