نزار آغري
من السهل النظر إلى رواية ”وطوى الكتاب“ لنيروز مالك بوصفها رواية جديدة، أي بوصفها كتاباً يضاف إلى سلسلة طويلة من الكتب التي راكمها الكاتب السوري منذ سبعينيات القرن الماضي. الرواية، في موضوعها وفي اللحظة التي تأتي فيها، تبدو أقرب إلى حلقة متأخرة من مشروع سردي ظل مالك يبنيه، بصبر ومن دون ضجيج، على امتداد عقود. مشروع كان الإنسان السوري في مركزه وكانت المدينة، حلب، مسرحه الأثير، فيما ظلت أسئلة الحرية والخوف والسلطة والحرب وانهيار الأحلام الكبرى تتحرك في خلفيته، مرة ظاهرة ومرة متوارية وراء التفاصيل الصغيرة لحياة الناس. يمكن القول، والحال هذا، أن ”وطوى الكتاب“ لا تبدأ من صفحتها الأولى، بل يمكن القول إنها تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، وربما قبل عقود، منذ اللحظة التي شرع فيها نيروز مالك في مراقبة المسافة المتزايدة بين الأحلام التي حملها جيله وبين الواقع الذي انتهى إليه ذلك الجيل.
وكان مالك قد كشف، قبل صدور الرواية بسنوات، عن عنوانها الأول: وطوى الكتاب على سورة القصص. وقال يومئذ إن الرواية تتناول الظروف التي قادت حلم الحداثة إلى واقع مغاير. وهذه العبارة، على إيجازها، تكاد تكون المفتاح الذي ينبغي أن ندخل منه إلى الرواية، لأنها تنقل السؤال من النتائج إلى المقدمات ومن مشهد الخراب المرئي إلى البنية العميقة التي جعلت الخراب ممكنا. هو لا يسأل: ماذا حدث لسوريا بل كيف انتهى مجتمع كان أبناؤه يحلمون بالحداثة والحرية والعقلانية إلى هذا القاع الذي تتصارع فيه الاستبدادات والهويات المغلقة والعصبيات الدينية والمذهبية؟
في ”وطوى الكتاب“ يبدو السؤال أكثر قسوة، لأن القضية لم تعد قضية حلم فشل في أن يتحقق، وإنما قضية الحلم الذي أنجب، أو سمح التاريخ بأن يحل محله، نقيضه الكامل. وبين الحالتين فرق بالغ الدلالة: أن تفشل في بلوغ الحداثة شيء، وأن تستيقظ بعد نصف قرن لتجد نفسك في مواجهة التعصب والقتل.
في هذا السياق يكتسب العنوان ”وطوى الكتاب“ كثافة رمزية لافتة. أن كتاباً تاريخياً ظل السوريون يكتبون صفحاته على امتداد نصف قرن بلغ الصفحة الأخيرة، ثم جاء من يطويه بعد أن اكتشف أن الحكاية التي بدأت بوعد المستقبل انتهت إلى كارثة الحاضر. والعنوان، من هذه الناحية، ينتمي إلى طبيعة نيروز مالك السردية التي لا تميل عادة إلى الزخرفة البلاغية الثقيلة. وهو كاتب جاء أساساً من القصة القصيرة، وظلت خبرة القاص حاضرة في رواياته. كثيراً ما تتكون روايته من مشاهد وحكايات جزئية وتفاصيل تبدو مستقلة للوهلة الأولى، ثم تبدأ، بتراكمها، في تكوين المشهد الكبير. وهذا واضح في أعماله التي تناولت سنوات الحرب، حيث لا يقتحم الحدث التاريخي الرواية بصفته خطاباً جاهزاً، بل يتسرب إليها من خلال شظاياه التي تصيب الحياة اليومية.
إحدى خصائص نص نيروز مالك أنه لا يبدو مفتوناً بالبطل الروائي بالمعنى التقليدي. أبطاله الحقيقيون هم في الغالب أولئك الذين يمر التاريخ فوق أجسادهم من دون أن يرد ذكر أسمائهم في كتب التاريخ، أولئك الذين يستيقظون صباحاً، يبحثون عن الخبز، يذهبون إلى العمل، يخافون على أولادهم، يتبادلون الأخبار والشائعات، يختلفون ويتصالحون، ثم يجدون أنفسهم فجأة في قلب كارثة لم يختاروها. الحال أنه يكتب عن التاريخ من موقع الشاهد، ولكنه يحاول ألا يتحول إلى مؤرخ. لقد عاش الرجل زمناً طويلاً بما يكفي لكي يرى الشعارات وهي تولد ثم تشيخ وتموت ويرى أنظمة الأفكار التي بدت لجيله حقائق نهائية تتحول إلى أطلال فكرية ويرى المدينة التي عرفها تتغير أمام عينيه، ثم يرى الحرب وهي تضع نهاية عنيفة لعالم كامل من العلاقات والعادات والأمكنة. وهذه المسافة الزمنية تمنح كتابته نبرة خاصة، فيها شيء من المرارة وشيء من الحنين.
غير أن قيمة الرواية الأدبية، في النهاية، لا تقاس بصحة أطروحتها السياسية وحدها، بل بقدرتها على تحويل تلك الأطروحة إلى بشر ولحم وذاكرة وخوف وحب وخيبة. وهذه هي المنطقة التي راكم فيها نيروز مالك خبرة طويلة، منذ أن بدأ النشر في سبعينيات القرن الماضي، مروراً بـزهور كافكا وفتى قيبار وميدان الزيزفون وتحت سماء الحرب وظلال الليالي ووقائع الحرب اليومية، وغيرها. ما يجمع هذه الأعمال، على اختلاف موضوعاتها وبناها، هو الإصرار على أن التاريخ ليس ما تفعله السلطات وحدها، بل ما تفعله الأفكار والحوادث بحياة الإنسان العادي.
لهذا ربما تكون ”وطوى الكتاب“ واحدة من الروايات التي يمكن أن تُقرأ بوصفها محطة متأخرة في مشروع نيروز مالك أكثر مما تُقرأ بوصفها مغامرة منفصلة عنه. فالرجل الذي بدأ الكتابة في سبعينيات القرن الماضي يستطيع الآن أن ينظر إلى المسافة كلها تقريباً: إلى البدايات المفعمة بأوهام التغيير، وإلى سنوات السلطة والخوف وإلى تصدع المجتمع وإلى الحرب وإلى المدن التي خرجت من الكارثة وهي لا تشبه نفسها. إن الكاتب هنا لا يقف خارج التجربة لكي يشرحها، بل يقف داخلها بوصفه واحداً من أبنائها وشهودها، ولذلك فإن طي الكتاب ليس فعلاً بارداً يقوم به مؤرخ انتهى من تدوين حقبة، وإنما فعل شخص يطوي شيئاً من حياته الشخصية أيضاً.
ومع ذلك لا تبدو الكتابة عند مالك إعلان استسلام. ففي مجرد مواصلة الكتابة، بعد كل ما جرى، معنى مضاد لفعل الطَيّ نفسه. فالكتاب يُطوى داخل الرواية، لكن الكاتب يفتح كتاباً آخر، والحكاية التي يريد التاريخ إغلاقها يعيد الأدب فتحها، والأشخاص الذين تحولوا في الأخبار إلى أرقام يستعيدون أسماءهم ووجوههم وبيوتهم ومخاوفهم على الصفحة. وربما كانت هذه، في نهاية الأمر، الوظيفة الأعمق للأدب في عالم نيروز مالك: ألا يمنع الخراب، فهو أعجز من أن يفعل ذلك، وإنما يمنع الخراب من امتلاك الرواية الوحيدة عما حدث.
من هنا تأتي «وطوى الكتاب» لا بوصفها رواية عن نهاية الحكاية، على الرغم من عنوانها، بل بوصفها مقاومة لتلك النهاية. إنها محاولة للعودة إلى الطريق الطويل.
ولعل أجمل مفارقات العنوان أن نيروز مالك، وهو يقول ”وطوى الكتاب“، لا يطويه فعلاً. إنه يفتحه أمامنا، ويطلب منا أن نقرأ ما كُتب في صفحاته السابقة مرة أخرى، ولكن هذه المرة بعدما عرفنا النهاية.
قد يكون من السهل، بالنظر إلى حضور نيروز مالك الروائي في السنوات الأخيرة أن نتعامل معه بوصفه روائياً يكتب القصة. لكن التسلسل الحقيقي لتجربته يقود إلى نتيجة معاكسة تقريباً: نيروز مالك قاصّ دخل الرواية، وظل القاصّ يسكنه وهو يكتبها.هذه ليست ملاحظة تتعلق بالتاريخ الأدبي. إنها مفتاح فني لقراءة معظم أعماله. الرواية عنده كثيراً ما تتكون من وحدات صغيرة، مشهد، لقاء، شخص عابر، حكاية، ذكرى، مصادفة، صورة في شارع، واقعة في مقهى. تستطيع بعض هذه الوحدات أن تستقل عن السياق الروائي وتعيش بوصفها قصة قصيرة أو أقصوصة أو شذرة سردية. ومن هنا يمكن أن نقول إن نيروز مالك لم ينتقل من القصة إلى الرواية بمعنى التخلي عن جنس أدبي لصالح جنس آخر، وإنما وسّع البيت الذي تعيش فيه القصة. الرواية عنده بيت كبير تدخل إليه القصص الصغيرة وتجاور بعضها بعضاً. أعتقد أن نيروز مالك، مع تطور تجربته، اقترب أكثر فأكثر من الصنيع التشيخوفي. فالسؤال ليس: ماذا حدث؟ بل: ماذا يعني أن يعيش هذا الإنسان بهذه الطريقة؟ وهذا فارق جوهري.
رجل يجلس في مقهى. الحكايات تمر أمامه. لا يحتاج إلى البحث عنها في أماكن بعيدة. يكفي أن ينظر. المرأة التي تعبر الشارع تحمل قصة. العجوز يحمل قصة. الطفل يحمل قصة. الرجل الذي ينظر إلى داخل المقهى ثم يمضي يحمل قصة. وهذه، في الحقيقة، هي العين القصصية. وهذا يقودنا، في الواقع، إلى التكوين التشكيلي لنيروز مالك. هو درس الفن التشكيلي في حلب وتخرج سنة 1963، وظل يمارس الرسم ويشارك في المعارض حتى 1967. من الصعب الاعتقاد بأن هذه السنوات اختفت عندما بدأ الكتابة. الرسام يتعلم شيئاً بالغ الأهمية بالنسبة إلى القاص: الإطار. اللوحة لا تستطيع أن تعرض العالم كله. ينبغي أن يختار الرسام ما يدخل الإطار وما يبقى خارجه. القصة القصيرة تفعل الشيء نفسه. الصفحة إطار لوحة. لهذا تتكرر عنده البنية المشهدية. يدخل رجل. يجلس. ينظر. يتحدث. يتذكر. يخرج. يبدو الأمر بسيطاً لكن الصعوبة تكمن في جعل هذه الحركة الصغيرة تحمل معنى أكبر منها. يكفي أن نرى رجلاً يلتفت وراءه قبل أن يقول جملة. لا نحتاج إلى شرح الحرب في مئات الصفحات. يكفي رغيف خبز ملطخ بالدم.الباب الخشبي ذاكرة بيت. الليل حالة وجودية والاسم الشخصي يفتح سيرة مكان بأكمله. هذه استراتيجية تتفق مع طريقته في رؤية العالم: الكبير مختبئ داخل الصغير. البطل عند نيروز غالباً إنسان عادي. وهذه واحدة من أهم صلاته بتشيخوف. الموظف. العامل. المتقاعد. الصديق. المرأة. الطفل. العجوز. الجالس في المقهى. الراكب في الباص. إنها معجم الحياة اليومية. الشخصية لا تحتاج دائماً إلى سيرة كاملة. قد تظهر في بضعة أسطر. وهنا تظهر مهارة القاص. كيف تجعل القارئ يشعر بأن إنساناً عاش حياة كاملة مع أنك لم تمنحه إلا صفحة؟ الإجابة تكمن في التفصيل الدال. حركة اليد. طريقة الجلوس. قطعة ثياب. نظرة. صمت. يضع أمامك علامة واحدة، ثم يترك خيالك يكمل الباقي. ثمة مهارة أخرى: الحذف. القصة ليست فن ما نقوله فقط. إنها فن ما نمتنع عن قوله. وهذا يفسر بساطة لغته الظاهرة. لكن الجملة ليست فقيرة. إنها منزوعة الزوائد. وهنا يمكن تمييزه عن اتجاه روائي عربي يعتمد على الفخامة البلاغية وتراكم الاستعارات. مالك أقرب إلى الرسام الذي يعرف أن إضافة لون آخر قد تفسد اللوحة. بسبب الحذف يصبح الصمت عنصراً سردياً. لا يقول الشخص كل ما يشعر به. ولا يشرح الراوي كل شيء. ولا تُحل جميع الأسئلة. يمكن الوصول إلى تعريف مناسب لنيروز مالك القاص: صياد التفاصيل. ليس الأحداث الكبرى. بل الأشياء التي تمر بجانب الحدث الكبير ولا يلاحظها الآخرون. الصحفي يسجل عدد القتلى. القاص يرى الحذاء الذي بقي في الشارع. المؤرخ يسجل تاريخ المعركة. القاص يتذكر أن المقهى أغلق ذلك اليوم.إنه قاص الحياة اليومية. الحياة اليومية عالم وفي هذا العالم يستطيع أن يكون واقعياً حيناً وساخراً حيناً وغرائبياً حيناً آخر وحكائياً أو شبه أسطوري في موضع آخر. تكمن فضيلة نيروز مالك الأساسية بوصفه قاصاً في أنه يلتفت إلى من يعبرون سريعاً ولا يلتفت إليهم أحد والقصة القصيرة، في جوهرها، ليست سوى هذا الالتفات الطويل إلى حياة قصيرة.
















