ضياء حامد
تضعنا رواية وخز الماضي للكاتب اللبناني د- محمد إقبال حرب منذ البداية أمام شخصية ماريو، الذي ينكشف لاحقًا أن اسمه الحقيقي باسل علي نصر الله. وهذه الازدواجية في الاسم ليست مجرد تغيير شكلي، وإنما تبدو مدخلًا أساسيًا لفهم الشخصية فماريو يحاول أن يعيش بعيدًا عن باسل، أي بعيدًا عن ماضيه وهويته وذكرياته، لكن الماضي لا يسمح له بأن يختفي تمامًا.
ومن هنا يأتي عنوان الرواية (وخز الماضي) فالماضي ليس مجرد مرحلة انتهت، وإنما يتحول إلى وخز متكرر، يظهر في صورة ذكرى، أو رسالة، أو علاقة قديمة، أو شخص يعود من الماضي، أو سؤال ظل بلا إجابة.
ماريو.. الإنسان الهارب من نفسه
ماريو هو المحور الأساسي للأحداث، لكنه ليس بطلًا تقليديًا فهو شخصية مأزومة وممزقة من الداخل. يبدو في حياته اليومية قادرًا على التعامل مع الآخرين، لكنه يعاني من الوحدة والاغتراب والقلق وفقدان المعنى. وتزداد أزمته مع قضية العقم، التي لا تقدمها الرواية باعتبارها مشكلة جسدية فقط، بل باعتبارها أزمة تمس صورة الرجل عن ذاته وفكرة الأبوة، واستمرارية الاسم والنسل. وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة: الرجل الذي يعتقد أنه غير قادر على الإنجاب يجد نفسه فجأة أمام احتمال وجود ابن له.وهذا الاحتمال يهدم الصورة التي بنى عليها جزءًا من حياته.
ليلى.. عودة الماضي
تمثل ليلى واحدة من أهم حلقات عودة الماضي إلى حياة ماريو.ظهورها لا يعيد فقط علاقة عاطفية قديمة، وإنما يعيد معه سؤالًا أخلاقيًا وإنسانيًا: ماذا يفعل الإنسان عندما تعود إليه نتائج أفعاله بعد سنوات؟
حين تخبره ليلى بأن لديه ابنًا، يتحول الماضي من ذكرى إلى مسؤولية حاضرة. ويصبح البحث عن حقيقة الطفل في الوقت نفسه بحثًا عن حقيقة ماريو نفسه. ولهذا فإن باسل الصغير ليس مجرد شخصية داخل الأحداث، بل يحمل دلالة رمزية واضحة؛ فهو ابن الماضي الذي يطالب بالحضور في المستقبل.
بوب.. المرآة الأخلاقية لماريو
تكتسب شخصية بوب أهميتها من كونها نقيضًا لماريو في جوانب كثيرة.بوب يعاني الفقر والمرض والحاجة، بينما يستطيع ماريو مساعدته ماديًا. لكن المفارقة أن الفقر المادي عند بوب يقابله نوع من الثراء الإنساني والأخلاقي بينما يعاني ماري، رغم قدرته المادية، من فقر داخلي ووحدة عميقة. ولهذا يمكن النظر إلى بوب باعتباره مرآة لماريو فالحوار بينهما لا يكشف فقط ظروف كل شخصية وإنما يكشف الاختلاف بين من يبحث عن الطعام والاحتياجات الأساسية، ومن يملك ما يكفي ماديًا لكنه عاجز عن العثور على معنى لحياته.
الأبوة.. السؤال الأكبر
من أهم الأسئلة التي تطرحها الرواية: ما معنى أن يكون الإنسان أبًا؟ فالأبوة هنا تمتد إلى المسؤولية والاعتراف والذاكرة والاسم. ولهذا تأتي مفارقة ماريو/باسل قوية: فهو يواجه احتمال أن يكون أبًا في الوقت الذي كان يعتقد فيه أنه غير قادر على الإنجاب. وبذلك تتحول قضية الطفل من لغز سردي إلى سؤال وجودي: هل يمكن للإنسان أن يهرب من نتائج ماضيه؟ والرواية تبدو واضحة في إجاباتها: لا.
الذاكرة والنسيان
الذاكرة واحدة من أهم البنى في الرواية. فالزمن فيها ليس خطيًا بصورة تقليدية؛ الماضي والحاضر يتداخلان، والذكريات تعود بصورة مفاجئة، كما تتداخل بعض المشاهد الواقعية مع المشاهد ذات الطابع الحلمي أوالغرائبي.
وهذا الأسلوب يخدم الحالة النفسية للبطل؛ لأن الإنسان المأزوم لا يعيش الزمن بالضرورة بصورة مستقيمة. قد يعيش لحظة من الحاضر فتستدعي سنوات من الماضي. لذلك يصبح النسيان نفسه مشكلة.فماريو يريد أن ينسى، لكن الرواية تقول إن ما نعتقد أننا نسيناه قد يعود في أكثر اللحظات إيلامًا.
من المأساة الفردية إلى المأساة الجماعية
من نقاط قوة الرواية أنها لا تظل محصورة في أزمة ماريو الشخصية. فمع تطور الأحداث، تتسع الدائرة لتشمل الفقر، والمرض، والانهيار الاجتماعي والاقتصادي، والهجرة والاغتراب، وجائحة كورونا، وصولًا إلى انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس.
وهنا تنتقل الرواية من سؤال:
ماذا حدث لماريو؟ إلى سؤال أكبر: ماذا حدث للإنسان والمكان والمجتمع؟
انفجار بيروت، بهذا المعنى، لا يبدو مجرد حدث تاريخي تستخدمه الرواية كخلفية، وإنما يصبح امتدادًا لفكرة الانفجار الداخلي التي يعيشها البطل.
هناك انفجار في المدينة، وانفجار في الذاكرة، وانفجار في العلاقات، وانفجار في صورة الإنسان عن نفسه.
المكان في الرواية
بيروت ليست مجرد مكان للأحداث، وإنما تتحول إلى جزء من الحالة النفسية للرواية. فالمدينة التي تعاني الانهيار والحصار الاقتصادي والأزمات تصبح شبيهة بشخصيات الرواية نفسها: مدينة تحمل ندوب الماضي وتحاول الاستمرار في الحاضر. وهنا تتقاطع مأساة الفرد مع مأساة المكان.تعتمد الرواية على المزج بين الواقع والخيال والغرائبي
وهذه المشاهد يمكن قراءتها باعتبارها تجسيدًا لصراع ماريو الداخلي، أكثر من كونها أحداثًا واقعية بالمعنى التقليدي. فالوالدان يمثلان الجذور والماضي والاسم والعائلة والنسب، ولذلك فإن ظهورهما في لحظة صراع ماريو مع قضية الأبوة ليس عابرًا. كأن الماضي نفسه يأتي لمساءلة الشخصية.
دلالة العنوان
(وخز الماضي) عنوان شديد الدلالة. فالكاتب لم يقل «ذاكرة الماضي» أو «أسرار الماضي»، وإنما اختار كلمة «وخز». والوَخز ألم صغير في حجمه لكنه شديد الإحساس، ويتكرر. وهذا تحديدًا ما يفعله الماضي في الرواية: لا يظهر دائمًا بصورة مباشرة. لكنه يعود في لحظات مفصلية. يوقظ الألم. يربك الحاضر. ويجبر الشخصية على مواجهة ما حاولت الهروب منه. ومن هنا يصبح الماضي أشبه بشخصية غير مرئية في الرواية.
البناء الفني
تعتمد الرواية على الاسترجاع وكسر التسلسل الزمني والتداخل بين الماضي والحاضر، وهو بناء يتناسب مع موضوعها الأساسي.
كما أن الرواية تتحرك بين أكثر من مستوى:
المستوى النفسي: أزمة ماريو وذاكرته ووحدته.
المستوى الاجتماعي: الفقر والمرض والعلاقات الإنسانية.
المستوى الوجودي: الموت، العدم، الهوية، الأبوة، معنى الحياة.
المستوى الوطني/الجمعي: أزمات لبنان والانفجار والانهيار العام.
وهذا ما يجعل الرواية تتجاوز حكاية رجل يبحث عن ابن إلى مساحة أوسع تتعلق بالإنسان الذي يبحث عن نفسه.
يمكن تلخيص مسار الرواية كالأتي
ماريو يهرب من الماضي، فيعود الماضي إليه في صورة طفل؛ يبحث عن حقيقة الطفل، فيجد نفسه مضطرًا للبحث عن حقيقة ذاته. ولهذا لا أرى أن (وخز الماضي) رواية عن البحث عن ابن فقط، فالطفل هو مفتاح اللغز، وليلى هي بوابة الماضي، وبوب هو المرآة الأخلاقية، والعقم هو جرح الهوية، والذاكرة هي السجن، وانفجار بيروت هو الانفجار الخارجي الذي يتقاطع مع الانفجار الداخلي للشخصية.
وفي النهاية السؤال الأهم الذي تتركه الرواية لدى القارئ ليس: هل باسل هو الأب؟ وإنما (هل يستطيع الإنسان أن يبدأ حياة جديدة من دون أن يصالح حياته القديمة؟ وهنا تكمن قوة العنوان: الماضي لا يموت أحيانًا يكتفي بأن يتحول إلى وخز.















