ترميم الفحولة المذبوحة: سيميائية الجسد ومكائد الذاكرة في “أربع ساعات وربع”

أحمد رجب شلتوت

إيناس محمد عتمان

تتجاوز قصة “أربع ساعات وربع” للكاتب “أحمد رجب شلتوت” حدود الحكاية العابرة عن نزوات الغربة والخيانة، لتقدم تشريحاً سيكولوجياً نادراً لذلك ـ “الذكر المأزوم” الذي يخلط بين الفحولة والسطوة الجسدية. النص ينهض على معمار سردي ذكي، يبدأ من لحظة عجز حسي على مقهى بعد الستين، وينتهي بمحاكمة وجودية أبدية يجلد فيها الجسد نفسه.

الملمح الأكثر ابتكاراً في النص هو اختيار “الراوي”. نحن لسنا أمام سارد عليم، بل أمام “صديق/مرآة” يمارس نوعاً من التلصص المضاد. الراوي (مدرس الرسم) يعوض انطفاء حياته بالتهام حكايات جليسه الوحيد (أمين المكتبة)، فيتحول المقهى من مساحة للثرثرة إلى مسرح لتعرية الصديق وسحب آخر حصونه النفسية. هذا التشابك بين مهنتين تنتميان للثقافة والتنوير (الرسم والمكتبة) يمنح النص مفارقة ساخرة؛ فكلاهما وظّف أدواته المعرفية للنظر من ثقوب الأبواب، واصطياد الفخاخ البشرية، بدلاً من الارتقاء بالإنسان.

العنوان “أربع ساعات وربع” يمثل الهندسة الزمنية لكسر النرجسية الذكورية. الأربع ساعات التي سبقت اللقاء لم تكن زمناً ضائعاً، بل كانت المسافة التي أذلت كبرياء البطل؛ ففاتن لم تأتِ طائعة لغوايته، بل تأخرت لتفرغ اللقاء من أي فخر، وتحوله إلى مجرد استسلام لكسرة الغربة وضياع العمر. أما الربع ساعة، فهي زمن التطهير واللفظ الإسمنتي في الحمام؛ حيث غابت لتغسل آثار انتصاره الزائف، وتستبدل رغبته ببصقة شلت كرامته وحركته.

تتحرك الرموز في القصة لتعمق هذا السقوط. قضمة التفاحة هنا ليست رمزاً للغواية المشتركة، بل هي أداة تعذيب سادية؛ قضم البطل ولعق موضع قضمتها يمثل رغبته في التملك الكلي وإلغاء كينونة المرأة، بينما إلقاء قلب التفاحة في السلة يرمز لإفراغ “فاتن” من مشاعرها وإنسانيتها والإبقاء على القشرة الجسدية المتاحة. هذا التدمير يتوازى مع “الطفل الغائم” في شخبطات البطل القديمة، وهو الطفل المتلصص الذي يمثل وعيه الطفولي المأزوم، والذي حاول البطل طمسه بالسواد في لوحاته ليدفن الشاهد الوحيد على عورته النفسية القديمة.

الذروة الفنية تكمن في المفارقة الفيزيائية اللامعة: تحول البصقة الدافئة اللزجة إلى “مسامير ثلجية” تنغرس في الوجه وتدميه كلما مرّت السنون. الثلج هنا هو جمود الروح وموت الفحولة المتوهمة. خمش الوجه العنيف بالمناديل والأظافر الذي يمارسه البطل في الستين من عمره ليس مرضاً جلدياً، بل هو تمرد الجسد على صاحبه، وممارسة لنوع من العقاب الذاتي المازوخي الخفي. لقد تحولت البصقة إلى وسم أبدي بالهزيمة، ليصبح الجسد في النهاية هو السجان والجلاد، ويظل البطل سجيناً في زنزانة من الندم ترافقه حتى أرذل العمر.

 

اقرأ أيضاً:

أربع ساعات وربع.. قصة لـ أحمد رجب شلتوت

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع