محمد ممدوح
قارئى المجهول الذي لا أعرفه، أسمّيكَ قارئاً بلفظ المفرد مجازاً، مع أنكم كثيرون: منذ خمسة آلاف عام، قرأ أسلافكم لأول مرة أحرفاً مدوّنة على ألواح طينية فأصابتهم الدهشة؛ حتى إن بعضهم فَقَدَ النطق لعدة أيام، لقد أصبحتْ لأشياء عالمهم أسماء من أحرف بأصوات مُميَّزة، يردِّدونها فى الساحات وعلى ضفاف الأنهار.
بمرور السنوات: جُمِعتْ خرافات، وفلسفات، واختراعات، وقوانين، بين دفتىّ كُتُبٍ متقنة التجليد؛ فنام مؤلفوها مطمئنين على أفكارهم التى وجَدَتْ بيتها بعد تجوالها المرير.
نوم الكتب كان قَلِقاً، نَظَرتْ بحسدٍ للأسطر فى أحشائها، وهدَّدتْ بلفظها للخارج، حيث تفقد الكلمات منطقها فتقتل بلا رحمة، لتُمَدَّ الأرفف بطول جدران العالم، وخَلَقتْ القراءة عوالم موازية فى عقول مدمنيها، فتضاءل أمامها الواقع إلى متوالية أيام بلا معنى.
لكن القراءة لم تكن بهذا الكرم تجاه فئة بعينها، دَفَعَها حُمقها لتكديس الكتب دون قراءتها؛ فَثَبَت عالمهم المُسطَّح عند نقطة لم يتجاوزها: التقاطِ كلمة من ظهر غلاف، أو منتصف فصل، والأسوأ، تكوين فكرة عن كتاب من فم متحدث، خَلْفَ شاشة أو محطة إذاعية، كوَّنَ قراءته المُدَّعاة بذات الطريقة.
أيتها الأفكار، فى أى كتاب كنتِ، أشعر بألمك وتقززك، عندما يلتقطك ألسنة هؤلاء الحمقى بدم بارد، يعرضون جسدك مشوَّهاً أمام آخرين، يدَّعون أنهم يعرفونه عضواً عضواً.
لكنننى أيتها الأفكار ألتقطُ، كذئب مختبئ خلف مكتبته، رايةَ نصركِ مُكَّللاً بدموع الفرح، عندما أكتشف جريمة تشويه جسدكِ الذى أعرفه من مبدئه لمنتهاه، قاطعاً ألسنة الحمقى، وماحياً ضلالتهم، لتعودى كما كنتِ أرقاً موجعاً فى أعينهم: غرباء مُدَّعين، ومتطفلين على مائدة لم تكن يوماً لهم.










