معاهد الفنون الجميلة.. موهبة تُثقلها تكلفة المواد

أكرم محمد السراي

في معاهد الفنون الجميلة، يدخل الطالب حاملاً أكثر من مجرد دفتر رسم. يدخل ومعه حلم بأن يصبح فنانًا، وأن يجد في المكان الذي اختاره مساحة يطوّر فيها موهبته، ويتعلم فيها كيف يحوّل ما يراه ويشعر به إلى عمل فني. لكن هذا الحلم، رغم جماله، يصطدم أحيانًا بعائق بسيط في ظاهره، ثقيل في واقعه: تكلفة المواد الفنية.

فالطالب الذي يريد أن يرسم لا يحتاج إلى القلم والورق فقط. هناك الألوان، والفرش، والأقلام بدرجاتها المختلفة، ودفاتر الرسم، والأقمشة، والكانفاس، والألوان الزيتية والمائية، ومواد النحت والطباعة وغيرها. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الأدوات من مستلزمات للدراسة إلى مصاريف مستمرة، يدفعها الطالب من جيبه في أغلب الأحيان.

المشكلة ليست في وجود تكلفة لدراسة الفن، فالفن، مثل أي مجال عملي، يحتاج إلى أدوات. المشكلة حين تصبح أسعار هذه الأدوات عائقًا أمام الطالب نفسه، فيجد بعض الطلبة أنفسهم

مضطرين إلى تقليل استخدام المواد، أو تأجيل بعض الأعمال، أو البحث عن بدائل أقل جودة.

وهنا يظهر تفاوت آخر بين الطلبة. فهناك من يستطيع شراء الأدوات التي يحتاجها متى أراد، وهناك من يحسب ثمن كل علبة ألوان وكل فرشاة قبل أن يستخدمها. وفي قاعة واحدة، قد يجلس طالبان يمتلكان الموهبة نفسها، لكن أحدهما يمتلك حرية أكبر في التجريب لأن ظروفه تسمح له بشراء المواد، بينما يبقى الآخر مقيدًا بما يستطيع توفيره.

وهذا التفاوت لا يتعلق بالموهبة، بل بالقدرة على تحمل تكاليفها.

الفنان في بداياته يحتاج إلى التجربة أكثر من أي شيء آخر. يحتاج إلى أن يخطئ، ويمزق، ويمسح، ويعيد الرسم، ويجرب لونًا جديدًا، ويكتشف خامة لم يستخدمها من قبل. لكن حين يصبح الطالب خائفًا من إهدار المادة، قد يبدأ في التفكير بطريقة مختلفة: كيف أنجز العمل بأقل كمية ممكنة من الألوان؟ كيف أحافظ على الورق؟ هل أستطيع تجربة فكرة جديدة دون أن أخسر المواد؟

عندها تتحول المادة من وسيلة للإبداع إلى حدود تحاصر الإبداع.

ولا يعني ذلك أن الطالب يحتاج دائمًا إلى أغلى الأدوات حتى يصبح فنانًا جيدًا. كثير من الأعمال المهمة في تاريخ الفن لم تبدأ من أدوات فاخرة، والموهبة الحقيقية تستطيع أن تجد طريقها حتى في الظروف الصعبة. لكن من غير العادل أيضًا أن نطلب من الطالب أن يثبت موهبته بينما نضع أمامه عوائق مادية لا علاقة لها بقدرته الفنية.

ربما تحتاج معاهد الفنون الجميلة إلى التفكير أكثر في هذا الجانب. يمكن أن تكون هناك ورش مجهزة بالمواد الأساسية، أو مخازن توفر الأدوات للطلبة بأسعار مدعومة، أو شراكات مع شركات ومكتبات فنية، أو صناديق لدعم الطلبة الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف المواد. مثل هذه الخطوات قد تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة لطالب يعيش على ميزانية محدودة قد تعني الكثير.

كما أن دعم الفن لا ينبغي أن يتوقف عند حدود المعهد. عندما نتحدث عن الثقافة، كثيرًا ما نتحدث عن المعارض والمهرجانات والجوائز، وننسى المرحلة التي يتشكل فيها الفنان قبل أن يصل إلى هذه المساحات. الطالب الذي يقف اليوم أمام لوحة في قاعة الدرس هو فنان محتمل قد يصبح غدًا جزءًا من المشهد الثقافي في بلده.

لذلك، فإن توفير بيئة مناسبة للتعلم الفني ليس ترفًا، بل استثمار في مستقبل الثقافة.

معاهد الفنون الجميلة لا تصنع الفنان بالأدوات وحدها، فالفنان يحتاج إلى الموهبة، والصبر، والمعرفة، والممارسة. لكن الأدوات تمنحه فرصة لاختبار كل ذلك. وحين تصبح تكلفة المواد مرتفعة إلى درجة تجعل الطالب يختار بين أن يشتري ما يحتاجه للدراسة أو أن يوفر المال لحاجاته اليومية، فإن المشكلة لم تعد فنية فقط، بل أصبحت اجتماعية أيضًا.

ربما أجمل ما يمكن أن نقدمه للموهبة في بدايتها هو ألا نجعلها تخسر أمام ثمن علبة ألوان.

فالطالب لا ينبغي أن يسأل نفسه: «هل أستطيع شراء هذه المادة؟» قبل أن يسأل: «ماذا أستطيع أن أخلق بها؟».

وفي النهاية، قد تكون الموهبة قادرة على الصمود أمام الكثير من الصعوبات، لكنها تحتاج إلى مساحة كي تتنفس. ومعاهد الفنون الجميلة يفترض أن تكون واحدة من أهم هذه المساحات؛ مكانًا يستطيع فيه الطالب أن يجرب، ويخطئ، ويتعلم، ويصنع طريقه نحو الفن، لا مكانًا يتعلم فيه كيف يحسب تكلفة كل محاولة.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع