مذابحُ الأشجارِ.. قطائعُ جديدةٌ مع الشِّعر!

عبد الرحيم طايع

عبد الرحيم طايع

بعيدا تماما الآن عن العواقب الوخيمة لقطع الأشجار بلا سبب (القطع الجائر كما يسمونه، أو ذبح الأشجار)، أعني المخاطر البيئية والمناخية، والمخاطر الصحية والإنسانية، وأخيرا المخاطر الاقتصادية، وأظنها مخاطر معروفة ومفهومة ومذكورة، ومرتبة بتفاصيلها، بعيدا عن كل ذلك، فإنني رأيت الشعر شجرة من الأول، نظرت إليهما بتمعن، أي الشعر والشجرة، فرأيت الثمرتين البارزتين منهما بمثابة عبارة واحدة دقيقة ورقيقة، ومشحونة بالدلالات الغزيرة الفخمة، وعليه فإن قطع شجرة يساوي قطيعة مع الشعر (القطيعة: الهجران والصد)، وما أكثر القطائع معه!

آخر مذبحة للأشجار كانت في شارع جامعة الدول العربية؛ وربما لأنه شارع شهير بمحافظة الجيزة التي تتضمنها عاصمتي المصرية القاهرة (يقع في منطقتين حيويتين هما المهندسين والعجوزة) ويمتد من شارع السودان شرقا حتى ميدان سفنكس غربا، ويعج بالمعالم الأيقونية المتهافت عليها؛ فإن ما جرى فيه من إهلاك الأشجار كان مدويا، وصحيح أن الفعل البغيض كان مسبوقا بأفعال شبيهة في أماكن كثيرة أخرى، وبدون أسباب واضحة أيضا، إلا أن تميز الشارع المشار إليه جعل الموضوع كبيرا هذه المرة…

الشعر، كما ينبغي لكلام أن يسمى شعرا، شجرة طبعا، أرى الأمر بديهيا، فظاهره أخضر كظاهرها، وقلبه يحوي عصافير تحويها، والعصافير شروق شمس، وحرية، وموسيقى وغناء، وهذا جميعه خير يمكن أن تبدأ به الأيام متفائلة، ونحن نحب أن تبدأ أيامنا متفائلة.

القطائع مع الشعر وافرة أصلا، لا سيما في السنوات العجاف، وهذاك وصف سنواتنا الحالية بامتياز، ولم نكن في حاجة إلى مزيد من عدم التواصل معه، نظير  الارتياب فيه، فأغلب الناس انصرفوا عن الشعر إلى “أكل العيش” بعد أن ساءت معيشتهم، وعزز ذلك الانصراف انشغال بعض الشعر بنفسه بحكم التطورات الزمنية وما يحاذيها من نزعات التجريب، لكنهم، للأمانة، قاربوا الشيء البسيط الذي وجدوه في كتابات لم تتأثر بأنواء التغيير كالشعر رافع لواء التمرد ومتقدم صفوف الفن والإبداع على الدوام؛ فحافظت على بكارتها المفترضة، ولو نسبيا، كذلك وجد الناس ضالتهم البسيطة في ثرثرة المتنزهات والأسواق والمقاهي والأندية، وفي متابعة محتويات الهواتف والفضائيات التلفزيونية.

لا أناقش هنا تقلبات الاقتصاد الحادة في العالم، لا سيما في بلادنا قليلة الحيلة والعدالة، وكم هي مزعجة ومؤسفة وعاصفة بالسواد الأعظم من الخلق، ولا أناقش ما طرأ على الشعر فغربه عن قرائه ومتلقيه بمعنى ما، ولا أناقش، بالتأكيد، تفاهة أعداد هائلة من المعتبرين نجوما ورموزا وقدوات، لكنهم ضللوا جموعا كبيرة من البشر، ونقلوا إليهم عدوى تفاهتهم؛ إذ حرصوا على ترويج السخف والابتذال والهامشية، إنما أناقش الفأس أو المنشار الكهربائي الذي في قبضة السفاح العابث عدو الوجود الفسيح الملهم الذي نتنفسه، تلك الأداة التي تضرب جذوع الأشجار بلا داع، وبلا رحمة، فيزداد الطين بلة فوق بلته!

اللون الأخضر، أكثر الألوان إراحة للعين تقريبا ينسحب من العناوين (تكون عين الإنسان أكثر حساسية لطوله الموجي في ظروف الإضاءة الطبيعية)، وفي المستقبل القريب حروب مياه لا مفر منها، ستكون رهيبة بالضرورة، وربما فقدنا في إثرها النهر بجلال قدره، وأما الوجه الأنثوي الحسن، ثالث ثلاثة الجمال مذهبات الحَزَن، فقد أغوته المرآة والمساحيق الخداعتين؛ فأدمن أن يفرغ أوقاته لهما، ويظهر على أصدائهما ظهورا مبالغا فيه كأنه البلياتشو، ويظن نفسه صاحب التجلي الوقور وكامله مع ذلك، وهكذا جرتاه إلى أرضهما الزائفة، وضحكتا عليه، وأتلفتا رونقه التلقائي!

ما الذي يجلو عن القلب الحَزَن إذن يا رفاق؟

قال الشاعر: “ثلاثة تجلو عن القلب الحَزَن… الماء والخضرة والوجه الحسن”.

 

 

 

 

 

 

 

شاعر وكاتب مصري أصدر اثني عشر كتابا، تنوعت بين الشعري والنثري، منها: ـ اخترت القطار للسفر ـ وجه كبير مخيف…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع