نصٌّ صغيٌر يقاوم الانهيار

بيان حامد

بيان حامد

مرّرتُ أصابعي على حُبيْبات الرمل فوق ذراعي اليسرى،

(تخيّل معي أنّني أصف القشعريرةَ بهذه الصورة السينمائية،

كأنك تخرج من شاطئٍ رمليٍّ، مُبْتلٍّ بعد غَوْصٍ،

يعْلَقُ بكَ أصلُ العالم الذي كنتَ تعوم بداخله).

 

أقاطعك سهوًا وأسألك:

لماذا توقظنا الأشياء الخَشِنةُ أكثرَ من غيرها؟

 

لكنّني، حقيقةً،

لم أكن في البحر،

لم أتواجد في أيّ مكان

غير الانتظار. (الانتظار، أيضًا، مكانٌ).

 

بإمكاننا الآن أن نسمع صوتَ قلوبِنا خارج الماء / فوق الرمل.

أذكّركَ:

أنتَ لست في بيتك لتشعُرَ بالخوفِ مثلي.

 

“الأيادي التي تعرف العزف وهي محنّاة”،

هل كنتَ تعرف الحلُم مثلي؟

أم كنتَ كالحنّاء فوقَ الكفوف،

تحفظ تحت رسوماتك الدقيقةِ رعشةَ اليد قبل أن تمدَّها للعالم؟

 

الحنّاء طريقةٌ أخرى لممارسة الحياة، لكنّها ملساء،

لا تشبه تفجُّع الجِلدِ حين يتمرّغ في مياه جسده ويخرج مُرتعشًا.

هذا الهدوء المؤقّت خدعة،

قبل أن يسقطَ رأسُك في الماء من جديد.

 

أفكّر في قراءة مئة كتاب دُفعةً واحدة

تسع وخمسون عنوانًا مكسورًا لأجلكَ،

والباقي لي.

أريد إدْخال هذا العالمَ الغريبَ إلى رئتيّ صفحاتِ الآخرين.

 

وأنتَ، لماذا تقرأ؟

أتحاول الاختباء؟

أم الاستواء فوق الماء؟

 

سنكتب كثيرًا بعد، ربّما قبل موتنا،

لينزلقَ قلبُنا في حناجر الآخرين.

هكذا نحن، نطلب العزاءَ حتّى بعد موتنا.

 

لنجرب القشعريرة الآن،

لنتنفّسَ سويًّا.

 

نحن نعلم أنّ للحرب حميميّة ما،

تفجَعُ أن تبقى

فيما يفنى غيرُك.

 

كأنّكَ عَلَقَةٌ

التصقت على الشاطئ الرمليّ،

 

ما الحياة سوى شجن

 

شيءٌ ما يصيب قلبي

كاحتكاك شمسٍ بغيمة

يضيئه بشغفٍ

وشجنٍ خفي.

 

لا يعبرني

بل يستقرّ

وتفوح رائحته

كرائحة الليمون

وقت قطافه في الكفوف.

 

تتكوّن في داخلي اغترابات

تسقط… دمعةً دمعة.

 

سنبقى وحيدين، يا حبيبي

حتى في هذا الشجن

الذي نتقاسمه

كما نتقاسم الوقت

أو كوبًا من القهوة

أو كلمة “صباح الخير”

 

“أحبك”

ربما تُقال

لملاطفة هواءٍ باردٍ بيننا

أو كضمادةٍ

فوق جرحٍ قديم

تعيد ترتيب المساء

وتحرث القلب

كمنجل.

 

أجلس وأفكّر فيك.

لستُ وحدي

أنا وقلبي… وقصيدة

حلمتُ بها مكتملة

كما يحلم نبيٌّ برسالته.

 

أتكوّر وأفكّر بك:

هل كنتَ رسالتي لهذا العالم؟

 

كيف لكلّ هذا الاضطراب

الذي يصنع الخلق

أن يسهو عمّا نحن فيه؟

 

لا شيء ينتهي:

لا هذا الذي يأكل قلبي

ولا ما تنام عليه

أحلامك المجنونة.

 

وفي الصباح،

حين تقطف ابتسامتي

كما تُقطف زهرة

سيعبق قلبك…

وننسى.

 

ننسى معًا

أن هذه الحياة

ليست سوى شجنٍ

ومحاولات

لنكون…

غيمةً

تحت شمسٍ واحدة.

……………………

*شاعرة من فلسطين.. الناصرة ـ الجليل

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع