شوقى عبد الحميد يحيى
فى البداية يجب أن أوضح أننى لست من أنصار أن يعتبر كل عشر سنوات جيلا منفصلا عن غيره. ولكن ما أراه أن كل من يتصف إبداعه بمواصفات الكتابة، ينتمى إلى أول من انتهجه. فإذا أخذنا على سبيل المثال. بهاء طاهر، الذى ولد فى العام 1935، بينما لم يصدر أولى إبداعاته “الخطوبة” إلا فى العام 1972. أى بعد ما يقرب من الثلاثة وثلاثين سنة، وبالرغم من ذلك فيعتبر من حيل الستينيات، لأن كتابته تنتهج ذات السمات التى أنتجها ذلك الجيل، بينما يعتبر جمال الغيطانى وهو مواليد 1945، بينما أصدر أولى أعماله “أوراق شاب عاش منذ ألف عام” فى العام 1969، واعتبر أيضا من كتاب ذلك الجيل.
ويعد جيل الستينيات، الجيل الأول فيما بعد العام 1952، على الرغم أن معظم كتابه، ولدوا فى الثلاثينيات من القرن الماضى. اى انهم عاشوا فترة صباهم قبل عام 1952، وفترة الحلم الذى حلموا به، تحت ضغط الظروف الاجتماعية، فكان ما حدث فى ذلك العام، تحقيق حلم، طالما حلموا به، فكان تحقيقا لحلمهم هم، بالدرجة الأولى، ولكنهم فوجئوا بغير ذلك فى الممارسات التى مارستها الدولة الجديد. ووصلت للذروة فى العام 1967. حين وقعت البلاد فى أكبر نكسة تحدث على الأرض المصرية، فكان زلزالا مضجا للراحة، ومعذبا للنفس. حيث شاع فى تلك الفترة (الستينيات) كثرة الشعارات، وكان من أهمها الإعلان عن انتاج الظافر والقاهر، وهما صاروخان باليستيان قصيرَا المدى، تم تطويرهما في مصر خلال فترة ستينيات من لقرن العشرين في عهد الرئيس جمال عبد الناصر }. ولذلك نرى أنه تم التأثير على كتاب تلك المرحلة، بأنهم وقعوا تحت تأثيرين، الأول شخصى إجتماعى، والثانى مجتمعى، فعاشوا الحلم، وعاشوا النكسة. وقد عبروا عن ذلك، بصور مختلفة، وانعكس ذلك على كتابتهم، فأصبح عنده مميزات، أو مواصفات تميز بها أبناء هذا الجيل، وأهما الثورة على كل ما هو قائم، خاصةا فى الأنواع الأدبية، وكأن 23 يوليو قد زرعت فيهم النزعة الثورية. وثانيا الصراع، حيث عانى معظم أبناء هذا الجيل الصراع بين ما يؤمنون به، وما تم تطبيقه على أرض الواقع، خاصة بعد أن وقعت أحداث يونيو 1967. التى أصبات الجميع، بما فيهم الأدباء، حيث وقعوا فى الحيرة، والدهشة والتوتر، الأمر الذى أثمر الكثير من الثورة على الأساليب التقليدية للأنواع الأدبية، والدخول فى مرحلة التجريب، ولذا كانت النزعة الفردية هى الغالبة، وهى الغالبة أبدا مع الإنسان أينما كان، وأينما وُجد، وكأن كل واحد فيهم يعيش مآساته الفردية، على الرغم من أن هناك سمات مشتركة بينهم، فقد عاش أغلبهم الظروف الاجتماعية والتعليمية المتشابهة، فكان النتاج أقرب إلى بعضه البعض. فكان لزاما أن يتم جمعها كوحده واحدة، تتشابه فى الكثير وتختلف فى القليل.
ومن أهم السمات العامة، التى جمعت بين ذلك الجيل، على الرغم من أنه يمكن أن يحمل شحص واحد أكثر من هذه السمات،، ولكننا تخيرنا السمة الأبرز عند كل واحد منهم، لكنها فى النهاية تعبر عن الثورة على القائم، سواء فى الحياة أو فى الأنواع الأدبية، إيمانا بأن تطورأى فن مرتبط بالحياة العامة التى يعيشها، بغض النظر عما كان يفعل سابقوه:
- الرمز
حيث الرمز فى حد ذاته يعنى التخفى، وهو القادر على تصوير عهد كامل، دون إفصاح أو مواجهة، خاصة أن تلك السنوات، السينيات وما بعدها كانت مشحونة بالكثير مما يستدعى التخفى وراء الرمز، وإن كان الرمز فى حدذ ذاته يلقى بالكثير مما يقال حول هذه الفترة حيث نجد. مجيد طوبيا (1938 – 2022) كأحد فرسان تلك الفترة، حيث كتب فى قصته {فوستك يصل إلى القمر} المنشورة فى العدد رقم 101 مايو 1965 فى مجلة “المجلة”، والصادرة فى مجموعة عام 1967. حيث احتلت القصة صدارة المجموعة الحاملة لإسم القصة. حيث رمز مجيد طوبيا لسائق اللورى فى هذه القصة إلى جمال( رئيس الجمهورية) ذاته. حيث كتب صاحب السيارة على مؤخرتها “فوستوك يصل إلى القمر” {ربما المائة فى خلال اليومين الأخيرين} حيث تكشف هذه الكلمات البسيطة عن الإلحاح فى إالإنجازات التى تحققت منذ أن تولوا السلطة فى 1952 وخاصة موضوع القاهر والظافر. بينما السائق يريد أن يكتب بدلا منها “يا خفى الألطاف نجنا مما نخاف”- مُرجعا فى ذلك لثقافته الدينية التى تُرجع كل شئ لله عز وجل- وأن السائق يريد أن يعود إلى البدايات الأولى، أو الحلم الأول المعتمد على الاتكال على الله، وكأنه يشعر فى قرارة نفسه بأن شيئا خطيرا سوف يحدث. ثم {ويخرج من فم شرطى المرور ثعبانان.. يلدغان السائق فى أذنيه..}حيث يمثل شرطى المرو الحكومة هنا. وكأنها تخبئ للسائق، او للمصريين جميعا ما سوف يلدغهم. { ومع ازدياد السرعة.. ومع ارتفاع أنين محركها” يزداد خوف السائق، وكأنه لا زال يستشعر الخوف. ومع ازياد صوت المحرك، يشعر السائق أن جنيا يجلس جنبه {وحش رهيب المنظر وقد أمسك فى يده مطرقة، وفى اليد الأخرى سكين حاد النصل… مكشرا عن ابتسامة بغيضة} ويعلن السائق أن هذا الشيطان لم يكفه أن يسكن أمام بيته، بل يأتى معه فى الشاحة{بل يطاردنى فى كل سفر أقوم به}. فيتحول الكاتب إل الواقعية السحرية، خاصة أن السائق هو الوحيد الذى يرى هذا الوحش، وبينما يجلس بينه وبين الشيال، فلم يره الشيال، ولكن السائق فقط هو الذى يرى الوحش. وعلى الطريق، يسير الناس فى حياتهم العادية {بط يسبح فى الترعة الموازية للطريق، ليطفى نار أغسطس فى مياهها.، بقر لا يتوقف عن الأكل إلا ليأكل.. جاموس ربط إلى السواقى.. كلاب تشيعه بنباحها وفيهم المغتاظون من دخان العربة فيشيعونه بشتائمهم، ومنهم الجالس حزينا…}. فكأن الحياة تسير كما إعتادت أن تسير، وعندما عاد السائق ينظر أمامه.. وجد أن عربته تتجه فى إصرار صوب بقرة الفلاح تريد أن تفترسها.. لكنه يسارع ويضغط على الفرملة بعنف}، وكأن الله سلم هذه المرة.. فينظر السائق فلا يرى الوحش. {هرب الجبان.. عاد إلى قمقمه بعد أن سرق أعصاب رأسى}. ووسط السكن أمام السكة الحديد، يحلم السائق بالهدوء{ هل هذا كثير علىَّ؟ منزل هادئ فقط.. فى أى مكان.. ولو فى القمر..؟}. وتحدث الكارثة، فيصاب السائق، ويرى فيما يشه الحلم الطبيب والممرضة, ويسمع الطبيب يقول :- لقد حدث له ما كنت أخشاه}. ويعجب أن ما حوله الصمت التام والهدوء الشامل، وهو لا يرى الوحش أمامه فيسأل – هل فستوك وصل إلى القمر؟!.
فهنا على الرغم من أن المجموعة كتبت بعد مجموعة يوسف إدريس بما يزيد عن العشر سنوات، إلا أنه لم يتأثر بما أصر إدريس على إعتباره- هو شخصيا- (أبو القصة القصيرة). فلم تحتوى على الزمن الخارجى، فتحول الزمن إلى زمن داخلى كله، وجاءت الجملة الأخيرة مفارقة تبين عن فترة زمنية، سادها الصخب والإعلانات عن الإختراعات المزيفة. فكان أول من لم يسر على نهج إدريس. إضافة إلى قدرة القصة القصيرة أن تحمل ما تحمله الرواية من بلورة عهد كامل، دون إطناب أو تزود.
وجاء من بعده بهاء طاهر (1935 – 2022). والذى ولد قبل مجيد طوبيا، وتوفى بعده، ليقدم أولى مجموعاته القصصية “الخطوبة” -التى كتبت فى العام 1970 وخرجت المجموعة فى العام 1972. وليقدم قصته فيها “اللكمة”. حيث يلقى د صبرى حافظ هذه الكلمات الشارحة -فى اقتضاب- والمعبرة عن روح بهاء طاهر فى كل كتاباته { فى “الخطوبة” نرى عالما عاريا من الزوائد والإضافات. شديد الكثافة والاقتصاد، يبدو وكأـنه بالغ الحياد أو واقع على حدود اللامبالاة ولكنه مترع تحت هذا الرأى الحيادى بالعواطف والأشواق والصبوات الإنسانية البسيطة والمستعصية معا}. وهذا ما سنجده فى قصة “اللكمة”، التى وإن بدت لامبالية بذلك الحدث الذى كان، إلا أنها تحمل الضباب، وتحمل المسئولية عن هذا الذى حدث منذ فترة (أخرج بهاء طاهر مجموعته “الخطوبة فى العام 1972 أى بعد خمس سنوات من وقوع الواقعة). حيث تشير القصة إلى أن الأمور كانت تدور كدورتها كل يوم. فتبدأ القصة هكذا {حدث هذا قبيل الظهر. كنت جالسا إلى مكتبى أكتب مذكرة بحالتى الاجتماعية، كما أمرنى رئيس القلم عندما دخل رجل متوسط الطول، لم أره فى حياتى قبل ذلك، انحنى على مكتبى وأخذ يشتمنى بهدوء وبصوت رتيب. فتحت فمى لأنطق فلكمنى فى فكى بعنف ثم هوى بقبضته على رأسى. شاهدت نقطة من الدم تسقط على السطور التى أكتبها، وغامت عيناى على منظر هذه البقعة الحمراء وأطرافها تتشبع بالحبر الأسود}[1]. فسنلاحظ أن السارد كان يكتب فى مذكرة إجتماعية وأن حالته البائسة، أى أنه من عامة الشعب، وأنه لا يعرف هذا الذى دخل والسارد لا يعرف ولا سبق له أن رآه من قبل، فهو مجهول من قبله أو من أى من العاملين. وسال ضابط الوزارة عن حياتى فقال له -السارد -{ لم يصدق عندما أنكرت ,اراد أن يعرف عن حياتى الشخصية. قلت له إن عملى ليس متصلا بمصالح الجمهور، وإننى أعيش مع أمى الأرملة بمفردى، وليست بيننا خلافات مع صاحب البيت أو غيره، ولم يسبق لى أن تزوجت وطلقت}. وييأس الجميع فى العثور على سبب لإختيار السارد تحديدا، ونعلم أنه يداوم على شرب الخمر الرخيص كل ليلة، ليستدعى هذا الشعب المصرى التائه فى نشوة الخمر، عله ينسى أو يتناسى { فالخمر لم تخرجنى من حيرتى لكنها قذفت بى فى نوع جديد من الحيرة. طنين ودوار. وبدا الحائط ألأصفر الذى يواجهنى أشد اصفرارا}.
وفى المقهى، تتكشف الحقائق، حيث تتسع الدائرة لتشمل مصر كلها حين يصيح أحدهم، ويكشف ما وراء الكلمات { بل تتوهم.. تتوهم (صاح وهو يهتز من الإنفعال) نحن لا يحدث لنا شئ. نحن لانفعل شئ. لا شئ غير أننا هنا الليلة. هنا غدا. هنا أمس. نحن هنا، فى خمارة صغيرة، حيث سنموت. نحن هنا حيث متنا بالفعل.. بلا ضربات، بلا ثمن.. لا شئ أبدا}. فهنا تتكشف الحقائق التى تقول أن مجهولا هو من ضرب الإنسان العادى، وحيث تتسع الدائرة، لتشمل الوطن كله، الذى كان مخمورا، ويعيش الغيبوبة، جاءته نكسة يونيو لتفيقه، بها يقف على الحقيقة، ولنتذكر قول فتحى غانم حين يقول { أطبقت الكماشة على الصحافة والجامعة تحاصر الفكر والراى وكانت مذبحة للعقول، وثمنا باهظا تحمله المصريون وقبلوا التضحية به ورفعوا عبد الناصر إلى مرتبة الزعامة الحقيقية. وكان أملهم مرة أخرى أن يبدأ عهد جديد وأن يتراجع السيف ليبنى القلم [2]}ص25.
وقد كشف سعيد الكفراوى، لا عما حدث فى العام 1952 فقط وإنما شملت إبداعاته فى (القصة القصيرة- الفترة كلها. واشتهر سعيد الكفراوى (1939 – 2020)- الذى أخلص للقصة القصيرة، ولم يكتب غيرها، بالحزن الذى تولد فى أعماقه من الريف الذى له الإنطباع الأول فى كل أعماله، والذى تولد لمعيشته فيه، فلا نشعر مع الحزن أن شئيا مفتعلا، بل هى مشاعر حقيقية، يشعر القارئ بأنها منحوتة من صدور الناس الذين عاشوا هذا الحزن وهم صامتون، فكان فيها نبض الحياة. كما اشتهر باستدعاء من فى الريف، وخاصة الجدة التى تعرف بالحكايات، وهى التى طلبت منه ألا يخاف، فالخوف صفة النساء. وأنت رجل، فأثرت بالضرورة على إبداعه، الذى تحصص فيه، وهو القصة القصيرة.ورغم سكونه وهدوئه الذى استقاه من سكنه فى المقطم، فقد تعرض للإعتقال الذى ظل فيه نحو ستة شهور، لقصة كتبها. فحفرت فى نفسه تلك المرارة التى كانت موحية لأديب مصر العالمى نجيب محفوظ، فى روايته الأشهر “الكرنك”، حيث قال هو ذاته ذلك {وبعد الإفراج عنه فُوجِئ بالروائي الكبير نجيب محفوظ يقول له، قوم ياكفراوي، واحكي لي الحكاية من أولها:
يقول الكفراوي: نظر إليَّ ورأى في عينيّ حزناً وانكساراً، فقال لي: عملوا فيك إيه؟.. فكان ردّه: حكيت له من أول ما تمَّ القبض عليَّ، حتى خروجي من المُعتقل، حكيت له ما جرى للشباب، وللكُتَّاب أصحاب الرأي…؟
وما أن مرَّت ستة شهور حتى صدرت رواية «الكرنك»، وفي لقاء الجمعة المُعتاد، جاء محفوظ ووضع يده على كتفي، وقال لي يا كفراوي: أنت في الرواية إسماعيل الشيخ…!}[3]
وفى حوار للكفراوى، كتب صبرى الموجى، على لسان الكفراوى { عبد الناصر كان شريفا علي المستوي الإنساني، أحب الفقراء وضحّى بالكثير في سبيل الفكرة العربية، لكننا نظرنا إليه باعتباره البروفة الأولى للاستبداد المعاصر، الذي خرجت منه نسخ كثيرة استبدلت نفسها بالأمة}[4]. ويواصل النويشى حواره مع الكفراوى (والحكاية اعتقلت بعد رحيل عبد الناصر بأيام، أخذوني من المحلة الكبرى إلى معتقل القلعة العتيد، وعبر شهور ستة من السجن الانفرادي، أحسست بمعنى الظلم، واحتجاز إنسانية الإنسان، وأن المعتقل في كلّ أحواله تربص بالإنسان واحتجازه في مكان لممارسة الرعب عليه. مكان بلا قلب}. وقد عبر الكفراوى عن هذه التجربة فى قصته “الجمعة اليتيمة” من ذات المجموعة الأولى التى لم تصدر إلا فى العام 1985 [5]، والتى تروى كيف كانت المعاملة فى المعتقل. رابطا بينه وبين غياب الجد. يبدأ لكاتب مجموعتة ب {مقدر على أن آتى بالماضى، واثبته على صفحات هذه الحكايا.. هل هو الصوت الذى يأتى من الآماد البعيدة، عبر الحلم وكهف الذاكرة، أم طفولة ما مضى من أيام؟ } وكأنه يحدد منهجه فى المجموعة ككل، أى أنه يستحضر الماضى، ويعيده من جديد بإسلوب جديد. فهى حكايات صيغت، وسبق إعاشتها، فكانت حياته أن يعيد صياغتها، وينشئ فنا نعيش نحن به.
وتبدأ قصته “الجمعة اليتيمة”، والتى يستعيد فيها ما مضى من أيام، يوم أن كانت الجمعة اليتيمة أحد شعائر الحياة فى الريف، فهى الجمعة الأحيرة من شهر رمضان، والتى لا يأتى بعدها جمعة أخرى-فى رمضان- ويخيم الحزن الشفيف على الذاكرة، فيقول {تصطم موجات هواء الشتاء بالقباب الأيوبية.. هى إذن روائح الأزمنة القديمة.. حسن.. مد قدميك ولا تخش الليل}. وكأنه يستدعى تلك الأيام البعدة، حيث كانت القباب الأيوبية، هى روائح الزمن العتيق، فيمهد لنا الدخول إلى تلك الأيام التى كانت، دون أن يفصح عن مكنون القصة، لكنه يسترسل ليدخل بنا إلى ذلك العالم الغريب، والذى لم نتوقعه {هنا تسطيع أن تتذكر أيضا.. ذلك الحامل الحديدى النافذ فى الجدارالخلفى يبدو لى كمشنقة.. الحلم بالحبل المتدلى والجسد المتطوح بلا نسمة هواء.. مازالت أظافر القط أحس بها تخمش جلدى.. نزعت وحدقت فى الفراغ الضيق المحاصر بعينين مذعورتين}. فهنا ندخل إلى ذلك العالم، ثم يبدأ فى الدخول {عدت أحمل سكينا وضعتها على الطاولة المدقوقة فى الجدار وانتظرت مجئ الأحذية ذات الرقاب والبلاطى الواسعة الأكمام.. مواء القط فى كل بناء. وأظافره وردية فى لون الدم}. حيث يوضح أن هذه ليست حالة فردية، وإنما الجميع يشعر بها، فى تلك الأحذية ذات الرقاب الطويلة، والبلاطى الواسعة الأكمام، حيث يطير الخيال ويسأل: من الذى يلبس هذه الأحذية والبلاطى؟ ويهدينا الخيال، أنهم المخبرون. ولا ينى يتذكر الجدة. ويسألها- الطفل، لماذا سُميت بالجمعة اليتية؟ ولماذا ذهب الجد ولم يعد؟ ومتى يعود. لندخل فى صلب المسألة، حيث يبرز الرمز {قلت له : اننى كثيرا ما أخاف الليل. عندما تتحسس يدى صخر الجدران، أو عندما أسمع آخر يبكى من فرط شوقه لولده. وأننى لا أنام ليالى بطولها من مواء القط الذى يحاصرنى.. قال لى: أنه لا يعرف عن هذا الموضوع شيئا.. قلت له : القط بالأمس كان يهاجم قطة وكانت تطلق مواء شبقا لكن القط لم يستطع أن يفعل معها شيئا سوى نهش رقبتها.. قال يبدو أنك خرفت.. قلت: اغسل هدومى فى الشمس؟ قال سأبلغ المسئولين.. هاجمنى القط الكامن خلف النافذة.. كانت مخالبه تنفذ من خلال ثقوب السلك الصلبة ودرية ولكنها فى لون الدم.. سقط من فوق الحوض. بعد ذلك منعت من الخروج إلى دورة المياه}. ولنتأمل (ضخر الجدران، والبكاء والسلك الصلب) وكلها توحى بالصلابة والخشونة. وتتكشف الأمور أكثر عندما يدخل عليه ستة (أرجل) لا ستة أفراد أو ست رتب، ولكنها ستة أرجل. وعندما يدخل ستة من الرتب الأعلى، على فرد محبوس، لابد أن الرعب يشل حركته{ عندما فتحت عينى كانت ستة أقدام تحوطنى.. كانت الأحذية بلا رقبة.. لفت نظرى أنها لامعة ومن مقاس كبير.. كانت العيون الست تنظر لى من مكان عال قرب السقف
– عامل إيه يا 23؟
– كما ترى
– قم استعد.. مطلوب فوق}. وعندما يتم الإعلام عن أنه مطلوب (فوق) لأعلان النهاية قد قرب. وحينها. يتساءل السارد من جديد، او تأتى أسئلته للجدة { لماذا تلك الجمعة يتيمة يا جدتى.. وجدى لماذا لم تعثرى على قبره؟ والرجال الذين راحو لماذا لم يعودوا؟ }وتأتى النهاية، ويستبين الرمز {وأنا جالس أمام من لا ياتى إلا والخوف فى ركابه… أهرب من عينى الرجل. المخالب المشرعة تقبض عل جسد القط وتعلو به.. فيما كان، بفراغ الليل يتردد صوت كالعويل، كان القط فى ظلمة الآفاق يموء…. بفزع السقوط}.
فاستخدم الكاتب هنا القط، الذى من خوفه لم يستطع أن يفعل شيئا مع القطة، فكان مصيره القذف.. من فوق، كناية عن السارد، الذى عجزة عن إجابة للسؤال، وعجز أمام من هم أقوى منه وأقدر على قذفه من فوق.
وقد صاحب استخدام الرمز، استخدام الماضى، وأنه يحيل ما يحدث إلى أزمنة أخرى، وهو ما يبين مدى الرعب الذى يعيشه الإنسان فى هذه الفترة.. وحتى هذه لم تعفه من الاعتقال. فتحولت القصة كلها إلى الزمن الداخلى، بينما الزمن الخارجى، ظل فى حيز التذكر، الذى لم يستغرق سوى اللحظات القليل.
ولم يكن إبراهيم أصلان (مارس 1935 – يناير 2012) شاذا عن أبناء جيله. لم يتطرق إلى واقعة محددة، وإنما تحدث عن الفترة كلها، ويأتى ذلك فى أولى مجموعاته “بحيرة المساء” [6]. والتى ضمن من بين قصصها، قصة “رائحة المطر” المكتوبة فى 1965، أى قبل النكسة، والتى تشير إلى والضع العام فى تلك الفترة، حيث كان عبد الناصر لازال فى قمة هتاف الجمهور له.
فإذا كان المطر هو بداية الخير، حيث يساعد فى إخضرار الأرض، بالزراعة والخير،لأن صاحبنا / السارد لم يشر إلى ألمطر، وإنما إلى رائحة المطر{ فى طريقنا إلى المقهى كان المطر قد كف، ولكن رائحته كانت لاتزال باقية فى الهواء الذى ازدادت رطوبته}. والمعروف أن الرطوبة تزيد الاختناق. {وأمامنا فى الجانب الآخركانت بقايا المبنى الحكومى قد يتاقصت عن أمس} فاعتمد أصلان على وصف الأجواء التى تمنح الشعور بالاختناق، والهدد. { بالقرب منا0 كان شاب يجلس على الطوار ويعيطبنا ظهره، ومن حوله راحت طفلة صغيرة تلعب وتداعبه من حين لآخر، وكلما حاول أن يمسكها كانت تجرى فرحة وتختفى داخل محل السجائر الذى يقع على يسارنا}. فالأمر إلى هنا تسير سيرا عاديا، ولا شئ بُنبئ بشر.{قام الرجل النحيل واستعد لاستقبال رجل بدين مقبل على نفس الطوار. فتح ذراعية وتأمل عينيه. عاد وجلس فى مكانه دون أن تبدو عليه الرغبة فى الاحتضان.. هرول البدين مبتعدا وهو يتلفت وراءه. قال الحاج: لا.. المسألة فيها سر}. ولما كانت الأمور لم تتضح بعد فلنحتفظ بهذه اللقطة، إلى أن نتبينها. لكن الكاتب يحول المسألة إلى شئ عادى وكأن شيئا لم يحدث{ يا أيها الرجل الذى حج كثيرا، المسألة فى منتهى البساطة. واحد استبد به الشوق لبنى الإنسان ويريد أن يعبر عن ذلك تعبيرا لا شك فيه}. يضيف الكاتب إشارة أخرى إلى الجو، حيث يدخل الرجل ذو الطربوش المنحرف، بين ياقة الجلباب الذى يلبسه والياقة، لأنها تخنقه لكنه لايستطيع خلعها. و {اقتربت الطفلة من ظهر الشاب الذى كان لايزال جالسا فى مكانه. تعلقت برقبته، وحملها ووقف}. وهنا يحضر رجل يعرض ثلاث قطع من جلد الغزال ويعرضه للبيع. و {قطع الشاب النحيل الشارع قفزا وهو يحمل الطفلة، وأصبح واقفا على الطوار الآخر فى مواجهة بقايا المبنى الحكومة}. وأصبح الشاب النحيل والمبنى الحكومى الذى يتم هدمه، فى صف واحد. وهنا تخرج إمرأة من محل السجائر وتصرخ بأن المجنون سرق البنت. وفى المطاردة يصيح السارد {رأيت الرجل النحيل ينزل الطفة.؟ ورأيت الطفلة تمسك بساقه}. وهنال ا تتبين الأمور، فالرجل النحيل، والرجل السمين المجهول، كلاهما مجنون، واشتدت الريح، ونزل المطر حتى أصبح صوته مسموعا. وليصح البائع مناديا على الجلد. وكأنه يعلنها. أى أن هذا المجنون من جلد لا يشعر. ولتتضح الحقيقة كلها ” وكان المطرقد كف وصاحب الطربوش المنحرف تحت واجهة المقهى. وقف يجفف عينيه فى كم جلبابه المقلم، وعاد أحمد بالكتاب وقد ابتل والتصقت أوراقه. وبينما نحن نغادرهذا الطريق الجانبى، رحت أفكر بأنه لم يعد صالحا للقراءة} فقد بلغت حالة اليأس منتهاها. واصح الرمز هنا واضح، فالمجنون -خطف الطفىلة- هو المسئول الأول فى البلاد، وأن الطفلة ليست سوى مصر، وأن الرجال جميعا، سواء قبل 1952 أو بعده أصبحوا مجانين، وأن العقل أو المنطق لم يعد مفيدا. فقد إلتصقت أوراق الكتاب ولم يعد صالحا للقراء.
