بقعة ضوء فوق جدار معتم

محمد فيض خالد

محمد فيض خالد

ظلّ ذلك الصندوق الخشبي الكبير موضع شغفه، شغلت به نفسه، ثبت في خاطره أن العالم استقر في جوفه، البشر، الحكايات، الأغاني، الأنغام الشجية التي يميل على وقعها الأنفار في الحقول بين شجيرات القطن، تراه حين تسقط الظلمة، ينشط كهوام الليل، وفي حدقة عينيه تعطش، يتخذ مقعده في مكانه الأثير، مواجهة باب الدكان، يتربّع في خشوعٍ، قبل أن يسلم حواسه دون نقاش، كالعادة تشق عتمة الدرب بقعة الضوء الوحيدة الزاهية، المنبعثة من “الكلوب” المعلق في مدخل الدكان، يرجع ” الأفندي” في مثل هذه الأيام بعد انتهاء موسم القصب من كل عام، منذ سنوات بعيدة استقر به المقام موظفا في مصنع السكر ب”قوص”،  يحتمل أهل القرية أعباء الحياة، ما خفَّ منها وما ثقل، لايعرفون من رفاهيتها؛ إلا ما تراصّ فوق أرفف دكانه، من صنوف البضائع الواردة من البندر، توسّع ” الأفندي” مؤخّرا في بضائعه، فجهز “قدرة الفول المدمس” التي أذاقت أولئك البؤساء لأول مرة، صنفا فريدا من الزاد، هو نفسه من أقنعهم مع الأيام بجاذبية الصندوق، خاصة الصغار، وربطهم بعالمه السحري، كغيره من الصبية صدق كلام الرجل، وتلاعبه المتعمد بخياله الصغير، فهؤلاء الفقراء عاشوا دهرا على هامش الحياة؛ ومن ثم يسهل قيادهم، يبتسم الرجل ابتسامة الثقة المملة، وهو يشير للراديو:” هنا احبسهم ساعات الليل، واطلقهم مع ضوء النهار”، في صمت يلهب صاحبنا وهو مندس بين الصغار تفكيره، كيف يحشر ” الأفندي” كل هذا العدد من البشر، في الصندوق الضيق؟!، لكنه ينحرف بالتدريج عن فكره، فتسري الرعدة بجسده، لحظة يستمع لحكاية ” علي بابا والأربعين حرامي”، صراخ اللصوص المخيف، أو يستعيد في همس مقلق، كيف حولت الساحرة  جسد ” الشاطر حسن” لحجر صوان، يتحسس جسمه فزعا والمخاوف تتأرجّح في صدره، يتذكر” رجب الأحول” وقد انفلت بوله من تحته، بعد انقضاء السهرة يعود لبيته بوجه شاحب، وعينين حمراوين، وتقاطيع متشنجة، يزاحم إخوانه فوق الحصير، يتظاهر بالنعاس، لكن رأسه تغدو ضجيجا لا يطاق، تطوقه  به تلك الصور والخيالات التي سمعها، مع تسارع دقات قلبه، يتململ لسانه في فمه ارتجافا، ليدخل في نفق لا نهاية له، لا ينزعه عنه سوى نوم عميق يثقل رأسه.

في الصباح تستأثره أمانيّ الأمس، تطيب نفسه كعادتها مذ عرف طريقه لبقعة الضوء، تتفتح شهيته أن يفاتح والده في أمر شراء الراديو، يقول وهو يحيط وجهه بفرحة مترددة:” عايزين راديو زي بتاع الأفندي”، يستقبله والده بنظرة عطوفة، لكنه يترفّع عن الحديث في مطلبه، يستعجله أن ينهي طعامه كي يلحق بالمدرسة، يخلد ساعتئذ للصمت وهو يغادر عتبة الدار، يلقي برأسه ناحية الدكان، وسحابة من الكآبة تختم على قلبه، لايأخذه شيء عن عالمه، يتألق بريق الطموح فيه، يحدث نفسه بالأماني وهو سائر فوق الجسر، تسقي قلبه الظامئ، عندما يكبر ويعمل، لن يتنازل عن راديو كبير، ذات مساء شعر بالزهو، فقد طلب منه ” الأفندي” أن يحضر الإناء النحاسي الصغير، أن يضعه فوق الراديو، لحظتها جمد ذاهلا في مكانه، وقد وشت عينيه لمعة، نهنه صاحبه طويلا، وقد عقد ذراعيه على صدره، أوهمه أن السر في الإناء، فلولاه لتوقف الصندوق عن الكلام.

زرتُ صديقي القديم بعد عودته من سفر طويل، اقبلت الدنيا عليه منذ إعارته طبيبا في بلاد النفط، في بيته الريفي الواسع، بدت حياته أسبه بحياة الطبقة المخملية، وسط صالة مفروشة على طراز حديث، برزت طاولة عريضة، تراصّ من فوقها صناديق مختلفة الأحجام، أكلني الفضول، شعرت وكأن الرعدة تسري في جسده، وكأنه تحت تأثير حالة من الشكوى، حاول جاهدا التملص من ذكرى قديمة بدت تهف من حوله، ارتجف قلبه عنيفا، لم ينزعه عن حالته غير ضجة افتعلها صغير، قال في ونس:” الغدا جاهز”، كان وجهه المكتنز لا يزال معلقا بالراديو الضخم، تحرك نحوه في استهلال، والفرحة تطفر من تقاسيمه، أدار المؤشر بين المحطات، وأحلام غريبة تغلفه، لترتخي بعد قليل عضلات وجهه، وتهدأ نظرته، وتستقر أنفاسه، التفت ناحيتي وقد زاغت عيناه:” لا استطيع تذكر طفولتي دون هذا الصندوق الرنان”، ثم أكمل في حماس ساذج:” بعد تسلمي لأول راتب، كان عليّ شراء هذا الراديو، صدقني تمنيت وقتئذ العودة لقريتنا، لبقعة الضوء الناشبة فوق الجدار،” حزّ بقلبي تلك الرعدة الصادقة التي سرت بين شفتيه، أحاطت المباني العالية دكان ” الأفندي” بعد موته، ابتلعت حيطانه الطينية الواهية كتل الخراسانة القاسية، طال غياب صاحبي، اغلق بيته، قال قريب له:” لقد مات منذ عامين، طلبت زوجته أن يدفن في بلدتها ليسهل عليها زيارته”، إلى الآن لا اعلم مصير صناديقه الخشبية.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع