القس عيد صلاح
في متابعتي لصفحات الكتب القديمة على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك، وهي صفحات توفر الكتاب بأسعار معقولة إلى حد ما، وقفت أمام غلاف هذه الرواية الكودية لنبيل راغب، هو اسم غريب، ولكن ليس بجديد عليَّ، ففي بداية خدمتي في صعيد مصر زرت قرية من قرى مركز ديروط بمحافظة أسيوط اسمها كودية النصارى، وبجوارها قرية كودية الإسلام، فتخيلت لأول وهلة أنه ربما تكون الرواية عن هذه القرية التي زرتها يومًا ما، فتحمست لشرائها، وقرات الرواية في جلسة واحدة حيث لا تتكلم عن مكان ولكن عن ممارسة شعبية متجذرة في نفوس بعض من البشر وهي ظاهرة الزار، وعرفت من الرواية أن الكودية هي السيدة التي تقيم الزار وهي المسؤولة عنه والمحافظة على تقاليده، ولفظ الكودية من أصل غير عربي ويرجع البعض أنه اشتق من كلمة “كادو” وهو الاسم الذي يطلق على أحد الأسياد الخطرين أو سلطان الجن الأحمر (ص 58) وذلك حسب اعتقاد البعض. ولفت نظري في هذا السياق الإرث الشعبي المشترك الذي تعكسه تسمية كودية النصارى وكودية الإسلام، بما يكشف عن حضور بعض الموروثات الشعبية العابرة للانتماءات الدينية في البيئة المصرية.
رواية الكودية للدكتور نبيل راغب (1940-2017م) من الروايات الاجتماعيّة التي تمزج بين الواقعيّة والنقد الاجتماعيّ، وتتخذ من الخرافة والشعوذة مدخلًا لفضح الجهل واستغلال البسطاء. صدرت الرواية في القاهرة عام 1986م، عن مكتبة مصر، وتقع في 208 صفحة من القطع المتوسط، وتُعد من أعماله الروائية التي تعكس اهتمامه بقضايا التنوير والعلاقة بين العقل والخرافة.
نبيل راغب هو ناقد وكاتب ومفكر وأديب مصري معاصر من مواليد طنطا عام 1940م. حصل على ليسانس الآداب من كلية الآداب جامعة القاهرة قسم الأدب الإنجليزي وشهادة الدكتوراه من جامعتي القاهرة ولانكستر بإنجلترا. عمل كأستاذ ورئيس لقسم النقد الفني بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون بالهرم ثم عميدًا للمعهد لثلاث فترات متتالية. كما عمل كمستشار لوزير الثقافة في مصر من عام 1969م إلى 1973م. بعد ذلك عمل كمستشار للرئيس الراحل محمد أنور السادات في الفترة 1975–1981م. عمل كأستاذ زائر بجامعة اكسيتر بإنجلترا في الفترة 1982-1986م. ألف 28 رواية تحول بعضها إلى أفلام سنيمائية مثل: جبروت امرأة، وخيوط العنكبوت، وغرام الأفاعي، ومسلسل برج الأكابر للتلفزيون المصري. وله أكثر من مائة مؤلف في الدراسات النقديّة والسياسيّة والفلسفيّة والثقافيّة والحضاريّة. كما شارك في العديد من المؤتمرات والندوات والمهرجانات الفنية والسياسيّة العربيّة والدوليّة. عمل كأستاذ للنقد الفني في المعهد العالي للنقد الفني وكلية الإعلام بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا. توفي نبيل راغب صباح الأحد 12 فبراير 2017، عن عمر ناهز 77 عامًا، تاركًا وراءه سيرة أدبية وعلمية حافلة، وإنتاجًا فكريًا ونقديًا يستحق الإشادة والتقدير.
أولًا: ملخص الرواية
تدور أحداث الرواية في أحد الأحياء المصرية، حيث تهيمن شخصية “الكودية”، وهي امرأة اشتهرت بقدرتها المزعومة على علاج الأمراض، وفك السحر، واستحضار الأرواح، والتعامل مع الجن، وإقامة جلسات الزار. وتستمد نفوذها من إيمان مرديها بالخوارق أكثر من اعتمادهم على الطب أو العلم. تكشف الرواية كيف تتحول الكودية إلى مركز سلطة روحية واجتماعية، يلجأ إليها الرجال والنساء لحل مشكلاتهم الأسرية والعاطفية والصحية، بينما تستغل هي ومن حولها هذا الإيمان الشعبي لتحقيق النفوذ والمكاسب. وفي المقابل، يقدم الكاتب شخصيات تمثل العقل والعلم، وتحاول مواجهة هذا الإرث من الجهل والخرافة، فينشأ صراع بين ثقافتين: ثقافة تؤمن بالعلم والمنطق، وثقافة تستسلم للخوف والأسطورة. وينتهي العمل بانتصار نسبي لفكرة التنوير، مع التأكيد أن التخلص من الخرافة ليس أمرًا يسيرًا لأنها متجذرة في البناء الثقافي للمجتمع.
رواية الكودية للدكتور نبيل راغب عملًا أدبيًا يتوغل في عالم الزار الشعبي في مصر، مستعرضًا الصراع بين القوى التقليدية المتمثلة في الدجل والشعوذة، وبين العلم والمنطق. تبدأ رواية الكودية لنبيل راغب بوفاة الأسطى ريحانة، المعروفة بلقب ملكة الزار المتوجة، وهي امرأة جمعت ثروة هائلة من حفلات الزار التي كان يرتادها كبار المجتمع، وتركت ثروة ضخمة لابنها. وفي قلب الأحداث تظهر جمالات، ابنة فلاح فقير أرسلها والدها خادمة لدى أحد أقربائه وهي في الثانية عشرة، فعاشت في هذا البيت، ثم أحبها بسيم وحملت منه سرًا، لكن اكتشاف الأمر أدى إلى اعتداء والد بسيم، عبد الفضيل، عليها وإجهاضها وفقدانها القدرة على الإنجاب وطردها إلى الشارع، فتحولت من ضحية إلى امرأة تسعى للانتقام، فتزوجت كافور واتخذت اسم ألطاف لتعود بوصفها الكودية الجديدة وتنتقم من عائلة بسيم. ويتطور الصراع عندما يتزوج بسيم من نوال، المرأة الطموحة والمسيطرة التي حاولت إبعاده عن عالم الزار، لكنها تقع في النهاية تحت تأثيره نتيجة اضطراباتها النفسية، وتلجأ إلى ألطاف دون أن تعرف حقيقتها. وفي مواجهة هذا العالم تظهر ثريا، ومعها الدكتور رشيد، أستاذ علم النفس، اللذان يمثلان صوت العقل والعلم، إذ يحاول رشيد تفسير الزار تفسيرًا نفسيًا بوصفه استجابةً للهروب من الضغوط الاجتماعية والكبت وربما صورة من الهستيريا الجماعية، بدل تفسيره باعتباره مسًا من الجن يحتاج إلى البخور والذبائح.
ومن خلال شخصية ألطاف تكشف الرواية كذلك آليات الدجل واستغلال الجهل، فتقدم الكودية بوصفها تاجرة بالأوهام تستخدم الإيحاء والطقوس المخيفة للسيطرة على ضحاياها واستنزاف أموالهم، بما يؤكد أن قوتها لا تنبع من قوى غيبية، بل من ضعف الضحية وقلة وعيها. وهكذا تجسد الرواية الصراع بين معسكر العلم والتنوير الذي يمثله رشيد وثريا، ومعسكر الجهل والخرافة الذي تنتمي إليه نوال وغيرها، بينما توظف جمالات (ألطاف) الخرافة نفسها أداة للانتقام. وتبلغ المعالجة ذروتها في المواجهة بين ثريا وألطاف، حيث تُفضح طقوس الزار بوصفها دجلًا واستنزافًا لعرق الناس، ويظهر العلم والمعرفة باعتبارهما قادرين على تعرية الأوهام ومقاومة التهديدات القائمة على اللعنات والجن.
ويتأكد انحياز الرواية إلى العقل أيضًا من خلال مصائر الشخصيات، إذ ينتهي بسيم محطمًا نفسيًا ومثقلًا بصراعه بين إرث أمه وواقعه، وتظل نوال أسيرة أوهامها، بينما تصمد ثريا ورشيد في مواجهة الخرافة. ومن خلال هذا الصراع لا تكتفي الرواية بتقديم الزار بوصفه ظاهرة شعبية، بل تكشف التناقض بين مظاهر الحداثة المتمثلة في التعليم والجامعة، وبين استمرار الرواسب الغيبية والدجل، كما ترصد أثر الحروب والتحولات السياسية والسياسات الاقتصادية في بنية المجتمع ونفسيات أفراده، لتغدو الكودية في النهاية رمزًا لاستمرار قوى الوهم والاستغلال داخل مجتمع يبدو حديثًا في مظهره، بينما تضع الرواية العلم والمعرفة في موقع المواجهة والكشف والتحرير.
ثانيًا: أهم الشخصيات
تدور رواية “الكودية” حول مجموعة من الشخصيات التي تؤدي أدوارًا رمزية وفكرية تتجاوز حضورها داخل الحدث الروائي، إذ تأتي الكودية (ريحانة/ألطاف) بوصفها الشخصية المحورية، وتجسد نموذج السلطة الشعبية القائمة على الأسطورة والخرافة والقدرة على التأثير في وعي الناس. أما أهل الحي فيمثلون الوعي الشعبي الذي تتداخل داخله عناصر الدين والموروث الشعبي والمعتقدات الخرافية، بما يجعلهم قابلين للتأثر بالدجل والشعوذة. وفي المقابل تظهر الشخصية المتعلمة، ممثلة في المثقف (ثريا/رشيد)، باعتبارها صوت العقل والعلم، وتسعى إلى كشف زيف الشعوذة ومواجهة التفسيرات الخرافية للواقع. وإلى جانب هذه الشخصيات تبرز مجموعة المنتفعين الذين ترتبط مصالحهم باستمرار الخرافة، ولذلك يقاومون محاولات التغيير وكشف الحقيقة، بما يعكس كيف يمكن للخرافة أن تتحول من مجرد اعتقاد إلى منظومة اجتماعية يستفيد منها بعض الأطراف.
ثالثًا: الكودية وحفظ الذاكرة الشعبية
تقدم رواية الكودية توثيقًا تفصيليًا لظاهرة الزار في المجتمع المصري، بحيث لا يظهر الزار مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى ما يشبه أرشيفًا أنثروبولوجيًا يحفظ تفاصيل الطقوس ولغتها وأدواتها ورموزها. ويتجلى ذلك أولًا في وصف مراحل الطقس، ولا سيما الليلة الكبيرة أو ليلة الدق، بدءًا من الاستعدادات ونصب الكرسي وشراء المكسرات والحبوب والبلح الجاف واللحوم المقددة والشموع، وإعداد الكعك المغطى بالسكر، وصولًا إلى وصف الأجواء المكانية التي تتوسطها الصينية الكبيرة والشموع الموقدة والموائد المفروشة، وما ينتشر فيها من روائح البخور مثل العود والمسك والعنبر.
كما تحفظ الرواية المعجم اللغوي والموسيقي للزار من خلال تسجيل أسماء الآلات، مثل الطنبورة والرق والدفوف والمزهر والبندير، وبيان اختلاف إيقاعاتها بحسب الأسياد، إلى جانب الأهازيج والأوراد والنداءات المرتبطة بهذا الطقس، فضلًا عن شرح بعض المصطلحات الخاصة به، مثل الكودية والزار. وتقدم الرواية كذلك وصفًا دقيقًا لطقوس الدم والأزياء التنكرية، من خلال الحديث عن كشف الأثر والذبائح والملابس والألوان والرموز المصاحبة لاستحضار شخصية لسلطان، وهو ما يكشف البنية الرمزية للطقس ومكوناته.
ولا تقف الرواية عند حدود الوصف، بل تقدم من خلال شخصية رشيد محاولة لقراءة الظاهرة تاريخيًا ونفسيًا، إذ تربط دخول الزار إلى مصر بهجرات من السودان في القرن التاسع عشر، وتفسر بعض مظاهره بوصفها شكلًا من أشكال الهروب النفسي والتفريغ الانفعالي، حيث تتيح بعض الطقوس للنساء مساحة مؤقتة للتعبير عن مشاعرهن المكبوتة تحت غطاء اللبس أو المس.
ومن ثم، تتجاوز الكودية حدود العمل الروائي لتكتسب قيمة توثيقية واثنوجرافية، إذ تحفظ في سردها تفاصيل ممارسة شعبية وطقسية تكشف جانبًا من بنية الوعي الشعبي المصري وتحولاته.فتقدم الرواية مادة ذات قيمة إثنوغرافية في توثيق بعض مظاهر الزار في المجتمع المصري. وكلمة إثنوغرافية تعني وصفًا ودراسةً تفصيليةً لحياة جماعة بشرية وثقافتها وعاداتها ومعتقداتها وطقوسها ولغتها وأنماط سلوكها، اعتمادًا على رصد ممارساتها كما تظهر في واقعها. عندما نقول إن الرواية تحمل قيمة إثنوغرافية، فالمقصود أنها تسجل تفاصيل من الثقافة الشعبية المرتبطة بالزار، مثل الطقوس، والأغاني، والآلات، والملابس، والألفاظ، والمعتقدات، والعلاقات بين المشاركين، بما يجعلها مادة يمكن أن يستفيد منها الباحث في دراسة هذه الممارسة اجتماعيًا وثقافيًا. سجلت الرواية هذه الطقوس مدونة في الرواية تفصيلاً في الصفحات (83-97).
وتعرف الرواية الزار على لسان ثريا بالقول: إن كلمة الزار هي كلمة أمهرية وتعني عند الأحباش شر ينزل بالإنسان… وهناك تفسير آخر يقول إن كلمة الزار من الزيارة التي يقوم بها الجن لآدميين… لكن أتصال العرب بالأحباش أوجد أفكارًا مشتركة بينهم كالجن والرقية والتطير والزار الذي لم يظهر في مصر إلا في القرن التاسع عشر بعد الفتح المصري للسودان حين هاجر بعض أهالي السودان ونقلوا معهم الظاهرة بك لما تحويه من طقوس وألفاظ غريبة عن اللغة العربية. (ص 57).
رابعًا: القضايا التي تعالجها الرواية
تعالج رواية الكودية عددًا من القضايا الاجتماعية والفكرية المتشابكة، يأتي في مقدمتها الجهل والخرافة، إذ تقدم الجهل بوصفه البيئة التي تتيح للدجل والشعوذة أن ينتشرا ويكتسبا قدرة على التأثير في الناس، كما تكشف عن استغلال الدين الشعبي من خلال التمييز بين التدين الحقيقي والممارسات والمعتقدات الشعبية التي يمكن أن تُوظَّف لخدمة الدجالين وإضفاء الشرعية على ممارساتهم. وتطرح الرواية كذلك قضية المرأة والسلطة من خلال شخصية الكودية، التي تتمكن من اكتساب نفوذ واسع داخل مجتمع ذكوري، وإن كانت هذه السلطة قائمة على الوهم والخداع أكثر من اعتمادها على الحقيقة والمعرفة. ويبرز أيضًا الصراع بين العلم والخرافة بوصفه المحور الفكري الأساسي في الرواية، حيث تتواجه المعرفة والعقل من جهة، والمعتقدات الأسطورية والخرافية من جهة أخرى. وأخيرًا، تربط الرواية بين الفقر والتهميش وانتشار الخرافات، مشيرةً إلى أن قلة التعليم وضعف الظروف الاجتماعية والاقتصادية قد يجعلان الإنسان أكثر قابلية لتصديق الدجل واللجوء إلى التفسيرات الخرافية.
خامسًا: البناء الفني
يعتمد نبيل راغب في رواية الكودية على بناء فني واضح يقوم على السرد التقليدي المباشر، مع استخدام لغة سهلة وقريبة من القارئ، بما ينسجم مع طبيعة الموضوع والشخصيات والبيئة التي تدور فيها الأحداث. وتأتي الشخصيات في معظمها بوظيفة رمزية وفكرية أكثر من كونها شخصيات نفسية شديدة التعقيد، إذ تمثل كل شخصية فكرة أو اتجاهًا اجتماعيًا أو موقفًا من الصراع بين العلم والخرافة والدين الشعبي. أما المكان، وبخاصة الأحياء الشعبية، فلا يظهر مجرد خلفية تجري فيها الأحداث، بل يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات والأحداث وأنماط التفكير والوعي الشعبي الذي تتحرك داخله الرواية. وعلى مستوى اللغة، يمزج الكاتب بين العربية الفصحى والحوار القريب من البيئة الشعبية، مع توظيف محدود للعامية، الأمر الذي يمنح الحوار قدرًا من الواقعية ويحافظ في الوقت نفسه على وضوح اللغة وسهولة تلقيها.
سادسًا: النقد الأدبي للرواية
نجح الكاتب في كشف الآليات النفسية والاجتماعية التي تجعل الناس يؤمنون بالدجل. الرواية أقرب إلى مشروع ثقافي يدعو إلى احترام العقل والعلم. وهي تعكس ممارسات لا تزال موجودة في بعض البيئات الريفية والشعبية. والكودية ليست مجرد امرأة، بل رمز لكل سلطة تقوم على استغلال الجهل والخوف.
ولذلك يمكن قراءة الكودية بوصفها رواية عن السلطة أكثر منها رواية عن الشعوذة. فالكودية لا تحكم الناس بقوة السلاح، وإنما بقوة الخوف والاعتقاد، وهو ما يجعلها رمزًا لكل سلطة تستمد شرعيتها من الوهم. ومن هذا المنظور، فإن الرواية تتجاوز نقد الدجل إلى نقد البنى الاجتماعية والثقافية التي تسمح له بالازدهار. كما أن الرواية لا تُحمّل الكودية وحدها مسؤولية انتشار الخرافة، بل تُحمّل المجتمع مسؤولية إنتاجها من خلال الفقر، والأمية، وضعف التعليم، والبحث عن حلول سريعة للمشكلات الوجودية.
وتُعد الكودية من الروايات الاجتماعية ذات الرسالة الفكرية الواضحة، وتمثل نموذجًا لـلرواية التنويرية التي تسعى إلى الدفاع عن العقل في مواجهة الخرافة، والمعرفة في مواجهة الجهل، والتفكير العلمي في مواجهة الغيبيات. وقد لا تكون من أكثر أعمال نبيل راغب تعقيدًا من الناحية الفنية، لكنها تتميز بوضوح فكرتها وقدرتها على تصوير جانب مهم من الواقع المصري، وهو استمرار تأثير الموروث الشعبي في تشكيل الوعي والسلوك. كما يرى عدد من القراء أن الرواية ممتعة رغم بساطة أسلوبها، وأن رسالتها الأساسية هي أن شمعة العلم قادرة على تبديد ظلام الجهل والخرافة.
سابعًا: السياق السياسي والاجتماعي للكودية
تبين رواية الكودية لنبيل راغب أثر التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها مصر في النصف الثاني من القرن العشرين، وتجعل منها جزءًا فاعلًا في تشكيل مصائر الشخصيات ووعيها. فتظهر حرب 1956 والعدوان الثلاثي بوصفها خلفية تاريخية أسهمت في اضطراب الحياة العامة وتعطل الدراسة في المدارس والجامعات، كما تنعكس أجواء المقاومة والقلق التي صاحبت أحداث 1956 والانسحاب من بور سعيد وما ارتبط به من أخبار الجبهة في مشاعر الشخصيات. ثم تأتي نكسة 1967 بوصفها لحظة مأساوية في مسار الرواية، إذ ترتبط الصدمة النفسية التي خلفتها الهزيمة بتدهور صحة الأسطى ريحانة، ملكة الزار، التي أصيبت بأول أزمة قلبية، كما دفعتها أجواء الخوف وعدم اليقين إلى التفكير في مستقبل ابنها والإسراع في ترتيب زواجه.
وتبلغ التحولات الاجتماعية ذروتها مع انتصار 1973 ثم مرحلة الانفتاح الاقتصادي، حيث تكشف الرواية مفارقة لافتة تتمثل في أن التقدم الاقتصادي لم يؤدِّ إلى تراجع الخرافة، بل ساعد في اتساع سوق الزار وتحوّله من ممارسة شعبية محدودة إلى نشاط مكلف يرتبط بالمباهاة والقدرة على الإنفاق، فتذكر الرواية ارتفاع أسعار حفلات الزار عدة مرات، وتربط ازدهارها بتدفق الأموال وظهور فئات اجتماعية جديدة من الانتهازيين وصائدي الثروات، بحيث ازداد الثراء المادي دون أن يواكبه بالضرورة ارتفاع في الوعي، واستُنزفت الأموال في حفلات الزار وممارسات الدجل. ويكشف هذا السياق عن ازدواجية المجتمع والشخصية، فبسيم يدير ورشة هندسية، بينما تظل الأسرة أسيرة عالم الخرافة، كما يتحول الزار إلى أداة للتعبير عن المكانة الاجتماعية والمباهاة، وتصبح ألطاف، الكودية الجديدة، جزءًا من عالم النساء الثريات وزوجات أصحاب النفوذ.
ومن ثم ترسم الرواية صورة لمجتمع حقق تحولًا ماديًا سريعًا لكنه ظل يعاني هشاشة نفسية وفكرية، وهو ما يفسر استمرار الحاجة إلى تجارة الأوهام. وفي مواجهة ذلك، تضع الرواية العلم والتفسير النفسي في الطرف المقابل من الصراع، من خلال الحوارات الفكرية التي تجمع الدكتور رشيد، أستاذ علم النفس، وثريا الطبيبة، وحازم طالب علم النفس، حيث يسعون إلى تفكيك ظاهرة الزار وتحليلها في ضوء المعرفة العلمية والنفسية، بدل الاستسلام لتفسيرها بوصفها قوى غيبية، وبذلك يصبح التاريخ السياسي والتحول الاقتصادي في الرواية أكثر من مجرد إطار زمني، إذ يتحول إلى عنصر أساسي في تفسير استمرار الخرافة وقدرتها على التكيف مع المجتمع الحديث.
ثامنًا: دور العلم في المجتمع
يتجلى دور العلم في رواية الكودية لنبيل راغب بوصفه قوة قادرة على تعرية الخرافة وكشف آليات الدجل واستعادة الإنسان لقدرته على الفهم والاختيار. ففي المواجهة مع ألطاف، تستخدم ثريا العلم بوصفه أداة لكشف زيف الممارسات التي تقوم على استنزاف الناس واستغلال جهلهم، مؤكدة أن ما يعجز القانون أحيانًا عن كشفه وإيقافه يستطيع العلم أن يعرّيه أمام الوعي العام. ويتعمق هذا الدور من خلال الدكتور رشيد، الذي يقدم تفسيرًا نفسيًا لظاهرة الزار، موضحًا أنها قد تنشأ بوصفها استجابة هستيرية تتغذى من التعلم والتقليد والإيحاء الجماعي، وأن لجوء بعض النساء إليها يمكن أن يمثل محاولة للهروب من ضغوط الواقع من خلال حالات الإغماء أو الغيبوبة الإيحائية، وبذلك تنتقل الرواية من تفسير الظاهرة بمنطق المس والقوى الغيبية إلى تفسيرها في ضوء التحليل النفسي والسلوكي. ولا يقدّم رشيد العلم باعتباره وظيفة أكاديمية فحسب، بل باعتباره رسالة ومسؤولية أخلاقية ملقاة على عاتق العلماء، إذ يرى أن مهمة العلم هي مواجهة الجهل، وأن دهاء العلم يجب أن يثبت قدرته على تجاوز دهاء الجهل، وأن التقدم الحقيقي لا يتحقق بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالتوعية الفكرية والتنوير العقلي وتطبيق المعرفة في حياة الناس.
ومن هنا تربط الرواية بين العلم والثقافة والقانون، فانتشار نور المعرفة في النفوس قد يجعل القانون أقل اعتمادًا على الردع الخارجي وأكثر حضورًا في ضمير الإنسان وعقله، بما يسهم في تكوين إنسان متحضر يرفض الخرافة عن اقتناع لا خوفًا من العقاب. ويصل هذا التصور إلى ذروته في تأكيد رشيد أن تاريخ البشرية يشهد مرارًا لانتصار العلم على الجهل، وأن خرافات الزار والدجل ليست قدرًا محتومًا، وإنما ظواهر قابلة للانحسار أمام اتساع المعرفة والوعي. وهكذا تجعل الرواية من العلم سلاحًا ونورًا ومسؤولية في آن واحد، وتربط وظيفته بتحرير ضحايا الخرافة من الاستسلام للوهم، ونقلهم من دائرة الخوف والتبعية إلى دائرة الوعي والفهم والقدرة على اتخاذ موقف مستقل من الواقع.
تاسعًا: هل يولد الإنسان أكثر من مرة؟
ما دلالة السؤال الذي طرحه نبيل راغب في نهاية الرواية: هل يمكن أن يولد الإنسان أكثر من مرة؟ وهو سؤال يحمل دلالات فلسفية واجتماعية عميقة تلخص الصراع النفسي والتحولات الجذرية التي عاشتها الشخصيات. تجسد شخصية جمالات المعنى الحرفي لهذا السؤال، فقد وُلدت الولادة الأولى كابنة فلاح فقيرة وخادمة مستضعفة تعرضت للسحق والظلم والإجهاض. لكنها وُلدت مرة ثانية بشخصية ألطاف، الكودية القوية والغامضة التي عادت لتنتقم لكرامتها المهدورة وتسيطر على مصائر من ظلموها. هذه الولادة الثانية كانت ولادة من رحم الألم والحقد، مما جعلها كائنًا جديدًا تمامًا يمتلك القوة والنفوذ.
يشير السؤال إلى أن الكودية ليست مجرد مهنة، بل هي رمز لسطوة الجهل الذي يولد من جديد في كل عصر. فبوفاة الأوسطى ريحانة، ظن البعض أن عصر الدجل قد انتهى، لكنه وُلد مرة أخرى في شخصية ألطاف وبشكل أكثر شراسة وتوحشًا تماشى مع عصر الانفتاح الاقتصادي. هذا يوحي بأن الخرافة لها أرواح عديدة تولد من جديد طالما وُجدت البيئة الخصبة من الجهل والضعف النفسي. والسؤال هنا يطرح إشكالية: هل يمكن للإنسان أن ينسلخ تمامًا من ماضيه، أم أنه محكوم بولادات متكررة لهذا الماضي داخل حاضره؟ ومن منظور الدكتور رشيد وثريا، فإن الولادة الحقيقية للإنسان هي التي تتم عبر العلم والوعي. السؤال يفتح بابًا للأمل في أن المجتمع يمكن أن يولد ولادة ثانية يتخلص فيها من قيود الخرافة، وهي الولادة التي وصفها رشيد بأنها انتشار نور المعرفة الذي يضيء النفوس من الداخل.
السؤال في نهاية الرواية، هو صرخة فلسفية تؤكد أن الإنسان كائن متجدد، إما أن يولد من جديد عبر الانتقام والقوة، مثل جمالات، أو يغرق في ولادة مشوهة تجمع بين العلم والخرافة، أو يسعى لولادة عقلانية عبر التنوير، مثل رشيد وثريا. وبقاء السؤال معلقًا في النهاية يشير إلى أن المعركة بين هذه الولادات لا تزال مستمرة في قلب المجتمع.
عاشرًا: بين سؤال نبيل راغب وحوار المسيح مع نيقوديموس
كما أشرنا من قبل تفتح رواية الكودية لنبيل راغب سؤالًا إنسانيًا عميقًا حين تتساءل: هل يمكن أن يولد الإنسان أكثر من مرة؟ وهو سؤال يمكن أن يلتقي، من زاوية مختلفة، مع الحوار الذي دار بين المسيح والمعلم اليهودي نيقوديموس حسب الرواية الإنجيلية في إنجيل يوحنا 3: 1-8، حين قال له: “لَا تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ.” ففي الرواية ترتبط الولادة الثانية بإمكان تحرر الإنسان من ماضيه وإعادة تشكيل ذاته، فالإنسان لا يظل أسيرًا بالضرورة للظلم الذي تعرض له أو للبيئة التي نشأ فيها، لكنه قد يستخدم هذه الولادة الجديدة في اتجاهين متناقضين، كما نرى في جمالات التي خرجت من تجربة الظلم لتصبح ألطاف، فكانت ولادتها الجديدة ولادة إلى الانتقام والسيطرة، في حين يمثل رشيد وثريا صورة أخرى لإمكان التغير من خلال المعرفة والوعي.
أما في حديث المسيح مع نيقوديموس، فإن الولادة من فوق لا تعني مجرد بداية نفسية جديدة أو إعادة صياغة للسلوك، بل تعني انتقالًا في طبيعة الحياة نفسها، من الميلاد بالجسد إلى حياة جديدة مرتبطة بالروح. ومن هنا يمكن أن يصبح سؤال الرواية مدخلًا إلى سؤال الإنجيل: إذا كان الإنسان قادرًا على أن يبدأ من جديد، فما الذي يحدد طبيعة هذه البداية الجديدة واتجاهها؟ فالكودية تطرح إمكان إعادة تشكيل الإنسان، أما المسيح فيكشف عن مصدر التحول وعمقه ووجهته، فالإنسان يحتاج إلى أكثر من تغيير الظروف أو الأفكار أو السلوك، إنه يحتاج إلى ولادة من فوق، أي إلى تحول داخلي يمنحه حياة جديدة. وبهذا يمكن قراءة السؤال الأدبي عن الولادة المتكررة بوصفه يفتح الطريق إلى السؤال المسيحي الأعمق: ليست القضية فقط هل يستطيع الإنسان أن يولد مرة أخرى، بل من أين تأتي هذه الولادة الجديدة، وما الذي يجعلها ولادة تقود إلى التحرر الحقيقي لا إلى إعادة إنتاج الحقد والخوف والسيطرة.
حادي عشر: رسالة الكودية لعالمنا المعاصر
تظل رسالة رواية الكودية راهنة لأنها تكشف أن الخرافة لا تعيش في فراغ، وإنما تنمو حيث يجتمع الجهل والفقر والاحتياج النفسي واختلال علاقات القوة، وأن الإنسان قد يتحول من ضحية للاستغلال إلى ممارس له عندما تتاح له فرصة امتلاك السلطة. كما تكشف الرواية أن الجسد نفسه يمكن أن يصبح ساحة للهيمنة والعنف والانتقام، سواء من خلال استغلاله جنسيًا أو إخضاعه للخوف والطقوس أو تحويله إلى وسيلة للسيطرة على الآخرين. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الكودية مجرد حكاية عن الزار والدجل، بل قراءة أوسع لمجتمع قد تتجاور فيه مظاهر الحداثة والتعليم والتقدم مع أنماط قديمة من التفكير والاستغلال.
وتأتي أهمية الرواية اليوم في تنبيهها إلى أن مواجهة الخرافة لا تقتصر على كشف الدجل، بل تتطلب بناء وعي نقدي يحترم الإنسان وجسده وكرامته، ويمنحه القدرة على فهم أزماته النفسية والاجتماعية بعيدًا عن الاستغلال، كما تتطلب معالجة الظروف التي تجعل الوهم ملجأً لمن يعانون الخوف أو التهميش أو العجز. ولذلك يمكن قراءة رسالة الكودية اليوم باعتبارها دعوة إلى الانتقال من مجتمع تحكمه الأوهام والخوف والتبعية إلى مجتمع تحكمه المعرفة والوعي والكرامة الإنسانية، حيث يصبح العلم وسيلة للتحرير لا مجرد تراكم للمعلومات، ويصبح الإيمان، حين يحضر، سندًا للإنسان لا أداة لاستغلال ضعفه.
تتمثل رسالة رواية الكودية لنبيل راغب في كونها صرخة تنويرية تتجاوز زمن كتابتها، لتقدم نقدًا عميقًا للازدواجية التي يعيشها الإنسان والمجتمع، وتؤكد أن معركة التنوير ليست مجرد مواجهة مع مظاهر الخرافة، وإنما صراع أوسع من أجل تحرير العقل والإنسان من الخوف والجهل والاستغلال. فمن خلال الصراع بين رشيد وثريا من جهة، وألطاف وعالم الزار من جهة أخرى، تؤكد الرواية أن القانون وحده لا يكفي للقضاء على الدجل، وأن العلم والوعي النفسي والفكري قادران على كشف ما قد يعجز القانون عن فضحه، ولذلك يصبح التنوير العقلي وسيلة أساسية للتحرر من سلطان الوهم. وفي الوقت نفسه تحذر الرواية من حداثة المظهر التي قد تتعايش مع تخلف الجوهر، إذ يمكن للإنسان أن يمتلك التعليم والهندسة والمال والتكنولوجيا، بينما يظل عقله أسير الخرافة، وهو ما تجسده شخصيات مثل بسيم ونوال.
كما تقدم الرواية رسالة اجتماعية تتعلق بعواقب الظلم، إذ تكشف من خلال انتقال جمالات من ضحية للقهر إلى ألطاف الممارسة للانتقام كيف يمكن للظلم الاجتماعي والإذلال أن يحولا المظلوم إلى طرف يعيد إنتاج العنف والسيطرة، فيصبح الدجل أداة للثأر وبناء السلطة. ومن ناحية أخرى، تقدم الرواية الزار بوصفه مرآة لاختلالات نفسية واجتماعية أعمق، حيث يمكن أن يصبح الهروب إلى الخرافة تعبيرًا عن الكبت والضغط والعجز عن مواجهة الواقع، الأمر الذي يجعل معالجة الظاهرة بحاجة إلى فهم جذورها الإنسانية والنفسية، لا إلى إدانة مظاهرها فقط.
وفي أفقها الأخير تطرح الرواية فكرة الولادة الجديدة للإنسان، بحيث لا يكون التغيير مجرد انتقال من مرحلة عمرية إلى أخرى، بل تحولًا في الوعي والاختيار، فالإنسان يستطيع أن يعيد تشكيل ذاته، لكن هذه الولادة قد تقوده إما إلى الحقد والانتقام والسيطرة، كما حدث مع ألطاف، وإما إلى المعرفة والتنوير والوعي، كما يتجسد في رشيد وثريا. وهكذا تبدو رسالة الكودية اليوم دعوة إلى إدراك أن معركة التنوير لم تنته، وأن مواجهة الخرافة لا تكون فقط بإدانة الظلام، وإنما بإشعال نور المعرفة، وبناء إنسان قادر على التفكير النقدي وفهم ذاته ومجتمعه والتحرر من كل سلطة تستمد قوتها من الجهل والخوف والوهم.
خاتمة:
حين ينتصر العلم على الجهل والتفكير العلمي على الخرافة، لا يكون الانتصار في رواية الكودية مجرد غلبة فريق على آخر، وإنما تحولًا في طريقة الإنسان في فهم ذاته والعالم من حوله. فقد جعل نبيل راغب من الزار والدجل مجالًا يكشف فيه كيف يمكن للجهل والخوف والكبت والاحتياج النفسي أن تصنع بيئة خصبة للخرافة، ثم وضع في مواجهتها العلم بوصفه قدرة على السؤال والتحليل والكشف والتفسير. ويتجسد ذلك بوضوح في شخصية الدكتور رشيد، الذي يحاول أن ينقل الزار من دائرة التفسير الغيبي إلى دائرة الفهم النفسي والاجتماعي، وفي شخصية ثريا التي تمثل جيلًا يتسلح بالمعرفة ويرفض الاستسلام للأوهام.
ولا يقتصر دور العلم في الرواية على تفسير الظاهرة، بل يمتد إلى كشف آليات استغلالها، وإظهار أن سلطة الكودية تستمد جانبًا كبيرًا من قوتها بواسطة جهل ضحاياها واستسلامهم للخوف والإيحاء. ومن هنا تصبح المواجهة مع الخرافة مواجهة مع نمط كامل من التفكير، إذ لا يكفي أن نعرف أن فكرة ما خاطئة، بل ينبغي أن نمتلك الأدوات التي تجعلنا قادرين على اختبارها ونقدها ورفضها. ولهذا تربط الرواية بين العلم والتنوير والثقافة، وترى أن القانون يمكن أن يضع حدودًا للممارسة، لكنه لا يستطيع وحده أن يحرر العقل، فالتحول الحقيقي يبدأ عندما يتحول العلم إلى وعي داخلي، ويصبح الإنسان قادرًا على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المريح والصحيح. وفي هذا المعنى ينتصر التفكير العلمي حين يستعيد الإنسان حريته العقلية، فلا يعود أسيرًا للخوف أو الدجل، بل يصبح قادرًا على فهم أزماته ومواجهة واقعه بوسائل المعرفة والنقد والوعي.



