وإذا كان لنا أن نبحث عن الزمن الخارجى، فيمكن أن نتلمسه فى جلسة المقهى، وأما الزمن الداخلى فإن ما حدث خلالها هو الزمن الداخى. غير أن الكاتب أذابهما فى ظل الأحداث التى اعتمدت على الحوار بنسبة كبيرة، وكأن السارد يتحاور مع نفسه حول ما يحدث فى تلك الأيام من عام 1965. ولتتحول القصة كلها إل وصف لتلك الحالة، والدعوة إلى الإمساك بالمجانين، فى كل عصر، وكل مكان.
- الرجوع للتاريخ
حيث يعتبر هذا نوع من الهروب من الحاضر، إلى التاريخ، لعله يكون به العظة للحاضر. ويرجع ذلك إلا ان الغالبية من هذا الجيل كانت ناصرية، ومتحمسون لها، فكانت اللغة مهادنة، وكأنها فى حالة ذهول، ولا تصديق لما يحدث – نسبة كبيرة منهم دخلت المعتقلات- أو كأنها لا تريد أن تكشف عن خطئها. وقد عرف صنع الله إبراهيم الذى عُرف بثوريته، ورفضه لجائزة الرواية علنا. وهو الذى قال عنه يوسف إدريس فى مقدمته لأولى أعماله “تلك الرائحة” {إن” تلك الرائحة” ليست مجرد قصة، ولكنها ثورة، وأولها ثورة فنان على نفسه، وهى ليست نهاية، ولكنها بداية أصلية لموهبة أصلية}. فيأتى صنع الله إبراهيم ( 1937- 2025 م) والذى تم حبسه فى الفترة (1959 –1964 ) في الحملة التي شنَّها جمال عبد الناصر على اليسار المصري. لتأتى فى نفس الفترة التى كتب فيها قصته القصيرة (الثعبان) (1963). ليتحدث عن فترة كاملة، وإسلوب متبع فى تلك الفترة، حيث لم تكن نكسة يونيو قد وقعت بعد، وكأنها تشير إلى أنها لابد حادثة.
ففى قصة الثعبان، التى تتحدث عن رحلة طبيب يعمل فى السجون، ولا يملك من أمره شئ، ولا يستطيع حتى الكلام، فى سفرته إلى الواحات، لإيداع بعض المعتقلين هناك. يستحضر الماضى، ليلقى به على وجه الحاضر { وكان الطبيب قد قرأ فى مكان ما من قبل عن الصلبان التى أقامها الرومان فى إحدى الطرق المؤدية إلى روما منذ ألفى سنة.، وعلقت فوقها أجساد ستة آلاف عبد. وكان أولئك العبيد قد ثاروا وقاتلوا ثم هُزموا وظلت أجسادهم المصلوبة مصدر متعة ولذة لأحرار الرومان بعض الوقت، أما الصلبان فلم تشبع أبدا منذ ذلك الحين….. ولا يزال هناك من يستمتعون بمنظر الدماء والصلب، ولا يزال هناك أيضا العبيد الذين يثورون ويقاتلون ويُهزمون، مثل الرجال الذين جاؤوه بهم عندما كان طبيبا فى السجن، ووقفوا أمامه فى سكون وقد تدلت رؤوسهم وعروا صدورهم وظهورهم، فبدت جراحهم كأنما أنزلوا لتوهم من فوق الصلبان قبل أن تنهشهم الطيور الجارحة}. فالرحلة داخلية، أى داخل نفس الطبيب، يسترجع فيها ما يراه بأم عينيه. ومجرد أن يكتبها، فهو يعنى رفضها أو قبولها، ولكن المرارة التى يتحدث بها السارد، والعجز البادى فى لغته، يعنى أنه يرفضها، لكنه مكمم، ومحسوب عليه أنفاسه. فيستمر طوال القصة يتحدث إلى نفسه، وهى إشارة أيضا إلى مدى الرعب الذى يعيشه {فلم تكن الجبال إلا خطوطا بعيدة الأفق. ولم يكن هناك ما يوحى بأن جغرافية المكان ستتغير، فرحلة المجئ كانت بالليل الذى أخفى تفاصيل الطريق، ولم تتكشف حقيقته إلا عندما بدأ ينثنى ويدور صاعدا ويتلوى ويتموج منطلقا إلى الأمام الثعبان}.
{ وبدت له أشبه بصلبان أعدت ليعلق فوقها متمردون ثائرون. يعلق الواحد منهم من يديه، ويلصق ساعداه بالقضيب الأفقى، ويدق فى كل كف مسمار طويل. ويربط الجسد بالعمود بحبل متين كى لا يقع الثقل كله على اليدين، وتنزف الدماء من اليدين، ثم الأنف والفم، ثم تتصاعد رائحة نتنه تجذب الذباب والصقور.. وتتدلى الرأس عاجزة خائرة، العينان مغلقتان، ولكنهما تطرفان بين الحين والآخر… ولكن أحدا لن يعرف أبدا ماذا أراد صاحبهما أن يقول}. فأستخدام (الثعبن، والحبال والمشنقة) كلها أشياء توحى بالتعذيب. إلا ان القصة تحمل الأمل، الذى يرجوه الطبيب، وترجوه مصر كلها فى النهاية، وبعد أن يزول ذلك الكابوس. وفى النهاية، يبرز الأمل، برؤية المقابر.. مقابر أسيوط، وحيث اختفى الطريق الثعبانى( أى الخطر): {“جبانة أسيوط”. ارتسمت ابتسامة واهنة على شفتى الطبيب وفكر أنه لم ير مثل هذه المقابر من قبل، على كثرة ما زار من قرى ومدن……. وسار ثلاثة طلبة صغار السن فى نشاط على جانب الجسر.. وعبرت السيارة الجسر وتحولت إلى شارع عريض تظلله الأشجار.. لم تكن الرحلة قد انتهت، فما زال هناك بضعة كيلو مترات على المدينة، لكن الطريق الثعبانى كان قد أختفى.. فقد كان مدفونا فى رمال الصحراء. وبالمثل لم يتبين المقابر الغريبة فقد كات أشجار الكافور الضخمة العالية تحجب كل شئ خلفها وكانت أشجار الكافور الضخمة العالية تحجب كل شئ خلفها.. وكانت صفوف من هذه الأشجار قد شرعت تجرى مع السيارة وتسابقها}. وأن تأتى هذه الإشارات، فهى حافز على الثورة، وأن وراء الثورة يكمن الخير. فهى دعوة لترك الجمود والسكوت.
فرغم المرارة التى تتحدث بها القصة، فإنها تحمل الأمل، ولكن بعد أن يزول ذلك الرعب الذى يعيشه الإنسان المصرى، فالرجوع إلى الماضى، إنما يعد وسيلة للبوح بما لا يستطيع الإنسان المصرى أن يبوح به فى العلن. ويختفى فى القصة.
وإذا ما أردنا أن نحدد الزمن الخارجى، فسنجده فى مسافة الرحلة، أى أنها وقعت فى الوقت القصير، الذى يتناسب مع زمن القصة الإدريسية، ولذا كان إفتاحية المجموعة بقلم يوسف إدريس، بينما الزمن الداخلى، فيشمل ما مر به واصف الرحلة، من تاريخ، ومن جغرافية.
واختلف محمد مستجاب (23 يولية 1938- 26 يونيو 2005)، الذى لم يكن يعود للماضى كنوع من الهروب، حتى أنه أطلق على مجموعته الأولى “ديروط الشريف” وكأنه يسوقها إلى الضياء والنور، وبحسه الساخر، راح يسترجع أهله الذين تركهم فى منشأه “ديروط الشريف”، التابعة لمحافظة أسيوط، حيث كان يريد أن يكرمهم، وأن يحارب ما كانوا يعتقدونه من عادات أصبحت غير مقبولة، بينما لعب إسلوبه الساخر فى السخرية منهم. وعلى الرغم من معاصرته ليوسف إدريس، إلا أن إنتماؤه إلى يحيى حقى كان أقوى، حيث مثلت القصة القصيرة عنده، تمثلا لحياة كاملة، بل يمكن أن تتخطاها، لكنها تصبح قصة قصيرة بالمعنى الأولى لها، وهى قصة تُقرأ فى وقت قصير. متشبعا بتشربه للغة العربية (رغم أنه لم يكمل تعليمه الذى اكتفى فيه بالثانوية العامة) من عمله بمجمع اللغة العربية.
كما لم يكن لميلاده فى 23 يولية، كل ذلك التاُثيرمثلما حدث لخيرى عبد الجواد، بقدر ما كان عمله فى بناء السد العالى، حيث نجد الكثير من تلك الإشارات، والأحاديث حول هذه الفترة. حتى أن أولى قصص مجموعته الأولى والتى صدرت عام 1986، كانت بعنوان “هولاكو”[7] – والتى نُشرت فى العام 1970-، والتى يستعرض فيها أن جده كان مسافرا إلى الحج، ولم يستطع الوصل، أو الاهتداء إلى الطريق، فندر ندرا أن يقيم مسجدا يتحكى به أهل القرية، وبعد عودته تخير المكان، وبدأ فى البناء، وبعد الارتفاع بالحائط مترا واحدا، توفى الجد فلم تلبث {السحالى والمياه الصفراء وأعشاش الزنابير أن تكتلت وصنعت للمبنى صوتا موشوشا خافتا يثير الخوف فى بعض ضعاف النفوس}. ثم جاء العم ورأى أن البلد تحتاج إلى مدرسة، وبدأ فى الإعداد والبناء. ثم يظهر فجأة من أتى من الخارج، وعرض الوضوع الموضوع على مجموعة من الفرنسيين، حيث كان من بينهم “مريانا” الفرنسية، والتى رأت أن يتم تحويل المكان إلى استراحة للقادمين أو الذاهبين على طريق الصعيد إلى طريق الأقصر، { وكانت ل”مريانا” رغبىة فى أن تحضر أختها التى ترقص فى الملاهى الرخيصة لتشيع الدفء فى المكان، وكان الكلام منطقيا.. و مريحا}. فهنا نشعر بالسخرية من الفرنسيين الذى يحولون، دور العبادة والدراسة إلى ملهى ليليى، وأن المصرين – السذج- بفرحون لذلك، وهو ما يشير إلى حاجة هذه المنطقة من الأرض المصرية إلى المتعة والفرجة.
وإذا كان مستجاب لم يتعرض للهجوم على يوليو ورجالها، فإنه مسهم مسا -غير مباشر- فى قصته “كوبرى البغيلى” – والتى نُشرت فى العام 1975 والتى طالت فى المساحة الكتابية أكثر من غيرها- حين انحصر اهتمام ضابط الشرطة، فى البحث عن سلاح الجريمة فى قضية قتل، تلك التى كانت أبرز قضايا الصعيد، وهو الساطور، ولم يلق إهتماما بعديد قضايا القتل السابقة، والتى يشعر معها القارئـى ان البلد كلها تحولت إلى قضايا قتل، لكن الضابط – الذى نال طوق الشرف-، لم يلق بالا لكل ذلك، ولم يهتم إلا بالحصول على سلاح الجريمة فى قضية واحد، تحت كوبر البغيلى، الذى أصبح مستودع قضايا القتل الكثيرة، حتى لو تم دهس حقول القمح{علينا الآن أن نتوخى الحذر فى المسألة، فلم يعد يهمنا أن نحب الضابط أو نكرهه أو نراعى مشاهد القبور التى تهشمت أسفل الناس،أو نحافظ على سيقان قمح الرجل الذى يصرخ : يا خرابنا، فألف واحد آخر كان يصرخ عن الخراب أيضا، ومالت أغصان أشجار الجميز وأسقط نفرا فى الترعة ولم يعد الغطاس يجاهد وحده ليخرج المستور من تحت الكوبرى، شاركه فى الأمر كل ذوى الخبرة فى القفز والعوم والغطس، وكل لحظة تمرتسحب خلفها الناس من القرى والهياكل من بطن الترعة، الصراخ من الأفواه والاقتراحات من الذين يعلمون، وتقدمت امرأة إلى الضابط طالبة منه أن يأمر فيبحث لها عن بنتها وزوج أختها، وتقدم طاعن فى السن طالبا البحث عن أطفاله الخمسة.. واتلمت الجماهير برجال الشرطة بحقول القمح بمشاهد القبور} فهنا نستطيع أن نرى، ونقرأ عن اهتمام الشرطة فى ذلك الوقت، مهملة الموضوع الرئيسى الذى يؤرق البلدة فى الصعيد. وهو ما حصل الضابط بسببه على نوط الشجاعة.
فقد تحولت القصة كلها هنا إلى الزمن الداخى، المكتفى بعرض واحدة من القضايا الكثيرة فى الصعيد، بينما ظل الزمن الخارجى هو الحالة التى عليها الصعيد، وكأن مستجاب هنا يلفت النظر إلى الاهتمام بالقضايا نفسها، أو الموضوع نفسه، وعدم الاكتفاء بالهامش. فكان خروجا عن (الزمن) اللحظى الذى ركز عليها إدريس.
ويعتبر جمال الغيطانى {9 مايو 1945 – 18 أكتوبر 2015). مختلفا عن كل تلك الأسماء التى تخيرناها، حيث أنهم جميعا ولدوا فى ثلاثينيات القرن العشرين، بينما ولد هو فى أربعينياته. إلى جانب أنه أخرج أولى مجموعاته “أوراق شاب عاش منذ ألف عام”التى وضعها فى بداية مجموعته الحاملة لذات العنوان عام 1980 متضمة إساوبه الذى سار عليه -فى أغلب أعماله التالية- أن ينهل من قراءته التاريخية، ويحولها إلى أعمال إبداعية، فكانت كتابته مستخرجة من الكتب، اكثر من الحياة. وأتبعها ب : حكايات الغريب، 1983. التى استوحى كتابتها من عمله مراسل حربى فى حرب 1973، ثم أسرار ثورة ١٩١٩، كتاب اليوم، القاهرة، 1991. ثم ملامح القاهرة في 1000 سنة، دار الهلال، القاهرة 1983
وواضح أن بداياته كلها كانت مستمدة من الكتب، أو تجنب الحديث عن الوقت الراهن.
فقد كتب فى مطلع القصة “أوراق شاب عاش منذ ألف عام” {عثر علماؤنا على هذه الأوراق أثناء عمليات تنقيب فى المنطقة الواقعة شمال مصنع المرئيات رقم ستين، حيث قامت منذ ألف عام…… إننا لا نعرف تفصيلات كثيرة عن كاتب هذه الأوراق، ولكننا لا نملك إلا الإحساس بالإحترام تحاه أحد الكافحين الأوائل المجهولين لنا والذين مهدوا لحياتنا هذه }. ورغم إنتماء الغيطانى للإتجاه اليسارى، إلا انه اعتقل فى عام 1966 واستمر فى المعتقل لمدة ستة أشهر. لكنه لم يُشر إلى ذلك فى كتاباته، الأمر الذى يشير إلى أن هروب الغيطانى إلى الماضى، كان تلافيا للإشتباك مع الحاضر- حينها-. حتى وإن كان الحديث يدور حول نكسة 1967. مثلما فى هذه القصة {وعندما عدت إلى الطريق تذكرت بلدتى والطريق إليها، خفق قلبى،لم أع من قبل معنى وجود الكلاب فوق أرض بلادى، شئ لزج حقير أهان رجولتى، رجال أجلاف اقنحموا بيتى وأغتصبوا أختى أمام عينى، اسمعها تتاوه ولا أتحرك، تغوص أسنانى فى الأرض الصلبة، لكن بلا فائدة}.فهكذا كانت الإشارة إلى ما حدث فى يونيو 67. وما أشارت إليه المقدمة بأن إسرائيل لم تكن إلى دويلة. وانحصر الحديث إلى مشاعر ذاتية، لم تكن بحاجة إلى ذلك الشاب الذى عاش منذ ألف عام. أى أن الحديث عن 67 لم يكن إلا بالتخفى، ولكن القصة تشير إلى بند ثالث فى خصائص الكتابة عند الستينين، وتأثرهم بما حدث فى يونيو.. وهو.. تداعى المعانى. حيث هنا نجد الإشارة إلى ذلك الشباب الذى عاش منذ ألف سنة، ونجد الإشارة إلى مذكراته، ومن خطبة استسقاء ومن القرآن الكريم، ومن شكوى الإله رع إلى ايزيس. وكلها متداخلة، حتى تدعو القارئ للتركيز والتأمل. كما أنها جزء أصيل من كتاب الستينيات.
