حسن مدن يعيد الاعتبار إلى البطء

hassan madan

سامح قاسم

في الأدب العربي الحديث، قليلون هم الكتّاب الذين استطاعوا أن يمنحوا الهامشي هذه الكرامة كلّها. قليلون من نظروا إلى الأشياء العابرة بعين تعرف أن الحياة الحقيقية لا تجري في الوقائع الكبرى وحدها، وأن الحقيقة دائماً تكمُن في تلك اللحظات التي تمرّ هادئة ثم تختفي: رجل يضع بصمته على جهاز الحضور للمرة الأولى بعد عمر كامل من الوظيفة، امرأة تترك نصف بيضة في طبق الفطور، أغنية قديمة تتسرب من مقهى بعيد، رسالة مهملة داخل درج خشبي، أو مقعد في مدينة مرّ عليه غرباء كثيرون ثم مضوا.

قريباً من هذه المنطقة يكتب حسن مدن. إنه يقترب منها كما يقترب شخص وحيد، وعنده لوعة، من نافذة في آخر الليل، ينظر طويلاً إلى الشارع، ويحاول أن يفهم لماذا تبدو الأشياء أكثر حزناً حين تبتعد، وأكثر جمالاً حين تصبح أثراً بعد عين.

في كتابه “يوميات التلصص” تبدو الكتابة أشبه بمحاولة دائمة لإنقاذ ما يتبدد. فالعالم الحديث، بإيقاعه السريع، يلتهم التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح الحياة دفأها ومعناها. المقاهي القديمة تختفي، الرسائل الورقية تذبل، الأصوات الحميمة تتراجع، المدن تفقد ملامحها بالتدريج، وحتى المخيلة نفسها تصير مهددة بالإنهاك. هنا يأتي حسن مدن ليجمع الشظايا المتناثرة لحياة كاملة، ويعيد ترتيبها داخل اللغة كي تبقى قابلة لعيش حياة أطول.

الكتاب يقوم على التداخل الرقيق بين عمق النظر والاعتراف والقراءة والأشواق والمعايشة اليومية. مما يُشعر القارئ أنه أمام كاتب يحاول أن يفهم نفسه عبر العالم، ويفهم العالم عبر نفسه. لهذا تبدو نصوص الكتاب كلها مشبعة بذلك الحس الإنساني الذي يجعل القارئ يرى شيئاً من حياته الشخصية داخل كل صفحة.

منذ المقدمة يعلن حسن مدن انحيازه إلى المراقبة بوصفها جوهر الكتابة. يقول إن الكاتب “مراقب بامتياز، أو متلصص” وهذه العبارة تكشف طبيعة الكتاب كله. التلصص هنا ليس اقتحاماً لحياة الآخرين، إنه إصغاء طويل لما تقوله الحياة سراً. الكاتب يتلصص على الناس، وعلى نفسه أيضاً، على عاداته الصغيرة، وعلى خوفه من الشيخوخة، وعلى حنينه إلى الأمكنة، وعلى ارتباكاته، وعلى هشاشته التي لا يحاول إخفاءها خلف قناع المثقف العارف بكل شيء.

لهذا السبب يمتلك الكتاب صدقه العميق. حسن مدن لا يتظاهر بالحكمة، لكنه يصل إليها عبر التجربة اليومية. نصوصه تبدأ من المواقف الصغيرة التي تكشف بالتدريج عن أسئلتها الإنسانية العميقة. ففي “الإطاحة بطربوش المستشار” يتحول جهاز البصمة في مؤسسة حكومية إلى تأمل طويل في العمر والوظيفة والسلطة والزمن والذكريات القديمة. وفي “تقاسم البيضة” تتحول بيضة مسلوقة إلى نص عن المشاركة الخفية والطفولة ودفء العلاقات الإنسانية. وفي “حديث رجل متقاعد” يصبح التقاعد مناسبة للتفكير في الحرية والوقت والشيخوخة والمعنى.

هذه القدرة على استخراج المعنى من التفاصيل اليومية تمنح الكتاب فرادته الحقيقية. فحسن مدن يكتب بعين روائي، وحس شاعر، وذاكرة قارئ نهم عاش عمره بين الكتب والأسفار والأغنيات والمقاهي. الثقافة عنده جزء من طريقة النظر إلى العالم. لذلك تتجاور في الكتاب أسماء مثل أنطون تشيخوف وإيفان بونين وفريدا كالو وسلامة موسى من دون افتعال ثقافي أو استعراض معرفي. هؤلاء جميعاً يدخلون النص كما يدخل الأصدقاء إلى جلسة حميمة، يحمل كل واحد منهم فكرة أو أثراً يساعد الكاتب على فهم الحياة أكثر.

ولعل أجمل ما يفعله حسن مدن أنه يعيد الاعتبار إلى البطء. ففي الوقت الذي يمرّ كل شيء بسرعة جارفة، تأتي نصوصه هادئة، لتُحدق في كل شيء بمحبة كبيرة. إنه يكتب كما لو أن الكتابة فعل مقاومة. مقاومة ضد النسيان، وضد القسوة اليومية، وضد التحول التدريجي للإنسان إلى كائن يستهلك العالم من دون أن يراه حقاً.

حتى المدن في هذا الكتاب تظهر ككائنات حيّة تمتلك مزاجاً وروائح وأصواتاً. القاهرة، الإسكندرية، بيروت، إسطنبول، غرناطة.. كلها تمرّ عبر عين كاتب يعرف كيف يلتقط روح المكان. المدينة عند حسن مدن تُرى من مقاهيها الصغيرة، ومن أصوات الباعة، ومن الوجوه العابرة، ومن ذلك الإحساس الغامض الذي تتركه في الروح بعد المغادرة.

الأشواق تسري في الكتاب كله، لكنها لا تتحول إلى بكائية على الماضي. حسن مدن يعرف أن الزمن لا يعود، ويعرف أن الأشياء الجميلة تذبل، لذلك يكتبها قبل أن تختفي تماماً. الكتابة عنده نوع من الاحتفاظ بالأثر الأخير للأشياء. لهذا تبدو نصوصه مشبعة بحزن هادئ، حزن المثقف الذي يرى العالم يتغير أمامه، ويحاول أن ينقذ منه ما يستطيع إنقاذه عبر اللغة.

أما اللغة نفسها فتعد واحدة من أهم عناصر الجمال في هذا الكتاب. حسن مدن يكتب بجمل شفافة، متأنية، خالية من الادعاء. لا يثقل النص بالزينة البلاغية، ولا يركض خلف الجمل الطنانة. قوته الحقيقية تكمن في تلك النبرة الهادئة التي تجعل القارئ يشعر أن الكاتب يحدثه مباشرة، كما يحدث صديق صديقه في مقهى قديم. هذه البساطة الظاهرة تخفي وراءها خبرة عميقة باللغة وبإيقاع الجملة وبكيفية بناء التأثير العاطفي من دون افتعال.

ومن بين أكثر ما يميز حسن مدن أيضاً تلك الإنسانية الهادئة التي تتسلل عبر سطوره. إنه يكتب عن الخادمات، والموظفين المتقاعدين، والناس العابرين، والأصدقاء القدامى، والمغنين، والقراء، من دون أي تعالٍ. ثمة احترام عميق للإنسان في قلة حيلته، وفي هشاشته اليومية. وهذا ما يجعل الكتاب قريباً من القلب؛ لأن قارئه يشعر أن الكاتب يرى البشر بعين رحيمة، عين تدرك تعبهم وخساراتهم الصغيرة وأحلامهم المؤجلة.

كل ما أريد قوله هو أن حسن مدن، عبر هذه الكتابة الهادئة والعميقة، يثبت أن الأدب العظيم لا يحتاج دائماً إلى الحوادث الكبرى، لأن حياة كاملة يمكن أن تنعكس أحياناً في فنجان قهوة، أو رسالة قديمة، أو أغنية بعيدة تتسلل من مذياع في مساء وحيد.

سامح قاسم

29 مقال
شاعر وفنان تشكيلي مصري. من أعماله: كتاب الوهم والحقيقة، شعر، دار روافد. ميل إلى السعادة، دار روافد

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع