ريشار بلان
ترجمة: احساين بنزبير
من خلال مساءلة «التأمّل» بوصفه نمطًا من التفكير المراوغ وغير المباشر، خاصًّا بالأدب، يُبيّن فرانسوا جوليان كيف يتيح الأدب إدراك العيش في محض انبثاقه.
كتاب فرانسوا جوليان الأخير آسرٌ حقًّا. فهذا الفيلسوف، المتخصّص في الدراسات اليونانية والصينية، اتّخذ من الحيّز الفاصل بين اللغة־الفكر الصينية واللغة־الفكر الأوروبية مجالًا للبحث، وموضعًا لاستكشاف موارد كلٍّ منهما، بغية تصوّر استراتيجية للعيش والتفكير، يواصل بسطها من كتاب إلى آخر. وفي «قوّة الفكر المتأمّل»، يسائل ما يسمّيه الفكر المستغرق في التأمّل، واضعًا إيّاه بإزاء الفكر الفلسفي، الذي يمثّل نمطًا أكثر مباشرةً في ممارسة التفكير.
فأيّ ضربٍ من التفكير هو هذا الاستغراق في التأمّل؟ إنّه فكرٌ لا نقوده، إذ لا نفكّر فيه في شيء بعينه — بل يمضي في سبيله من غير خطّة مرسومة، فيما يستنفرنا في العمق. وينطوي على شيء من عدم التعيّن والشرود، لا يعرفه الفكر الفلسفي الذي يخضع لاستدلال، ويبسط فكرةً، ويقيم الحجّة عليها، ويبنيها بوصفها موضوعًا يُبقيه الفكر أمامه. ومن هنا يتساءل فرانسوا جوليان: ألا يكون هذا الاستغراق في التأمّل نمطَ التفكير الخاصّ بالأدب، تمييزًا له عن الفكر الفلسفي، الذي يتّخذ المفهوم أداةً له ويُوصَف بالتجريد؟

ذلك أنّ الفكر في الأدب يتكشّف، قبل كلّ شيء، في الأثر اللاحق للقراءة. ومن هنا طابعه التأمّلي حين يمتدّ النصّ وينتشر في موجات متعاقبة، تنبسط وتقاوم كلّ ما من شأنه أن يحصر المعنى ويعيّنه. إنّ هذا «التفلّت»، وهذا الخروج من لغة الكينونة، هو ما يصنع الأدب. فحيث تفصل الفلسفة كي تُحدِّد، وتميّز بالعزل، يفكّر الأدب وهو يفعل شيئًا آخر غير التفكير؛ أي وهو يستحضر ويحكي. ومن خلال مادّته — شخصيّاته، وعالمه، وأجوائه، والتباس المشاعر فيه — يُدخل إلى الفكر، على نحو غير مباشر، فعلَ العيش؛ ذلك العيش الذي لا يَدَعُنا نجعله موضوعًا للفكر، لأنّه ما نجد أنفسنا منخرطين فيه منذ البدء، وما لا تفصلنا عنه مسافة.
لكن، لبلوغ ذلك، كان لا بدّ للأدب أوّلًا من أن يتحرّر من معناه اللاتيني للشيء المكتوب، ثم من «معرفة تُكتسب من الكتب»، وأخيرًا من منزلته بوصفه «آدابًا جميلة». «كان لا بدّ من فقدان الإيمان، كما من الاضطراب الذي أحدثته الثورة، لكي يتحرّر شكل جديد من الفكر، ويصبح الأدب الذي يستمدّ مبرّر وجوده من فكره الخاص». فقد ارتبط ظهوره بانتهاء نظامٍ للعالم: انتهاء ضرورة التطابق مع الوجود، أو مع الله، أو مع الطبيعة. وحوالي عام 1800، في بدايات الرومانسية، وُلد الأدب، رافضًا القواعد التي تحكم عليه وتكبّله. انتهى عهد «الطبع»؛ واكتشف الأدب صورة «الذات» التي تنبسط في ذاتية لا متناهية. غموض الأهواء، والغموض الذي لا موضوع له، و«اللاتحديد، والإضفاء اللامتناهي»، ومحو الحدّ الفاصل بين المرئي واللامرئي: ذلك ما سيأخذ الأدب في استكشافه. ويصبح ممارسةً لمسارات متفرّدة، والتقاطًا لأشكال متفرّدة من فهم الحياة. وهذا يفسّر، بالمناسبة، لماذا لا نقرأ بالطريقة نفسها الأعمال السابقة على ظهور مفهوم الأدب والأعمال اللاحقة له.
وإذ يتيح لنا الأدب أن ننفكّ عن حياتنا الخاصة، وأن نفكّر في العيش عبر حيوات أخرى غير حياتنا، فإنه يساعدنا على استكشاف العيش حتى أقصى خباياه. وهو ما يُخرج من الأدب النصوص الخالية من أيّ استغراق تأمّلي ، تلك التي، ما إن نقرأها، حتى يكون كلّ شيء قد قيل، أي النصوص التي لا غموض فيها ولا ظلال وجودية. وينطبق الأمر نفسه على الشعر. فالشعر الحقيقي «يلتقط» من المعيش ما لم يُدرَك. «إنه يجاور ويقابل»، ويصمت ويعلن؛ وفي «البَيْن الفاعل» بين عناصره «يتولّد الاستغراق التأمّلي بنيويًّا». ولأنه يستقي من وراء القول، من أقرب موضع إلى انبثاق الأشياء، فإن هذا الاستغراق أعمق من الفكر المصاغ في عبارات. «ما يُفكَّر فيه باستغراق تأمّلي داخل القصيدة يفقد شيئًا من نفسه حين يُفكَّر فيه، على نحو مدروس، داخل التعليق».
وفي نهاية المطاف، فإنّ لا نهائية العيش هي ما يستكشفه فكر الأدب المستغرق في التأمّل. ويفعل ذلك عبر كونيّ آخر غير الكونيّ المجرّد للفلسفة: كونيّ يعود إلى الحميم الذي يشكّل قوام الإنسان المشترك، ويسمّيه فرانسوا جوليان «الكونيّ الحميم». حميمٌ — «يقع دون مستوى الفرد، ومن ثمّ خارج الشخصي» — يتعرّف إليه القارئ ويشاركه. تعارفٌ من روح إلى روح، وتآلفٌ حميم مع الإنسانيّ، «لا يمكن إدراكه إلا في الأدب، وعلى نحو مستغرق في التأمّل».
…………………………..
ملاحظة: النص مترجم من الشهرية الثقافية Le Matricule Des Anges, janvier 2026
«قوّة الاستغراق التأمّلي، أو كيف يفكّر الأدب»، فرانسوا جوليان.
Puissance du pensif ou comment pense la littérature, de François Julien
منشورات «Actes Sud »، 144 صفحة.


