إلا انها تظل فى إطار القصة القصيرة، حيث التشتت، والضياع، والتركيز الذي يجمع كل تلك الأبعاد فى وقت قصير، لم نستطع أن نحدده، إلا فى قراءة المذكرة، او المقدمة التى بدأ بها الكاتب قصته. إلا أنها تحيل الحاضر إلى الماضى.
– الشاعرية والتداعى
حين يشعر الإنسان بالحزن، أو يتألم، أى حين يكون الإنسان أقرب إلى ذاته، ويتقوقع بداخلها، تخرج الكلمات منه وكأنها شعر. ويجب هنا التأكيد عل أن المقصود بالشعر هنا ليس الكلمات الموزونة، وإنما الأحاسيس، والأيحاءات التى توسع وتجسد الأحاسيس، فخرجت كلماته – يحيى الطاهر- قصيرة، مشحونة باللوعة والسوداوية و الألم. وقد لا نجد من يحمل هذه المشاعر أكثر من يحيى الطاهر عبد الله
( 1938 – 1981) والذى أخرج أولى مجموعاته القصصية “ثلاث شجرات كبيرة تُثمر برتقالا”[8]، والتى تعتبر اكبر مثال على ذلك، ولذا كان يقرأ قصصه من الذاكرة- دون الرجوع إلى الأوراق، وما جعلها بالفعل أقرب إلى الشعر، أو إلى الشاعر الذى يتجول ويروى حكاياته على الجمهور، مما تفيض عليه به قريحته، ورغم حلوسه بين الآخرين كتابا وشعراء وجمهور عادى، إلا أنه كان دائم الشعور بالوحد، والقلق {أنا لا أبذل جهدا في الكتابة لأنني أدوّن ما أقوله في جلساتي وتعاملاتي}.
كما عُرف عن القاص يحيى الطاهر، ارتباطه بالمكان، فكان يرى أنه يعيش الأقصر أينما حل، وحتى وهو فى المدينة، كان يبحث عنها. حيث قال عنه د حسين حمودة، وهو-يحيى الطاهر- الذى تخصص فى القصة القصيرة، بينما جاءت رواياته قصيرة إلى حد كبير، ويبدو ذلك فى محاولة الكاتب {تعد امتداد التجارب التى ظهرت لدى رواد الكتابة القصصية والروائية فى مصر، منذ العقد الثانى من هذا القرن(تجارب طاهر لاشين ويحيى حقى بوجه خاص)، كما تعد استكمالا لتجارب ظهرت فى فترة الستينيات والسبعينيات نفسها، وهى الفترة التى كتب فيها الكاتب أعماله. إلا ان محاولته هذه، التى تحققت فى معظم أعماله تقدم لإضافات واضحة للتجارب السابقة عليها والمعاصرة لها على السواء} [9]. الأمر الذى يوحى بأن يحيى الطاهر عبد الله، كان له إسلوبه، شاربا من بحرين مختلفين، أولهما الريف، الذى يمثله الأقصر، والثانية هى القاهرة التى أتى وعاش فيها الباقى من عمره. حيث جمعت هذه المجموعة بين قصص كتبت فى الأولى، وقصص كتبت فى الثانية حتى أنه افتتح أولى مجموعاته بهذا الاستدلال الذى يشير إلى ذلك { للمقبل… للربة العذراء مع الخالدين فوق قمم الأوليمب المسنونة. لأبى الشيخ بالكرنك القديم. لخليل كلفت بمسرح الجيب بالقاهرة} حيث نجد الإشارات التاريخية التى مر بها الكاتب، والتى تبدأ من الأعلى، من السماء، ثم تنزل إلى الى{ حيث كان أبوه فى الكرنك (القديم). ثم يصل إلى القاهرة حيث خليل كلفت.وكأنه يحدد مسار حياته منذ البداية، وكيف سارت.. وإذا إخترنا المجموعة الأولى، بإعتبار أنها الحاضنة، والمكونة للمشاعر والأحاسيس، التى قربت نثره للشعر، وتخبرنا قصة “الكابوس الأسود” من العنوان سنجد أنها تجمع بين الداخل والخارج، داخل الشخصية / السارد، وبين خارجه، وهو ما يسمى التداعى، حيث نستحضر الأمثال الشعبية التى تقال فى مثل هذا الموقف، والتى تُجمع كلها – تقريبا- إلى أن البطيخة، قد تكون حمراء، او غير ذلك، خاصة أن العريس لم يكن يرى عروسه إلا فى ليلة الدخلة، رغم أنها كانت ابنة عمه. ومن الممكن أن ننظر إليها على أنها الفارق بين الريف الذى يوصف بأنه الظلام والخرافات،، والمدينة التى تأتى عكس ذلك، وهى النظرة اليسارية التى كان يؤمن بها يحيى. ومن هنا أيضا ما يقودنا إلى إنسان فترة الستينيات، الذى يجمل القلق والخوف بداخله، غير أنه أمام الآخرين، كان غير ذلك، ليُظهر أنه فى حالة وفاق، حيث كان اليساريون فى تلك السنوات يشعرون بما يقلق، خاصة أن كثيرا من اليساريين تم إعتقالهم، ومنهم الكاتب نفسه، وما يستشعرونه من خطر قادم.، وكان يمكن أن يحدد ذلك وضع تاريخ الكتابة أسفل كل قصة، ولكن أمام الوضع الحالى ليس أمامنا سوى إعتبار فترة الستينيات كلها، فترة إنقسام فى الشخصية المصرية، خاصة تلك التى كانت تظن أنها هى الأعلى، وهم اليساريون. ومن هنا نجد أنها تحمل أول عناصر الشعر فى العنوان “الكابوس الأسود” والذى يوحى بالكآبة، وبين الحدث فى القصة نفسها، وهى عملية زواجه من ابنة عمه، حيث نشعر أننا أمام لوحة سيريالية، حيث تبدو التفاصيل وكأنها متاهة، إلا أن رؤية اللوحة -على بعضها- يمكن أن تعطينا إحساسا عاما، وهو هنا، الكآبة والترقب.. فنرى القصة تبدأ بالتوهان، وعدم الراحة{تخطى الشريط الحديدى – متدحرجا من المسقف الحجرى- إلى بؤبؤ الساحة الخراب}فالكلما ت هنا كلها توحى بالتصحر، وتوحى بالفقد والانحدار نحو الأسنان المدببة والحادة. ثم تستمر القصة فى وصف المكان، وما فيه من شخصيات هامشية {حضرته تلك الجملة (الأحمق والجاهل كلاهما يفتح جفنيه حيث أسقط العماء الضرورة)}. فنستشعر، وكان الكاتب يخرج دخيلة نفسه وإحساسه بالعماء، وهو الأحساس العام لدى المثقفين فى تلك السنوات. إلى أن نصل إلى بداية الحدث، حيث هو ذاهب إلى (العزبة) للإتيان بالعروس { بين ذراعى ضباب هامد كانت ترقد بيوت العزبة: كتلة. فاحمة صماء… هناك.. أمام وخلف وفوق القنطرة الخشبية – لكل من تخطى الشريط الحديدى مرشدين إلى العزبة}، حيث تبدو العزبة مجهولة أو منسية، فضلا عن المتاح لها من أطعة { سجق وكبد وكلاوى وفجل وبلح أمهات} فى حين تبدو المدينة ك{ طائر الرخ الأسطورى راقدا فوق بيضته ذات الحجم الخرافى كأكبر ما تكون مدن العصر، تتكسر عليها حراب عتاة الرماة}.
ونشعر بالموسيقى الشعرية فى تلك الكلمات، التى يصف بها الكاتب الريف {أنهار جارية بدم النفاس والولادة وليالى الطهور والزفاف.. تشق الدروب الغارقة فى العتمة ومواء القطط ونبح الكلاب وعواء الذئاب وهديل الحمام والآه والآى ونقيق الضفدع ونعيق البوم} الأمر الذى يُقرب المستمع إلى ما يسمع من فم شاعر الربابة.
بينما ينحسر الحدث فى فرح إبنة العم،، وطقوس الأفراح فى الصعيد، والتى تبدو كنقاط متوزعة وسط الأوصاف والمشاعر التى تحتشد بها القصة، فى عيش داخلى يتزوج فيها العريس بشجرة الصفصاف السوداء، المحاطة بالماء العطن حيث إلتفت حول {جسده الأفعى العملاقة ملكة ملكات مملكة الجان وظلت تنهشه}. بينما عروسه (الحقيقية) { يمكنه أن يغمض عينيه ويراها تحت لمبة الغاز،، جالسة تنفخ نار الكانون}. حيث تغيب العروس (الحقيقية) ولكنه يمكن أن يراها حين يُغمض عينيه.
ويلاحظ أن القصة قد تحولت إلى المشاعر، والأحاسيس، وإلى لوحة سريالية، تؤخد على بعضها، دون أن يكون فيها زمن خارجىـ حيث يتحول الزمن الخارجى والداخى إلى زمن واحد.. هو زمن وصول المشاعر للمستمعين.
- – السريالية، والثورة على الواقع
لم يكن فى حياة محمد حافظ رجب، ما يخاف عليه، فهو لم يستفد من الفترة الحالية (فترة الستينيات) شيئا، حيث خرج من التعليم بعد الإبتدائية، وعمل بائع جوال فى الأسكندرية، لذا فقد كفر بكل شئ،، ومن هنا خرجت مقولته الشهيرة، التى قلبت عليه الكثير من المعارضات والاحجاجات ” نحن جيل بلا أساتذة”، كما قال فى أحد حواراته عن تلك الفترة، بعد أن عاد من القاهرة إلى السكندرية {لقد كنت مضغوطا وضائعا في غابات القاهرة , وكنت أري وأسمع لعق الذئاب لدماء الإنسان في مصر. ثم يختم شهادته بقوله : ” من هنا خرجت كلماتي في وجه البوم والخفافيش. لم يكن في هذا الوقت بالإمكان سوي التلميح بالإشارات والرمز}. فعاش الحياة برؤيته هو، والتى رآها مصبوغة بالسريالية، والتشتت، وعدم الاستقرار. فكان أهم ما ميز كتابته، هى السريالية، والا معقول، من وجهة نظر القارئ، بينما كانت من وجهة نظره هو، هو المعقول.، لذا كانت كتابته، مستمدة مما يوجد على الأرض للتعبير عما يراه، ولذلا عبر عن مقولته الشهيرة “نحن جيل بلا أساتذة” فى قصة “جولة ميم المملة”، وكأنه يعبر عن جولته هو.. حيث الميم تشير إلى اسمه الأول، والمملة،هى الرتباة التى يرفضها أى مبدع، حيث صرخ فى أبيه {اصمت.. يجب أن أذبحك لأتحرر.. وليتيتم الأولاد.. لا يهم. حريتي : الهدف.خروجي من العادة. إن عطست أقل لك : “يرحمكم الله ” والمنديل في يدي}. فإذا كان الأب يمثل السلطة الأولى فى تقييد الحرية، فهود يود أن يتخلص من هذا القيد، كى ينول الحرية.، وهى مسعى كل إنسان، وخاصة المبدع، وإن كانت هذه الجملة القصيرة تشير إلى ما جناه والده عليه، فهو يريد أن يتخلص من تلك الجناية. أى انه يستمد من الحياة المعاشة، ما يصنع به فنا، تتحدث عنه الأجيال، حتى يومنا هذا، حيث كان فى طليعة من كتبوا عن السريالية، وتقطيع الجمل- وما رآء بعده من الأسكندرية أيضا محمود عوض عبد العال… ولكن فى الرواية فقط -. الأمر الذى معه يمكن القول بأن العامل الشخصى والعامل المجتمعى تضافرا معا لينتجا هذه اللغة، وهذا التشكيل.
وقد يبدو ذلك واضحا فى مجموعته ” رقصات مرحة لبغال البلدية” وهى فى حد ذاتها تمثل المجموعة وتمثل القصة التى نُشرت فى العام 1999. حيث تبدأ القصة فى بيان ذلك التفسخ النفسى – والحياتى معا-. فتبدأ القصة هكذا : {هو رجل تصدع كل شئ حوله.. هو الآخر تصدع. يلازم طاقته المفتوحة.. منذ سنوات لا يعرف عددها _آناء الليل والنهار.. بلا نوم بلا طعام.. يسند جداره الموشك على السقوط.. داخل جدران الطاقة.. كى لا تتبعثر أحجاره.. صار بعضا منه.. يتأمل ما يدور حوله فى غيبوبة الحجر…. ظل جزءا من الجدار الموشك على الانهيار}. فهنا نستطيع أن نلمح التزاوج بين الهم الشخصى والهم العام، فضلا عن التشتت الذى نتج -أيضا- من الحالتين، الشخصية والاجتماعية، والبادى فى دحول الجدة، وكأنه يبدأ المآساة من زمن طويل حيث تقول الجدة {حسب المقام.. حسب الفلوس.. يحصل قيام.. يحصل جلوس} حيث تبين الجدة – رمز الحكمة، ورمز الزمن- أن الفلوس هى التى تمكن الإنسان من القيام أو الجلوس. ثم يشير إلى “الحاج أمين” الذى يقول عنه { صلعته مضيئة. جاذبة أسراب الذباب والناموس إليها.. خروفان مستكينان بجواره.. هو ثالثهما.. صندوق البرسيم بينهم.. كان حوذيا لعربة قمامة.ز يجها بغل البلدية.. دقق النظر فيه تمطى الحاج بجلبابه.. تدحرجت بعض الحجارة من هيكله.. أسرع يفك البغل عن العربة: تفضل يا سيدى بغل البلدية المحترم}. وهنا تنشأت المافرقة، بين حال “الحاج آمين” وما آل إليه حاله بعد الخروج إلى المعاش، وبين بغل البلدبة (المحترم). ثم تعود الجدة للظهور من جديد، لتلقى رؤية بعيدة – فى الظاهر- لكنها تأتى فى الصميم، ولتقول {هننونى.. وبننونى.. وعرفونى طريق اللى ولدونى}. ولتستخرج أعماق السارد، للبحث عمن أوجده فى هذه الحياة، ولنستعيد قولته المشهورة : “نحن جيل بلا أساتذة”. وكأنه ينفى وجود من سبقوه، لا فى الحياة العامة، وإنما فى المحيط الوجودى، فلو عرف من (خلفوه) للإنقض عليه لعنا، وضربا. وتتسع الدائرة لتشمل الوطن كله، الذى تصيبه لعناته، حيث تتضح اللغة السيرالية، ولتداخل فى الجمل، والذى يعطى فى النهاية حالة التشتت التى أصابت السارد{فارت مياه الترعة.. انسكبت على الجانبين ورائحة شواء تتصاعد منه.. بكت الجدة هى الأخرى. مات (أحمد البكار) مناضل 56.. أمسك به الملعون.. افرجوا على جثمانه لما عرفوا النهاية قريبة.. انتهى النضال.. كما بدأ غريبا.. انتهى غريبا.. منشورات الحزب تختفى فى حجرة الجدة.. تدثرها بغطاء ثقيل فى الصباح يحملها إلى بائع خبز زقاق (عينو) : الاتحاد القومى صنيع البرجوازية المصرية}. حيث نتبين أن المقاومة انتهت، وغطتها الجدة بغطاء ثقيل، وأن الشعور بالاتحاد القومى، ليس إلا صنيعة البرجوازية المصرية. فقد اتسعت الدائرة أكثر حيث مرت من الهم الشخصى، إلى هم البيئة المحلية، إلى هم الوطن كله. ثم ننتقل لمشهد آخر، يضاف إلى عديد المشاهد التى تكون اللوحة السريالية {ها هى (نعيمة) تظهر عارية عند سور غربال العظيم. فى أثرها موكب من النساء العاريات يقهقهن بشدة.. اليوم.. يوم العاريات.. كل شئ خلع قناعه وبان.. تقترب (نعيمة) من (الحاج أمين).. تمسح عنق بغل البلدية.. ينهق فى غبطة.. منتشيا من مسحها الناعم على مساره.. يهمس فى أذنها- أعيدى.. أعيدى يا نعيمة.. كررى اللعبة.. المسح فوق العنق غبطة}. فهنا تبين الفروق، فالنساء العاريات.. هن من يستطعن التقرب من الحكومة، والحكومة سعيدة بذلك/ بل وترحب به.، بينما هو تحول إلى طوبة فى جدار ينهد. ويأتى مشهد آخر، مما ساعد فى هدم الجدار {إلى دكان (الحاج أمين) الهدف.. اشترى الأصلع القصير الحرك.. فاتن النساء مدبر المؤامرات.. فتى القعدات فى المقعد.. مخزنجى زخارى أيام زمان اشترى علبة سجائر وعاد إلى شقته.. دون أن ينظر إلى الرابض فوقه يراقبه هو الآخر سام فى هز الجدار الهرم } فمن يلعب على كل الوجوه، يكون له نصيب الأسد فى تورة الحكومة. وتتسع الدائرة، اكثر، لتشمل العالم كله، والمنادة بالحرية {هل يمكنه أن يثور الآن.. مثل زمان.. عندما كان.. هو الآن جزء من جدار هرم دق مجنون فوق السقف.. أحفاد الرجال والنساء الغجر يلعبون الكرة. (غربال) هائجة.. عبده يرابط فى الحجرة المجاورة.. ماذا يريد منها.. يضاجعها بنظراته.. هى جالسة بين لحم أهلها فى الجحر المكنون: المرأة زينب تشتعل فوزية ابنتها تشتعل.. عيده تشتعل.. النار فى الموقد تشتعل..كان من الممكن أن أذبح بعضهم.. ليتنى فعلت.. قبل أن أصير.. فات الأوان الآن..
“محاكمة سريعة لسرحان بشارة قاتل كنيدى”.
“التهديد بنسف سرحان فى سجنه”
“سلطات الأمن وضعت 6 حراس مع سرحان فى زنزانته”.
“انتشرت الدوريات المسلحة حول السجن وفى داخله وممراته”.
أضرب.. أضرب يا سرحان.. لا تخف أضرب فى الغانية اللعوب أمريكا تصير جثة متفحمة..
صاحت الجدة حسب المقام.. حسب الفلوس.. يحصل قيام.. يحصل جلوس}. حيث يتحول سرحان إلى رمز للحرية التى تكبتها إمريكا. وفى النهاية {فى الثالثة صباحاً.. استيقظت (الجدة) بغتة من سباتها العميق.. شدها شئ غامض كل الغموض.. قبض على قلبها : عصره بقوة حتى نزف دماً خرجت للرجل المتصدع.. وجدته داخل الجدار شاحباً.. اقتربت منه.. لم يتحرك.. حملقت فى وجهه وجدته قطعة حجر باردة هزته.. ترنح.. هزته مرة ثانية.. ترنح.. فجأة سقط.. تهاوى فوق الجدار.. غطاه.. صرخت الجدة }. فقد تحولت القصة إلى لوحة سريالية، متقطعة الأنفاس، لتعبر عن الحالة النفسية، والحالة المجتمعية، فى تلك السنوات، وتحول كل ما جرى وكأنه استعراض للأجواء فى تلك الفترة، دون أن يكون هناك زمن خارجى- واضح-. ولكن يبقى أن نحدد ماذا بها من القصة القصيرة؟ لتكون الإجابة، انها بها وحدة الموضوع، أو الحدث، وهو الحالة المجتمعية والنفسية. خاصة وأن القصة القصيرة أقرب الأنواع الأدبية إلى الشعر. وقد كان بها من الشعر، الإيحاءات والمسكوت عنه. وهو ما يقودنا إلى أن بها من القصة القصيرة، التعبير عن الذات الداخلية، أو البوح الأدبى، حتى وإن تاه فيها الزمان والمكان، وتركه للقارئ يرى فيه من يعيشه. كما كان التركيز غير الممل، والموحى الذى يتسع بالقصة من القصة القصيرة، لتصبح أقرب إلى روح الرواية فى ثوب القصة القصيرة، ولذا فقط جعل الكاتب هذه القصة وحدها فى مجموعة مستقلة.
استدعاء الماضى
ويعتبر جمال الغيطانى {9 مايو 1945 – 18 أكتوبر 2015). مختلفا عن كل تلك الأسماء التى تخيرناها، حيث أنهم جميعا ولدوا فى ثلاثينيات القرن العشرين، بينما ولدة هو فى أربعينياته. إلى جانب أنه أخرج أولى مجموعاته “أوراق شاب عاش منذ ألف عام”التى وضعها فى بداية مجموعته الحاملة لذات العنوان عام 1980
متضمة إساوبه الذى سار عليه -فى أغلب أعماله التالية- أن ينهل من قراءته التاريخية، ويحولها إلى أعمال إبداعية، فكانت كتابته مستخرجة من الكتب، اكثر من الحياة. وأبعها ب : حكايات الغريب، 1983. التى استوحى كتابتها من عمله مراسل حربى فى حرب 1973، ثم أسرار ثورة ١٩١٩، كتاب اليوم، القاهرة، 1991. ثم ملامح القاهرة في 1000 سنة، دار الهلال، القاهرة 1983
وواضح أن بداياته كلها كانت مستمدة من الكتب.
فقد كتب فى مطلع القصة – يوميات شاب عاش منذ ألف عام- {عثر علماؤنا على هذه الأوراق أثناء عمليات تنقيب فى المنطقة الواقعة شمال مصنع المرئيات رقم ستين، حيث قامت منذ ألف عام…… إننا لا نعرف تفصيلات كثيرة عن كاتب هذه الأوراق، ولكننا لا نملك إلا افحساس بالإحترام أحد الكافحينالأوائل المجهولين لنا والذين مهدوا لحياتنا هذه }. ورغم إنتماء الغيطانى للإتجاه اليسارى، إلا انه اعتقل فى عام 1966 واستمر فى المعتقل لمدة ستة أشهر. لكنه لم يُشر غلى ذلك فى كتاباته، الأمر الذى يشير إلى أن هروب الغيطانى إلى الماضى، كان تلافيا لإشتباك مع الحاضر- حينها-. حتى وإن كان الحديث يدور حول نكسة 1967. مثلما فى هذه القصة {وعندما عدت إلى الطريقتذكرت بلدتى والطريق إليها، خفق قلبى،لم أع من قبل معنى وجود الكلاب فوق أرض بلادى، شئ لزج حقير أهان رجولتى، رجال أجلاف اقنحموا بيتى وأغتصبوا أختى أمام عينى، اسمعها تتاوه ولا أتحرك، تغوص أسنانى فى الأرض الصلبة، لكن بلا فائدة}.فهكذا كانت الإشارة إلى ما حدث فى يونيو 67. وما أشارت إليه المقدمة بأن إسرائيل لم تكن إلى دويلة. وانحصر الحديث إلى مشاعر ذاتية، لم تكن بحاجة إلى ذلك الشاب الذى عاش منذ ألف عام. أى أن الحديث عن 67 لم يكن إلى بالتخفى، ولكن القصة تشير إلى بند ثالث فى خصائص الكتابة عند الستينين، وتأثرهم بما حدث فى يونيو.. وهو.. تداعى المعانى. حيث هنا نج غلإشارة إلى ذلك الشبا الذى عاشمنذ ألف سنة، ونجد الإشارة إلى مذكراته، ومن خطبة استسقاء ومن القرآن الكريم، ومن شكوى الإله رع إلى ايزيس. وكلها متداخلة، حتى تدعو القارئ للتركيز والتأمل.
إلا انها تظل فى إطار القصة القصيرة، حيث التشتت، والضياع، والتركيز الذي يجمع كل تلك الأبعاد فى وقت قصير، لم نستطع أن نحدده، إلا فى قراءة المذكرة، او المقدمة التى بدأ بها الكاتب قصته. إلا أنها تحيل الحاضر إلى الماضى.
ومن هذا نستطيع القول بأن جيل الستينيات، جيل نشأ فى أحضان الثورة تحقيقا لأغراضهم أولا، ولما انحرفت الثورة، انقلبوا عليها. بأساليب مختلفة، فجاءت إبداعاتهم مخالفة لما سبق من عناصر القصة القصيرة، سواء فى المضمون، او الشكل.
…………………………..
[1] – بهاء طاهر- مجموعة الخطوبة – دار الشروق
[2] – فتحى غانم – كتاب اليوم – عدد سبتمبر 1995
[3] – على النويشى- مجلة الدوحة – حوار – 16 نوفمبر 2020.
[4] – صبرى الموجى – موقع الكتابة – 7 / 10 / 2025.
[5] سعيد الكفراوى – دار كتب خانة للنشر والتوزيع – 1985.
[6] – إبرهيم أصنلان – بحيرة المساء – مختارات فصول – لهيئة المصرية للكتاب – 1985.
[7] – محمد مستجاب- ديروط الشريف و نعمان عبد الحفظ – مكتبة مدبولى- 1986.
[8] – يحيى الطاهر عبد الله – الهيئة العامة للتأليف والشر – 1970
[9] ا د حسين حمودة ( شدو الطائر- شدو السرب) – الهيأة العامة لقصور الثقافة- 1987.



















