أكرم محمد السراي
لا ترتبط ذاكرة الشعوب بالكتب والوثائق وحدها، فهناك ذاكرة أخرى تتشكل من الصور والألوان والعمارة والأعمال الفنية وتفاصيل الحياة اليومية. وفي العراق، تبدو هذه الذاكرة واسعة ومتنوعة، لأنها نشأت من تاريخ طويل وثقافات متعددة وأماكن تركت أثرها في وجدان الناس.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده اليوم هو: ماذا يحدث عندما تختفي التفاصيل التي صنعت هذه الذاكرة؟
تتغير المدن باستمرار، وتختفي بعض المباني القديمة، وتتراجع بعض المهن والحرف التقليدية، وتتبدل ملامح الأحياء والأسواق. وقد لا ننتبه إلى قيمة هذه التفاصيل إلا بعد فقدانها. وهنا يمكن للفن أن يؤدي دورًا يتجاوز حدود الجمال، ليصبح وسيلة لحفظ الذاكرة البصرية للمجتمع.
الفنان لا ينقل الواقع كما هو بالضرورة، وإنما يختار منه ما يراه جديرًا بالتأمل. عندما يرسم بيتًا قديمًا أو شارعًا شعبيًا أو مشهدًا من الأهوار، فهو لا يقدم صورة لمكان فقط، بل يسجل جزءًا من علاقة الإنسان بذلك المكان.
ولهذا يمكن للعمل الفني أن يصبح وثيقة إنسانية، حتى عندما لم يُنجز أساسًا بوصفه وثيقة.
في العراق، تمتلك البيئة المحلية عناصر بصرية غنية يمكن أن تشكل مصدرًا دائمًا للفنانين. الأهوار، الأنهار، الأسواق القديمة، الأزقة، البيوت التراثية، الملابس الشعبية، الحرف اليدوية والوجوه المحلية، كلها تحمل قصصًا تتجاوز شكلها الخارجي.
غير أن التعامل مع هذه العناصر يجب ألا يتحول إلى مجرد استعادة رومانسية للماضي. فالفن الحقيقي يستطيع أن يسأل أيضًا عن حاضر هذه الأماكن ومستقبلها. ماذا حدث للبيئة؟ كيف تغيرت المدن؟ ماذا بقي من المهن القديمة؟ وكيف تغيرت علاقة الإنسان بالمكان؟
هذه الأسئلة تجعل الفن وسيلة للحوار مع المجتمع، وليس مجرد احتفال بالماضي.
وفي عصر أصبحت فيه الصورة حاضرة في كل لحظة، قد يبدو الحديث عن أهمية الصورة الفنية غريبًا. فنحن نلتقط آلاف الصور بالهواتف وننشرها خلال ثوانٍ. لكن كثرة الصور لا تعني بالضرورة أن الذاكرة أصبحت أكثر قوة.
الصورة السريعة قد توثق لحظة، بينما يستطيع العمل الفني أن يمنح اللحظة معنى.
الفنان يتوقف، يختار، يحذف، يعيد ترتيب العناصر، ثم يقدم رؤيته الخاصة. ولهذا فإن اللوحة ليست نسخة من الواقع، وإنما قراءة له.
ومن هنا تأتي أهمية دعم الفن العراقي المعاصر. فدعم الفنان لا يعني دعم فرد يمارس هواية فحسب، بل يعني المساهمة في إنتاج ذاكرة ثقافية جديدة. المعارض الفنية، المتاحف، المؤسسات الثقافية، المبادرات المستقلة، والمساحات المخصصة للفنانين الشباب يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في جعل الفن جزءًا من الحياة العامة.
كما أن مسؤولية حفظ الذاكرة لا تقع على الفنان وحده. المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية تستطيع أن تساهم في تعريف الأجيال الجديدة بالفن العراقي وتاريخه وتجارب فنانيه.
فالجيل الذي لا يعرف شيئًا عن الصور التي صنعت ذاكرة مدينته، قد يجد صعوبة في فهم التحولات التي مرت بها.
ولذلك فإن الاهتمام بالفن ينبغي ألا يكون مرتبطًا بالمناسبات فقط. الثقافة البصرية تحتاج إلى حضور مستمر في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والفضاءات العامة.
وقد يكون من المفيد أيضًا تشجيع الفنانين على توثيق أعمالهم وحفظ أرشيفاتهم، لأن جزءًا من تاريخ الفن قد يضيع عندما لا تحفظ الأعمال والمعلومات المتعلقة بها بطريقة منظمة.
إن الذاكرة البصرية ليست ترفًا ثقافيًا. إنها جزء من هوية المجتمع وطريقة فهمه لماضيه وحاضره.
وحين ننظر إلى لوحة فنية بعد سنوات طويلة، قد لا نرى الألوان والخطوط فقط، بل نرى زمنًا كاملًا يطل علينا من خلالها. نرى كيف كان الناس يعيشون، وما الأماكن التي أحبوها، وما الأشياء التي أثارت اهتمامهم.
لهذا يحتاج العراق إلى أن ينظر إلى الفن بوصفه استثمارًا في الذاكرة، لا مجرد نشاط ثقافي هامشي.
فالمكان يمكن أن يتغير، والمدينة يمكن أن تتوسع، والأجيال يمكن أن تتعاقب، لكن الفن قادر على أن يحتفظ بشيء من الروح التي سكنت تلك الأماكن.
وفي النهاية، ربما لا يستطيع الفنان أن يمنع الزمن من تغيير العالم، لكنه يستطيع أن يمنحنا فرصة لرؤية ما كان عليه العالم قبل أن يتغير.
وهذه واحدة من أهم وظائف الفن: أن يحفظ للإنسان جزءًا من ذاكرته، وأن يترك للأجيال القادمة نافذة تستطيع من خلالها النظر إلى حياة لم تعشها.










