كتابة وحوار: أسعد الجبوري
تاريخ ومكان الميلاد: 1937
تاريخ ومكان الوفاة: 31 ديسمبر 2021
كانت الخطوة الأولى من البحث عنه مؤلمة بعض الشيء، خاصةً أنها تصادفت مع مرور مواكب غفيرة من الشهداء، من حملة الأعلام والرايات والصور. ومع ذلك، تسلل إلينا الشاعر الفلسطيني خالد أبو خالد عبر ثقب كان موجودًا في تلك السماء.
التقيناه متعبًا وغاضبًا، وهو يحمل ملفات من أرشيف الأرض، مع منشورات ساخطة مضادّة للقتل والاستلزام والتجويع والإرهاب. حاولنا تهدئته بعد تصاعد غيمات من دخان التبغ المغرم به، بعد ذلك جلس معنا على مصطبة حجرية كانت منتصبة على الصراط المستقيم لتبادل الأحاديث.
وما إن توقف ذلك الطير «الجوسن» الذي كان واقفًا على كتف الشاعر عن الغناء، حتى بدأنا الحوار. فسألنا الشاعر خالد:
س: هل كنت من عشاق السباحة يا خالد أبو خالد؟
ج: نعم. وشيئًا بعد شيء تعلّمنا الرماية وركوب العواصف وصيد الذئاب.
س: وماذا عن القراءة والكتابة يا خالد؟
ج: أصبحنا نحن الفلسطينيين نخرجُ من أرحام القواميس ذات الأغلفة المتورّمة كمفردات ساخنة، بثياب حمراء مخططة بالأسود، ومعطّرة ببخار الزيتون المغلّي. كل مولد منا يتقن أحرف الأرض قراءة وكتابة.
س: هل ثمة طفولة للأزهار برأيك؟
ج: نعم. طفولة الزهرة تكمنُ في البذرة، وتتشكّل بترابنا لتبقى خارج الذبول والكساح والسكوت.
س: والشعر. أين تكمنُ طفولته يا خالد أبو خالد؟
ج: أعتقد جازمًا أن الشعر من معادن التراب الأولى. وربما تفرّعت عنه بقية الفلّزّات لتمنح الأرض معادن بقائها.
س: من أي تربة وُلدت فلسطين برأيك؟
ج: لقد جاءت فلسطين كعنصر خامس أضيف للرحم الحاضن للعناصر الأربعة، الأرض، الماء، الهواء، والنار والبارود.
س: كأن الفلسطيني مجبول بالبارود كمحرك لبقية العناصر الأربعة. هل ذاك ما تحاول قوله؟
ج: بالضبط. فلا الأرض تنام، ولا الماء يجفّ، ولا الهواء يختفي، ولا النار تبقى على الحياد دون الاندماج بالبارود كعنصر خامس.
س: هل هي الحاجة إلى الاشتعال؟
ج: نعم. لقد حاول الاحتلالُ اغتصاب العناصر الأربعة، فتحوّلت أجسادنا كتل ديناميت للمواجهة بتطهير البلاد من اللقطاء القتلة.
س: كأنك ترى ضرورة أن يولد الولد لفلسطيني وبجيبه مسدس بدلًا عن غصن الزيتون.
ج: بالضبط. هذا هو الخيار الثوري الاستراتيجي الأفضل، وربما الوحيد، في بلاد لم تعد ثلاجات مستشفياتها تكفي لاحتواء الشهداء وقتلى المحتل.
س: كيف يكون الشعر حربيًا برأي خالد أبو خالد؟
ج: أعتقدُ بأن عَسكَرة الشعر قد لا تحدث إلا في حالة واحدة: أن تُغتَصب اللغة وتُرمى بثيابها الدموية على الأرصفة.
س: هل تعتقد بأن اللغة كائن مقاوم؟
ج: تمامًا. اللغات التي لا تقاوم أمراض الوجود تصبح من الحكي الميت.
س: وما هي أمراض اللغة برأيك يا خالد؟
ج: القتل والظلام والعمالة والاغتصاب والجحيم. وكلُّ هذه الأمراض متوفرة في بلادي المحتلة وبما يفوق الاحتمال.
س: ما الذي تحملهُ ذاكرتك عن مسقط رأسك في «سيلة الظهر» في تلك البلاد المحتلة؟
ج: ما زالت مدينتي تراسلني وأراسلها من تحت التراب. فكلاهما لا ينسى تغريبته على الأرض ولا غربته في الحياة أو الموت على حدّ سواء.
س: هل تنتقلُ الغربةُ إلى داخل الجسد الشعري؟
ج: بالتأكيد. علمًا بأن ذلك الأمر فظيع إلى حد ما، لولا تأثيرات الغربة على الشاعر، حيث تساهم بتطوير مفاصل القصيدة وأدواتها.
س: كيف يتمكن الجحيم التغريبي من تطوير البعد النفسي لقصيدة الشاعر برأيك؟
ج: أخذنا نحن الفلسطينيين الأوسكار بعد دخولنا ذلك الجحيم منذ قرابة قرن من زمن إبادتنا الجماعية. لذلك تجد أرجلَ قصائدنا مغروسة بالتراب، ورؤوسها كالمصابيح المنارّة بقوة من ذلك الجحيم الذي استوطننا كالسلّ، دون أن ينسى الموتى الجحيمَ، ولا الجحيم ينسى قرابينه.
س: هل وفّر لك الشعرُ الأمانَ؟
ج: أنا لم أبحث يومًا عن الأمان في الشعر. اعتبرتهُ ناقلًا لقلقي وآلامي وتأملاتي، دون أن يأخذني التفكير بالضمانات الذاتية التي لم أجدها حتى وأنا في قبري.
س: هل يضايقك الموتُ الآن يا خالد؟
ج: نعم. فهو لم يستكمل تأثيث ضريحي بالمكتب والإنترنت والطابعة والكأس وخرائط أزمنة ما بعد الموت.
س: من المسؤول عن رفاهية الموتى لديك؟
ج: قيل لي إنه الشاعر الحمصي ديك الجن الذي عرفتُ عنه الكثير من القصص، خاصةً أنه أنهى محكوميته الخاصة بجريمة قتل زوجته وَرْد نتيجة مكيدة.
س: ما نظرتك لشعراء المقاومة؟
ج: كلهم تيجان. ومن تميز منهم، كان تاجًا مغبّرًا بتراب الميدان.
س: أنت عشت تجارب الكفاح المسلّح، ومنها التجربة الأردنية. فما الذي اكتسبته هناك؟
ج: عشتُ تفاصيل العمل العسكري وكتابة الأغاني والأناشيد التي تزيد من الارتباط بالأرض عبر الموروث الشعبي الفلسطيني. هذا بالإضافة إلى التمسك بمسيرة والدي الشهيد محمد صالح الحمد ونهجه الثوري.
س: والدك الذي ارتقى شهيدًا في معركة «دير غسانة» عام 1938؟
ج: بالضبط. أبي الذي غادر الحياة يوم كنت رضيعًا.
س: كيف كانت علاقتك بالطبيعة؟
ج: كانت علاقة تنافسية ما بين موجوداتها على التراب ومفرداتي على الورق. كلانا كان يتشرّب من الماء ليبقى حيًا.
س: هل تعتقد بأن الشعر لا يموت يا خالد؟
ج: ليس كلُّ شعر. هناك شعراء ماتوا وجوديًا قبل موتهم الكلينيكي.
س: وماذا رأيت في الشعر بعد الموت؟
ج: أنا أصبحت الآن بمثابة ذلك الراعي الذي يسرح بقصائده على الدروب وفي براري السموات. ثمة شعور باللذّة أن تعيش شاعرًا بين دفاتر السحاب.
س: كيف يحوّل الشاعرُ الغيوم إلى حبر ليكتب؟
ج: أنا استغنيتُ بالدمع عن الحبر.
س: وهل استغنيت بمهادنة السلطة الفلسطينية عن تجربة الحرب الشعبية التي تعلّمتها في فيتنام؟
ج: كلا. فلولا أمر ياسر عرفات بإيداعي سجن الهامة في دمشق عام 1971، لمضيت قدمًا بذلك المشروع.
س: هل فكرت بتأسيس تنظيم مسلّح في الآخرة حيث تكون الآن؟
ج: لا. لا يحتاج الشعراء إلى تلك التنظيمات هنا. تنظيف الأنفس من غبار الحروب هو المطلب الأول.
س: وما المطلب الثاني مثلًا؟
ج: زراعة الأنجم بعيدًا عن حقول البارود.
س: كيف ترى الأرض من علياء السموات يا خالد؟
ج: أراها غابة محترقة وشعوبًا يحملون جثثهم على صراط غير مستقيم.
س: وكم كان حجم تأثر مشاعرك بصورة الأرض المحروقة؟
ج: حاولت محو تلك الصورة عن ذهني وفشلت.
س: لماذا؟
ج: لأنني لا أريد تكرار ما كان معي على الأرض في هذه السموات الشاسعة مرة أخرى.
س: ما الذي يشغل ذهنك الآن؟
ج: أن لا يطول موت من أحب.
س: كيف ولماذا؟
ج: لأنني أريد لهم الانتقال إلى هذا العالم الآخر الجميل الخالي من الرعب والأمراض والسجون واللصوص والمتطفلين على الكتابة.
س: ماذا تركت بصندوق رأسك الأسود بعد الموت؟
ج: ثَمّة ذكريات تلاحقني وهي تنبض معي تحت التراب.
س: ذكريات عاطفية أم هي من الأشياء الأخرى؟
ج: لا أعرف كيف يمكنني تصنيفها. ولكنها في كلّ الأحوال من العواطف المسلّحة؟
س: هل تعتقد بوجود حروب عصابات في الحب يا خالد؟
ج: بالتأكيد. الشاعر مقاتل بصيغة الجمع ما بين السلاح والغرام والشغف والجنون والكتابة.
س: كيف يفكر الموتى برأيك؟
ج: حين يصابون بالتوحّد.
س: هل شعرت يومًا بالندم وأنت تحت التراب؟
ج: نعم. نسيت أن آخذ لله التصاوير عن خرائط العودة التي نؤمن بها.
س: هل تحلم بالعودة إلى دمشق؟
ج: أنا أخذتُ معي الشام للتنزه في أعالي السموات ولتتنفس الأوكسجين أكثر.
س: هل كتبت شيئًا بعد طيران جسدك من تحت التراب؟
ج: نعم. اسمع هذا النص:
يمرّ بي الموتى لُحومًا مُعلّبة،
فيما تملأ السموات أجسادُ الشهداء كأعمدة
نار.
قاماتٌ تلبس الأناشيد أثوابًا،
وبأقدامهم تمشي الأنهرُ على التراب والخرائط.
هل نحن من صخور الجبال؟
يسألُ الفدائي
فترمي الشمسُ جمراتها
لنحتسي من دمها لتشرق للأبد.
هنا أوان الأمل.
لذلك تأتي الشاحناتُ لنقلنا مع ظلال الغابات وبنادق
العساكر.
ليس من وقت هنا،
الفصول الأربعة لا تذبل.
والموسيقي لم يعثر على لعبته بعد ليكون.
كنت أعرف قلبي.
والآن أحدّق في المرآة فلا أرى وجهي.
أنا الابن العظيم للألم.
وهويتي عدم النسيان.
















