“مكان وسط الزحام”.. سيرة عصامي من المنيا

عمار علي حسن

عبد السلام فاروق

من الأمور التي ينبغي أن نقرها في بداية هذا المقال، أن لكل إنسان حكايته التي ينفرد بها، ودربه الذي لا يشاركه فيه أحد، وتجاربه التي تصوغ جوهر شخصيته وعمق ذاته. غير أن ثمة فارقاً دقيقاً ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا، بين الحكاية التي تمر مروراً عابراً كطيف خفيف، وتلك التي تترك في النفس أثراً باقياً، وتفتح للعقل آفاقاً لم يكن يعهدها من قبل.

وفي تقديري، بعد سنوات طويلة قضيتها مع الكتاب والقراءة، أن الحكايات النادرة التي تنطوي على عصارة تجربة إنسانية متفردة، وخلاصة عمر كامل، وزبدة حكمة متراكمة، هي وحدها ما يظل محفوراً في الذاكرة، بعد أن تذرو الرياح آلاف الصفحات التي نقرؤها ثم ننساها. وعندما قرأت سيرة الدكتور عمار علي حسن، التي اختار لها عنواناً معبراً هو “مكان وسط الزحام.. تجربة ذاتية في عبور الصعاب”، تبين لي على الفور أنني لست أمام لون من ألوان السير التي يتصدرها أولئك الذين يحبون أن يتحدثوا عن أنفسهم، فيعرضوا إنجازاتهم ويعلقوها على حبل الألقاب والمناصب في ثياب مزركشة. كلا، ولا شك عندي في ذلك. إنني أمام ما يشبه مختبراً إنسانياً مفتوح الأبواب، جرت فيه تجارب البقاء أولاً، ثم تجارب الصعود والارتقاء لاحقاً، وكان صاحب الكتاب فيه هو العالم والمادة المدروسة، الباحث والمبحوث في آن واحد. إنها سيرة تخبرنا بحقيقة قد تغيب عنا في زحمة الحياة، وهي أن حياة الإنسان، أي إنسان، إن صدق في حكايتها، لهي جديرة بأن تكون كتاباً. بيد أن الصدق، فيما أعلم، فضيلة عزيزة المنال، لا يظفر بها إلا القليل.

البدايات الصعبة

أول ما يستوقف القارئ المتأمل في هذه السيرة، أنها لا تبدأ من نقطة الحياد، ولا من نقطة الامتياز، بل تبدأ من نقطة متدنية، مما يمكن أن نطلق عليه مجازاً “تحت الصفر”. تبدأ من تلك المنطقة المظلمة التي يتحاشى الناجحون، في العادة، الاقتراب منها في مذكراتهم، وإذا ما اضطروا إلى ذكرها زينوها وزخرفوها بما لا يليق بجلال الحقيقة. أما هنا، فالكاتب يقف عند طفولته بصدق مدهش، يستحق أن نقف عنده طويلاً. طفل من صعيد مصر، من محافظة المنيا مسقط رأس طه حسين وعمار الشريعي، كان يعاني مما صرنا نطلق عليه اليوم أعراض التوحد، وتعترضه صعوبات جمة في النطق، وتثقله صعوبات أشد وأقسى في التعلم. حتى إن السنوات الأربع الأولى من عمره المدرسي كانت كافية، فيما يبدو، لدفع معلميه إلى حافة اليأس والقنوط منه. ولو أن الأمر كان في أيديهم، لأصدروا حكمهم البات الذي لا رجعة فيه: “هذا الفتى لا خير فيه ولا نفع يرجى منه”. وهو حكم، فيما أرى، يكشف عن قصور في منهج التعليم، وعجز عن إدراك أن الكنوز النفسية والعقلية قد تختبئ وراء مظاهر لا توحي بشيء.

ولكن، ويا للفرق بين ظاهر الأشياء وباطنها، كان ثمة شيء غامض، عميق، ينمو تحت السطح، في هدوء وصمت، كما ينمو الجذر في باطن الأرض، بعيداً عن العيون. شيء لا تراه العين المستعجلة، ولا تلتقطه الاختبارات المدرسية الجافة، التي تقيس الظاهر وتغفل عن الجوهر، وتزن المحفوظ وتهمل الموهوب. شيء هو أشبه بالنبتة البرية الصغيرة التي تصر، في عناد عجيب، على أن تشق طريقها عبر صخور الجبل، لا لأن الصخر هش سهل، ولكن لأن الحياة المتأججة في داخلها لا تعترف بالمستحيل، ولا تقيم وزناً للعوائق. تلك هي طبيعة الروح العظيمة، إن وجدت، فهي تشق طريقها كما تشق النبتة الحجر، في عناد وثبات.

ويذكرنا التاريخ الإنساني، في هذا المقام، بشواهد ناطقة لا تنسى: ديموستينيس خطيب أثينا الفذ الذي قهر التأتأة بإرادة لا تلين، وهيلين كيلر التي اخترقت جدار الصمت والعمى المزدوج بعزيمة لا تعرف المستحيل، وطه حسين عميد الأدب العربي الذي حول فقد البصر إلى بصيرة نافذة خارقة، فرأى بعين بصيرته ما لم يره كثير من المبصرين.

ينتمي عمار علي حسن، بما عاناه في صغره، إلى هذه السلالة النادرة، سلالة الذين يصنعون من ضعفهم أداة قوة، ومن عثراتهم درجة يصعدون عليها إلى الأعلى، كمن يحفر في الصخر الأصم موطئاً آمناً لقدمه كلما زلت به القدم وهم بالانزلاق. إنها، باختصار، معجزة الإرادة البشرية حين تتحدى المادة، وتنتصر على الظروف، وتشيد من الهزيمة نصراً.

في مدرسة الحياة

غير أن الفقر، الذي كان يلف حياة هذا الطفل كما يلف الليل قرية نائية، لا يقف في هذه السيرة عند حدود العوز المادي المألوف، بل يتجاوزه ويتسامى إلى ما هو أعمق وأبعد. إن الفقر هنا، في تصوري، يتحول إلى ما يشبه فضاء تربوياً قاسياً، صارماً، لا يرحم، ولكنه فعال، نعم فعال، ولعله الأكثر فعالية بين ما عرفته البشرية من سبل التربية. فحين تمسك الفأس بيديك الناعمتين نهاراً، وأنت طالب في جامعة القاهرة، وتعمل في مشروعات البناء والطين أو تنحني ظهرك في حقول القمح والقصب، ثم لا تجد عزاء إلا أن تمسك القلم ليلاً لتقرأ وتكتب وتحضر للمحاضرات، فإن شيئاً جوهرياً لا مراء فيه يتكون في أعماقك رويداً رويداً، إنها الصلابة، والإدراك العميق لقيمة الوقت وقدسيته، والفهم الحقيقي لمعنى أن تكون مسؤولاً عن نفسك قبل أن تحلم بأن تكون مسؤولاً عن غيرك. إنها دروس لا تلقن في قاعات الدرس، بل تنقش في اللحم الحي، وتجري في العروق مجرى الدم.

ولعل أعمق اللحظات دلالة، وأكثرها قدرة على كشف الجوهر، في هذه السيرة هي تلك اللحظة التي اختار فيها الابن الشاب طريق الجامعة، معارضاً رغبة أبيه الصريحة في أن يلتحق بمعهد المعلمين ويكتفي بالإعدادية. هنا، بالضبط، تتجلى لحظة التمرد الضرورية، تلك اللحظة العاصفة التي ترسم المصير كله. إنه ليس تمرداً على الأب لذاته، حاشا لله، فالأب هو الأب، والأب إنما يريد الخير لابنه كما يدركه، ولكنه تمرد على الرؤية المحدودة، الضيقة، التي تفرضها قسوة الظروف وضيق ذات اليد وقلة الحيلة. إنه الفعل الذي يقول، بصوت خافت قد لا يسمعه أحد، لكنه حاسم لا رجعة فيه؛ سأصبح ما أحلم به في قرارة نفسي، لا ما تسمح به ظروفي وتفرضه علي ضرورات العيش. إنه، في حقيقة الأمر، إعلان ميلاد الذات المستقلة، وثورة سلمية على القدر المرسوم سلفاً.

وحدة المعرفة الإنسانية

أما ثنائية السياسة والأدب في حياة صاحب “مكان وسط الزحام” فليست، في تقديري، مجرد جمع اعتباطي بين تخصصين لا رابط بينهما، أو هواية إلى جوار مهنة لكسب العيش، بل هي وحدة عضوية، عميقة الجذور، تعكس فهماً خاصاً لدور المثقف الذي يأبى التجزئة والتشظي. دراسته الأكاديمية الجادة للاقتصاد والعلوم السياسية من جهة، وإنتاجه القصصي والروائي الغزير والمتميز من جهة أخرى، ثم ذلك الاختيار الذكي، الدال، لموضوع “القيم السياسية في الرواية العربية” أطروحة لنيل درجة الدكتوراه.. كل هذا يشير بجلاء إلى عقل لا يرضى بأن يقسم، وإلى بحث دؤوب لا يكل عن الحقيقة الكلية، تلك الحقيقة التي تتجلى في تفاصيل التحليل السياسي البارد وفي جماليات الإبداع الأدبي الرفيع معاً. إن السياسي والأديب في داخله لا يتصارعان، بل يتكاملان، يغذي أحدهما الآخر، ويأخذ منه ويعطيه.

وحين نتأمل تلك اللحظة الفارقة حقاً في مسيرته الأدبية، لحظة فوزه بجائزة القصة في الجامعة متفوقاً على قاص معروف كان ينشر اسمه وصوره في الصحف، ندرك على الفور شيئاً بالغ الأهمية عن طبيعة الموهبة الحقة حين تجد أخيراً من يحتضنها ويعترف بها. ثلاثون جنيهاً لا غير كانت قيمة الجائزة، وهو مبلغ زهيد قد لا يكفي لملء البطن أياماً، لكنه كان كافياً، وأي كفاية، لشراء أغلى ما في الوجود: الأمل، واليقين الداخلي العميق بأن هذا الطريق الأدبي الوعر ليس وهماً من أوهام السراب، وأن ثمة معنى سامياً لأن نمضي فيه على الرغم من كل شيء. إنها اللحظة التي يتحول فيها الحلم إلى يقين، والهواية إلى رسالة.

الحكايات الأولى

ولا يستطيع قارئ هذه السيرة، مهما كان عجولاً، أن يمر مرور الكرام على ذلك المقطع الآسر الذي خصصه الكاتب للحديث عن “صيد الحكايات”. إنه يصف أباً يروي في ليالي الصعيد الطوال سير الأبطال، أبا زيد الهلالي ودياب بن غانم، وخالة صغرى تسرد من ألف ليلة وليلة ما يملأ القلب دهشة، لا تدري ربما أنها تصب في روح ذلك الطفل الصغير ينبوعاً من السحر لا ينضب. وخالة أخرى كبرى تغني بصوتها الجريح أغاني الزمن القديم، فتوقظ في الصبي شاعراً كامناً قبل أن يصير قاصاً معروفاً.

هنا، في هذه التفاصيل الحميمة، الدافئة، تكمن بذرة كل شيء. اللاوعي الجمعي بما يحمله من قيم وأحلام ومخاوف وهواجس يتسلل إلى روح الطفل عبر الحكاية، ليشكل خريطته الداخلية للعالم، وطريقته في النظر إلى الأشياء. الحكاية في هذه البيئة الشعبية، كما يصفها، لم تكن مجرد وسيلة للتسلية وقتل الوقت، بل كانت هواء يستنشق عبره القيم والرؤى وطرائق مواجهة المصير. وهو أمر يذكرني بما كنا نسمعه في صبانا من حكايات الجدات، التي كانت تشكل وجداننا قبل أن نعرف القراءة والكتابة.

ثم تأتي خصلة “عدم مد اليد لما ليس له” التي نشأ عليها الفتى، وتلك الحادثة الصغيرة التي تكاد تكون طريفة مضحكة لولا ما تحمله من دلالة عميقة على صرامة التربية؛ عقاب الأم له على حزمة بصل أخضر صغيرة اقتلعها محاكاة لأصحابه من زرع أحد الجيران. في هذه التفصيلة الدقيقة، البسيطة، يتجسد جوهر التربية الأخلاقية برمته، ليست دروساً جافة مملة تلقن في الفصول، بل مواقف حية تعاش بالدمع والوجل، وألم صغير يمنع ألماً أكبر، وخوف خفيف يقي صاحبه عاراً أثقل في قابل الأيام. وهكذا تكون التربية الحقة، لا بالكلام، بل بالموقف، ولا بالنصح، بل بالتجربة.

خيانة الجسد

من أكثر مقاطع هذه السيرة قسوة وتأثيراً في النفس، ذلك المقطع الذي يعترف فيه الكاتب، بصراحة من بلغ من العمر عتياً، بأن جسده خانه في نهاية المطاف. ذاك الذي كان رياضياً رشيقاً يعدو خلف الكرة بكل خفة ونشاط، يستيقظ فجأة ليجد نفسه، على حد وصفه الموجع، “متفرجاً كسولاً تتمدد الشحوم في جسمه”، يشكو الضغط، وارتفاع الكوليسترول، وآلام المفاصل، ودهون الكبد. إنها خيانة الجسد للروح التي لطالما حملته فوق طاقته البشرية، وأرغمته على السهر والعمل المضني والكد المتواصل. ولكن، أليس هذا هو قانون الحياة العادل في قسوته، وسنة الله في خلقه التي لا تحابي أحداً؟ أن تنتصر الروح في معاركها الكبرى، ثم تأتي الشيخوخة لتذكرنا بأننا بشر ضعفاء، وأن للجسد أجلاً ونهاية مهما بلغت الروح من عنفوان وعلو؟ غير أن التعزية، فيما أعتقد، تكمن في أن الحكمة هي ثمرة العمر، وأن الشيخوخة، على ضعفها، هي سن الحصاد والقطاف.

موقف من العالم

العنوان الذي اختاره عمار علي حسن لهذه السيرة هو، بلا شك، مفتاح أساسي لفهم فلسفته الخاصة في الحياة. “مكان وسط الزحام” ليس موقعاً جغرافياً تحدده خرائط القاهرة، إنه إعلان صريح عن فلسفة في الوجود. فلسفة لا تؤمن بالمركز بما فيه من أضواء خادعة وزيف، ولا تقبل الهامش بما فيه من ظل بارد ونسيان. إنها فلسفة تبحث عن موقع فريد، مميز، بين هذين القطبين. أن تكون “وسط الزحام” يعني أن تظل مرئياً لمن يريد أن يرى، دون أن تفقد روحك وذاتك في سبيل هذه الرؤية، ودون أن تبيع مبادئك الراسخة لشراء مزيد من الضوء والزيف. وهو، في نظري، موقف حكيم، يجمع بين الفضيلتين فضيلة الحضور وفضيلة الاستقلال، فلا هو بالانزواء السلبي، ولا هو بالانغماس المذيب للذات.

عندما يصل القارئ إلى الصفحات الأخيرة من هذه السيرة، يكتشف أن صاحبها ما زال يصعد ويصعد. تشبيهه لرحلته الشاقة بمن يصعد جبلاً شامخاً عالياً، وكلما همت قدمه بالانزلاق عن صخوره الملساء حفر موطئاً جديداً لقدمه.. هذا التشبيه هو الأصدق في وصف حياة كاملة، حياة لا تعرف التوقف.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع