حين تصبح السلطة حارساً للخيال

د. أحمد فاتح محمد

في كتابه القيم “تأريخ القراءة” يلتفت إلينا ألبرتو مانغويل بعبارته الشهيرة ليذكرنا بأن القراءة في جوهرها لم تكن يوماً مجرد نزهة مريحة في بساتين الحروف، بل هي فعل استرداد للذات، ومحاولة واعية للانفلات من أسر الواقع الرتيب واليومي المحاصر.

هذا الوعي الإنساني المتقد يجرنا مباشرة إلى تلك المنطقة الشائكة والمرعبة في تاريخ الفكر البشري. المنطقة التي تقف فيها السلطة، مدججة بآلياتها الصلبة وبأغلادها ويقينها المطلق، على أبواب الفكر الخلاق، لتتحول من دور المراقب الجاف للواقع المشهود إلى دور الحارس المفترض للمخيلة والخيال الإنساني الرحب، محاولةً إعادة واقع الحلم قبل أن يولد.

إن تاريخ الفكر الإنساني في عمقه الفلسفي والوجودي، ليس سوى صراع سرمدي لا يهدأ بين مجازات الروح الطليقة وعقلية المنع والترتيب والتحجيم. وحين يقرر السياسي أو المشرع أن يمد يده إلى فضاء المخيلة، فإنه لا يستهدف النص المكتوب في حد ذاته كبنية لغوية، بل يستهدف تلك القدرة البشرية الفريدة على تصور عالم بديل، عالم لا يخضع لتراتبية الطاعة العمياء ولا يلتزم بحدود الخريطة الرسمية المرسومة بدقة. الخيال هو الفضاء الأنطولوجي الوحيد الذي يملك فيه الكائن البشري سيادة كاملة وحقيقية على كينونته وهويته، ولهذا السبب تحديداً يبدو مرعباً لكل سلطة تؤمن بأن الاستقرار الاجتماعي والسياسي لا يتحقق إلا بتوحيد الضمائر وصهر العقول الفردية في قالب نمطي واحد.

في مسرحية الحياة حلم للكاتب الإسباني كاليرون دي لا باركا، نجد تفكيكاً عميقاً لمفهومي الأسر والحرية، وكيف يمكن للمخيلة أن تصبح الملاذ الأخير للإنسان حين تضيق به جدران الواقع وقوانينه الجائرة والباردة. الخيال هنا ليس مجرد أداة واهية للهروب السلبي، بل هو أداة كبرى للمقاومة الوجودية والشهادة على العصر. وعندما تحاول المؤسسة تدجين هذا الخيال، وتحويله إلى وظيفة اجتماعية مروضة أو أداة لتبرير الوضع القائم، فإنها تفرغ الكائن من معناه الإنساني والروحي، وتحوله إلى مجرد رقم هامد في معادلة البقاء البيولوجي الباردة.

بيد أن هذا الحارس لم يعد يرتدي معطفه التقليدي القديم فحسب بل تلبس في عصرنا الراهن برداء التكنولوجيا والخوارزميات الرقمية الحديثة. لقد تحولت الرقابة من فكرة المنع الفيزيائي الصارم للكتب إلى منظومة غير مرئية من الرقابة الرقمية التي تتسلل إلى أعماق المخيلة. إن الخوارزميات اليوم تعمل بمثابة الحارس الخفي الذي يعيد توجيه الشغف البشري، ويحصر التفكير الإنساني في دوائر ضيقة من التشابه والاستهلاك والأنماط المعادة، مما يخلق عزلة جديدة ومحاصرة إلكترونية ناعمة تقتل في الروح رغبة التمرد الجمالي والخروج عن القطيع.

إن خطورة هذا الحارس المتجدد لا تكمن في قدرته الفجة على مصادرة الكتب أو حبس الشعراء والمفكرين في زنازين ضيقة، بل في محاولته الفلسفية لترتيب العقول من الداخل بحيث تصبح عاجزة ذاتياً عن الحلم خارج الإطار المسموح به والمحدد سلفاً. إنه يريد تحويل الخيال الفطري العارم إلى حديقة منسقة ومسورة بعناية، بدلاً من أن يكون غابة بكر لا تحدها حدود أو أسوار. ولكن، وكما علمنا الفيلسوف باروخ سبينوزا في أطروحته الشهيرة عن اللاهوت والسياسة، فإن القوانين مهما بلغت صرامتها وقوتها لا يمكنها أبداً أن تحكم الضمائر الحرة أو تمنع الفرد من التفكير والتحليق بطريقته الخاصة والمستقلة.

يظل الحبر، في لحظة تجليه الأدبي الأسمى، عصياً على التدجين والاحتواء، وتظل المخيلة الإنسانية متيقظة وقادرة باستمرار على ابتكار فجواتها الخاصة وسط جدار اليقين الحجري السميك. إنها معركة الكينونة الأبدية ضد الجمود، حيث يثبت مسار التاريخ دائماً أن الحارس يتعب ويسقط وتتلاشى أدواته، بينما يظل الخيال الإنساني حرّاً طليقاً، يجدد نسغ الحياة والحرية في عروق البشرية ويهدي الأدب خلوده المنتظر.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع