علي حسن
لعشاق القلم أمكنة بعينها يهبط وحي الإبداع عليهم بين جنباتها؛ محراب يتنسك الأديب عنده، يسيل مداد قلمه رقراقًا دون عثرات. النَظْم المحكم لأمير الشعراء أحمد شوقي (١٨٦٨-١٩٣٢) صاغه في قصره “كرمة ابن هانئ” المطل على النيل الخالد، داخل غرفة مكتبه الفرنسي الطراز.
الأديب “خيري شلبي” (١٩٣٨-٢٠١١) استأجر حوش في مقابر منشية ناصر ليكتب “ثلاثية الأمالي” و”نسف الأدمغة”، بينما يقول الأستاذ “نجيب محفوظ” (١٩١١-٢٠٠٦): “البيت للقراءة والكتابة والتأمل، والمقهي للأصدقاء، والحديقة لحب الطبيعة.” لم يكتب صاحب نوبل على طاولة مقهى أبدًا، لكنه يجلس متأملا البشر والحجر، ليخلق شخوصًا من لحم ودم في رواياته، مستغلًا أسماء أماكن عشقها ومقاهٍ مثل الفيشاوي، قشتمر، ريش، ومقهى علي بابا في القاهرة ومقهى ديليس في الأسكندرية.
الأستاذ “عباس محمود العقاد” (١٨٨٩-١٩٦٤) اِعتاد الكتابة داخل مكتبه في المنزل رقم (١٣) شارع شفيق غربال بضاحية مصر الجديدة. كذلك صديقه اللدود الدكتور طه حسين (١٨٨٩-١٩٧٣) حين يصمت ويعيش أيامًا في ذهول، تعرف السيدة “سوزان” أنه مُنهمك في كتاب جديد، فتدعه لمخاضه، حتى إذا اِكتمل الكتاب ونضج في عقل العميد، استدعى سكرتيره إلى حجرة مكتبه في “رامتان”، ويملي عليه مؤلفه دون انقطاع حتى يفرغ منه تمامًا ربما في جلسة واحدة!
الكثير من الكتاب والشعراء لهم أماكن بعينها وطقوس؛ منهم من كتب على جدران زنزانته حين تأججت مشاعره، وفاضت بعيون الأدب نثره وشعره. فهل كانت نابغة الشرق الآنسة “مي زيادة” (١٨٨٦-١٩٤١) كغيرها من عمالقة الفكر والأدب إبان عصر النهضة؟
الآنسة “مَيّ” نشأت في بيئة خاصة، كانت الابنة الوحيدة لأب لبناني “إلياس زيادة” (١٨٥٨-١٩٢٩) تخرج في “مدرسة الحكمة” في بيروت، ثم هاجر في الحادية والعشرين من عمره إلى فلسطين، عمل معلمًا للغة العربية وآدابها في مدرسة “الأرض المقدسة”. أمها “نزهة خليل معمر” (١٨٦٧-١٩٣٢) فتاة مثقفة، تعلمت على يد مُعلمها وزوجها فيما بعد “إلياس زيادة” اللغة العربية، وحفظت أشعارًا لكبار الصوفية مثل “ابن الفارض” عن ظهر قلب.
تفرغ الوالدان لتنشئة ابنتهما “ماري”؛ لم يكن لهما سوى حلم واحد، أن تصبح نابغة زمانها، تتقن أكثر من لغة، تدرس في أكبر وأعرق مدارس بيروت. مذ كانت “ماري إلياس زيادة” طفلة؛ صارت على موعد مع الوحدة والاغتراب، مات شقيقها “إلياس” بعد شهور من ولادته، دخلت مدرسة “الراهبات اليوسفيات” في الناصرة وهي ابنة السادسة، بعد عام واحد أضحت تجيد الفرنسية كباريسية ارستقراطية! ثم أتقنت العزف على آلة البيانو، وبعده آلة العود. عندما بلغت التاسعة، طلبت أن يكون لها مكتبة خاصة، فتحقق لها ما أرادت، ثم في سن الثالثة عشر سافرت إلى لبنان كي تلتحق بمدرسة “راهبات الزيارة للإناث” في عينطورة بمنطقة “كسروان” عام ١٨٩٩.
مع حزم الراهبات وأسوار الدير اختزنت “ماري” مشاعر حزن وألم عظيمين، صارت تمارس الانعزال وتعاقر الوحدة وتلوذ إلى الخلوة، أو قل “الإنزواء” بعيدًا عن زميلاتها في الدير. ظلت مي منطوية، عاكفة على قراءة أشعار “لامارتين”، “بايرون”، “ألفريد دي موسيه”. قرأت جميع مولفات “بيير لوتي”، “جورج صاند”، “مدام “دي سيفينييه”. مع أول إرهاصات الكتابة، شرعت في تسجيل مذكراتها باسم مستعار هو “عائدة” تأكيدًا لحلم العودة إلى حضن أمها وكنف أبيها: “يا دفتري الصغير؛ أهملتك لأني قضيت هذا الأسبوع في السرير. وقد نهضت هذا الصباح فرحة بالصحة والشفاء، فالتَفَّتْ حولي بعض رفيقاتي، حتى اللائي لسن لي بصويحبات. إن للمريضة، وللنقاهة من المرض امتيازًا في أن يعطف البنات عليها حقيقةً، أو هن ينضممن إلى اللائي يعطفن عليها ليجدن كلامًا يقُلنهُ، أو يتلقَّين كلامًا ينقِلنهُ!”.
مع الحزن والتعاسة، ومشاعر الاغتراب والانكسار توَّلد داخل “ماري” رغبة جامحة نحو الكتابة، فكان الشعر ترياقها من الألم ومُؤنسها في غربتها، كتبته بالفرنسية التي تتقنها وتفكر بها، وقعته منجمًا باسمها المستعار “عائدة”، وعندما جمعته في ديوان “أزاهير حلم” لتنشره ضمن مطبوعات “المحروسة” في مصر عام ١٩١١ وقعته باسم “إيزيس كوبيا”!
عانت “مَيّ زيادة” التي هي في الأصل “ماري” وبينهما هي (عائدة، كنار، إيزيس كوبيا، خالد رأفت) لوعة الفراق عن الوالدين ومكابدة الاغتراب في بيئة بالغة الحزم والشدة منذ كانت طفلة في السادسة حتى تخرجت في مدرسة “الراهبات اللعازاريات” في بيروت وهي ابنة السابعة عشر، تتقن عدة لغات منها الفرنسية، الإنجليزية، الإيطالية، الألمانية، السريانية. تقول في كتابها “سوانح فتاة” أو “مذكرات عائدة”:
“أف لي، إني خائرة العزم، أنا التي أطلب الموت، وأريد أن أتحلى بالفضيلة والتقوى!”.
كان ذلك هو “المكان” في لبنان، وما يمثله من قيد وانحسار وكبت للفتاة صغيرة في حجم طموح وجموح “ماري”؛ لكن “المكان” صار إنطلاقًا وتألقًا وخلودًا حين رست سفينة “مَيّ” في ميناء الأسكندرية في مايو ١٩٠٧، إذ بدأت “مي” منعطفًا جديدًا ليس كغيره من المنعطفات ومحطة فارقة في حياتها كنابغة الشرق.
سكنت “مي” مع والديها في العقار (١٤) شارع مظلوم في حي “باب اللوق”؛ حيث الأضواء تغمر وسط القاهرة عاصمة الفن والثقافة في الشرق. في هذا “المكان” تأسس صالون “مي زيادة” وأصبح الثلاثاء من كل أسبوع موعدًا لأعظم وأشهر صالون في الشرق، قِبلة رجال الأدب والفكر والثقافة في المحروسة، وحلم المبدعين الذين يقيمون بعيدًا عن “القاهرة” باريس وهوليود الشرق.
كان والدها المُعلم “إلياس أفندي زيادة” محظوظًا حين تعرف إلى السيد “إدريس بك راغب” فباع له جريدته “المحروسة” ومطبعتها عام ١٩٠٨، فصدر عددها الأول (٢٩٨) من مقرها بشارع جركس باسم صاحبها ومديرها المسؤول الجديد في ١١/١/ ١٩٠٩.
بدأت الآنسة “مي زيادة” تكتب في جريدة المحروسة باسماء مستعارة كعادة النساء في ذلك الوقت مثل باحثة البادية “ملك حفني ناصف” (١٨٨٦-١٩١٨) ثم اختارت مع أسرتها اسمًا جديدًا هو “مَيّ زيادة” وقعت به لأول مرة على مقال بعنوان “كيف نقيس الزمان” في العدد ١٢٢٨ من المحروسة بتاريخ ٨/٢/١٩١٣، قبل أن تقف أمام الأمير “محمد علي باشا” في احتفالية أقيمت لتكريم شاعر القطرين “خليل مطران” (١٨٧٢-١٩٤٩) يوم الخميس ٢٤/٤/١٩١٣ بسراي الجامعة المصرية القديمة، حيث ألقت كلمة بعنوان “الشاعر البعلبكي” للشاعر “جبران خليل جبران” (١٨٨٣-١٩٣١)، ثم تبعتها بكلمة فاقت في أسلوبها الشاعر المهجري، ونالت إعجاب واستحسان الحاضرين جميعًا، مما حَدا بالأمير “محمد علي” السعى إليها مصافحًا: “أهنئك يا آنسة، ونهنئ أنفسنا بك”. (المحروسة العدد ١٢٤٩- ٢٧ أبريل١٩١٣).
بعد عام انتقلت الأسرة إلى (٢٨) حارة المغربي؛ في شقة بالطابق الخامس في عمارة دون مصعد، ومع ذلك لم يتأثر صالون “الآنسة مي” رغم أن رواده كانوا كبارًا في الأعمار والأقدار، تجاوز أغلبهم مرحلة الكهولة، عابرون إلى الشيخوخة بقلوب منهكة! الدكتور يعقوب صروف (١٨٥٢-١٩٢٧)، الدكتور شبلي شميل (١٨٥٠-١٩١٧)، الشاعر إسماعيل باشا صبري (١٨٥٤-١٩٢٣) الذي اكتشف نبوغ “مي” عندما قرأ ديوانها “أزاهير حلم” والتقى بها أول مرة في مكتب والدها بجريدة “المحروسة” عام ١٩١٢.
كان الشاعر الكبير راعيًا لموهبتها؛ وصاحب فكرة تأسيس صالون يحمل اسمها، تعهد بإدارته، اختيار موضوعاته، تنظيم فقراته، ودعوة ضيوفه. فما تخلف أحد من هؤلاء الكبار عن الصالون يومًا.
يحفظ لنا التاريخ أبياتًا أنشدها إسماعيل باشا صبري يقول فيها:
روحي على بعض دور الحي هائمــة كظامئ الطير توَّاقًا إلى المــــاء
إن لم أمتـــع بمَيّ ناظــــــــــــــري غــــــــــــــــــدًا أنكرت صبحــــك يا يوم الثلاثاء!
لقد كان للمكان “مصر” أثرًا بالغًا في تفكير وثقافة الآنسة “مي” وأسلوبها؛ وهيئ الاستقرار في مصر التحاقها بالجامعة المصرية (١٩١٤-١٩١٨) فدرست تاريخ الفلسفة العامة، تاريخ الفلسفة العربية، تاريخ الأدب العربي، علم الأخلاق، وتاريخ الدولة الإسلامية. زاملها في الدراسة الجامعية الأستاذ أحمد حسن الزيات والشيخ طه حسين، الذي فتنته بصوتها حين استمع إليها لأول مرة تُلقي خطبة “جبران” فشغلت خاطره وعقله. بعدها انتظر أستاذه “أحمد لطفي السيد” (١٨٧٢-١٩٦٣) ليكمل التعارف الجميل بينهما.
طال انتظار العميد كما يعترف لنا في الأيام؛ فلما حان موعد اللقاء المرتقب، اصطحبه أستاذه الجليل إلى صالونها العامر والجلوس إليها. لم تكن “مي زيادة” تقرأ بالعربية أو تفكر بها، بل تَقرأ وتكتب، تُفكر وتُعبر، وتُراسل أهلها وأقاربها بالفرنسية، لذلك دعاها الدكتور “يعقوب صروف” إلى التفكير بلغتها الأم “العربية” وتعتاد الحديث بها بشكل سليم قبل أن تكتب!
تمكن “مي” من الفرنسية أثار إعجاب الجميع؛ عبر عن ذلك أستاذ الجيل حين أنصت إليها تجادل بفرنسية رشيقة سفير فرنسا في بيروت عام ١٩١١، فتعرف إليها ثم توطدت العلاقة بينهما، وبدأ يأتلف صالونها، مسديًا لها النُصح كي يستقيم لسانها العربي وتنضج فصاحته ويثمر كتابات رصينة.
كانت “مي” تعرض ما تكتبه على لطفي باشا السيد بعد انتهاء الصالون. ينصرف الجميع إلا الأستاذ وتلميذه طه حسين؛ فيراجع مقالاتهما، يصحح أسلوبهما، ثم يأذن لهما بالنشر. وعندما يكون مسافرًا، ترسل “مي” مقالاتها إليه عبر البريد ليصححها، فيضع ملاحظاته باللون الأخضر ثم يعيدها منقحة إليها.
تقول “مي” في مقال لها بمجلة الهلال عدد فبراير١٩٣٠ تصف حوارًا دار بينهما عام ١٩١٤:
قال الأستاذ لطفي السيد باشا: “لابد يا آنسة من تلاوة القرآن الكريم لكي تقتبسي من فصاحة أسلوبه وبلاغته. فأجابته: “ليس عندي نسخة منه.
فقال: أنا أهدي إليك نسخة منه.
وبعثَ إليَّ به مع كتب أخرى، فبدأت أفهم التجاه الأسلوب العربي، وما في القرآن من روعة جذابة، ساعدتني على تنسيق كتابتي.”
لقد أهدى إليها أيضًا كتاب “الكامل” للمبرد، “الأغاني” للأصفهاني، “العقد الفريد” لابن عبد ربه. هذا إلى جانب ما تعلمته أثناء إدارتها لصالونها، واستيعابها لما يُدار فيه من حوارات وسجالات بالغة الرقي، عالية الثقافة، شديدة التنوع، وصفه الأستاذ العقاد قائلًا:
“لو جمع ما ذكر فيه لكوَّن مكتبة كبيرة تشبه ما جاء في الأغاني للأصفهاني أو العقد الفريد”.
سطع نجم الآنسة “مي زيادة” حتى صارت نجمة في عالم الأدب، تستكتبها أكبر وأعظم الجرائد والمجلات في ذلك العصر؛ الزهور، الهلال، المقتطف، الجريدة، الأهرام، مجلة سركيس، إلى جانب “المحروسة”. من هذه المقالات تألفت عناوين كتبها مثل “سوانح فتاة”، “بين الجزر والمد”، “ظلمات وآشعة”، “كلمات وإشارات” هذا إلى جانب مساهماتها في الترجمة.
دعاها الأستاذ “سلامة موسى” (١٨٨٧-١٩٥٨) للكتابة في جريدة المستقبل عام ١٩١٤، وبدأت تكتب في الهلال عام ١٩١٧ استجابة لدعوة صاحبها “إيميل جورجي زيدان” (١٨٩٣-١٩٨٢)، فأرسلت إليه مقالتين الأولى بعنوان “تحية إلى الهلال” والثانية “ما هي اليوجا” (الهلال- أكتوبر ١٩١٧).
كما شَرعَ لها الدكتور “صروف” أبواب المقتطف، فتتابعت مقالاتها وتنوعت في الثقافة والأدب والتاريخ، بدأتها بمقالة عن الكاتبة الفرنسية مدام “دي سيفينييه”.
لقد سبق اسم “مي زيادة” في المقتطف أسماء كتاب كبار، أكثر منها بلاغة وأشد فصاحة لكن أسلوبها تميز عنهم بأنه سهل، عذب، إطلاعها وتنوع ثقافتها جعل كتاباتها سابقة لعصرها، تجمع بين الكلاسيكية والرومانسية، مزيج بديع تنصهر فيه فلسفة الغرب مع نفحات أدب المهجر، يثبت أركانها اتقانها لتسع لغات منها اللاتينية والسريانية!
لقد صارح الأمير شكيب أرسلان (١٨٦٩-١٩٤٦) صديقه الدكتور صروف، بأنه يشك فيما تكتبه “مي” من مقالات، إذ ربما تمكنها من لغات أجنبية جعلها تترجم موضوعات إلى العربية وتنسبها لنفسها!
فأنكر عليها الدكتور صروف ذلك الفعل، مؤكدًا لصديقه أنه يحاورها ويناقشها، فتثير إعجابه بحسن تفكيرها وسعة ثقافتها، فكان ذلك سببًا في أن يطلق الأمير عليها لقب “فريدة العصر”.
قدمت جريدة الأهرام لهذه “الجوهرة الفريدة”عروضًا سخية كي تنضم إلى أسرتها؛ ضمن هذه العروض، شقة في عمارة الأهرام، الكائنة في (١) شارع علوي، خلف مبنى جريدة الأهرام بوسط البلد.
اكتفت “مي” بالكتابة للأهرام دون أن تلتحق بها، لكنها مع إصرار رئيس التحرير الأستاذ “أنطون الجميل” (١٨٨٧-١٩٤٨) قبلت الانتقال مع أسرتها إلى (١) شارع علوي منذ (١٩٢٧-١٩٣٦).
عشقت “مي” بيتها الجديد؛ كعشقها لمنطقة وسط البلد. ولم يرد بخلدها يومًا أنها سوف تُنزَّع منه انتزاعًا، لكن ابن عمها الدكتور “جوزيف زيادة” خدعها مستغلًا ثقتها الزائدة، ضعفها، حالتها النفسية السيئة بعد فقدانها لوالديها. استطاع إقناعها بحاجتها إلى “تغيير هواء” في بيروت: “أسبوعان في جو عائلي، كفيلان لتحسن صحتك الجسدية والنفسية؛ تعودي بعدهما إلى شقتك ومصر التي تحبينها صحيحة البدن منشرحة القلب!”.
الأسبوعان امتدا إلى ثلاث سنوات؛ عانت خلالهم “نابغة الشرق” مأساة العصفورية عامًا ثم بدأت مرحلة إثبات سلامة عقلها، فحصلت على حكم بإلغاء الحجر عليها من محكمة بيروت. ثم عادت إلى مصر كي توقف الحجر المفروض عليها من المجلس الحسبي، فوجدت أن جريدة الأهرام قد استردت الشقة، بعدما تنازل عنها “جوزيف” ابن عمها حين كانت في العصفورية! كما اكتشفت أنه استولى على كل شيء تقريبًا!
في “مصر” بدأت “مي” الفتاة الناعمة الرقيقة رحلة بحث عن مأوى، فلم تجد غير شقة صغيرة في الطابق الأرضي بـ (١٦) حارة “أبو السباع”. لا تدخلها الشمس؛ فكانت تتألم من البرودة والرطوبة، خاوية من الأثاث، حيث لم ترك لها أبناء العم شيئًا من أثاث بيتها القديم، كما ضاعت مكتبتها العظيمة واختفت الكتب التي كانت تفخر بها وتعتز أيما اعتزاز! بعد عناء وطول انتظار خلت شقة في الطابق الثالث من العقار المتهالك فانتقلت إليها. عاشت “مي” التي كانت ملء الأسماع والأبصار ما تبقى لها من أيام صعبة في هذه الحياة وحيدة، منعزلة، وفارقتها حزينة منكسرة، في ظهيرة يوم الأحد ١٩ أكتوبر ١٩٤١!






















