الراوي

هيكتور هيو مونرو

هيكتور هيو مونرو

ترجمة: ممدوح رزق

ظهيرة حارة، وعربة القطار خانقة. كانت المحطة التالية في تمبلكومب[1]، على بُعد ما يقرب من ساعة. ركاب العربة فتاة صغيرة، وبنت أصغر، وولد أقل عمرًا. كانت عمة الأطفال تحتل أحد المقاعد في الزاوية، والمقعد الآخر في الركن المقابل يشغله شاب غريب عنهم، لكن الفتاتين والولد كانوا يسيطرون بوضوح على المقصورة. العمة والأطفال يتحدثون بطريقة مقتضبة ومتواصلة، تذكرك بحماس ذباب منزلي يرفض أن تثبط عزيمته. بدا أن معظم عبارات العمة تبدأ بـ “لا”، وتقريبًا كل تعليقات الأطفال تبدأ بـ “لماذا؟”. ظل الشاب محتفظًا بصمته.

“لا يا سيريل، لا”، صاحت العمة، عندما بدأ الصبي الصغير يلكم وسائد المقعد، مُطلِقًا سحابة غبار مع كل ضربة.

“تعال وانظر من النافذة”، أضافت.

تحرك الولد بتردد نحو النافذة. “لماذا يخرجون الخراف من ذلك الحقل؟”، سأل.

“أتوقع أنهم يُساقون إلى حقل آخر، حيث يوجد المزيد من العشب”، قالت العمة بوهن.

“لكن هناك الكثير من العشب في ذلك الحقل”، احتج الصبي. “لا يوجد شيء سوى العشب هناك. يا عمتي، هناك الكثير من العشب في ذلك الحقل.”

“ربما يكون العشب في الحقل الآخر أفضل”، اقترحت العمة بسذاجة.

“لماذا هو أفضل؟”، ارتد إليها سؤاله الحتمي على الفور.

“أوه، انظر إلى تلك الأبقار!” صاحت العمة. كل حقل تقريبًا على طول الطريق يحتوي على

أبقار أو ثيران، لكنها تحدثت وكأنها تلفت الانتباه إلى شيء نادر.

“لماذا العشب في الحقل الآخر أفضل؟”، أصر سيريل.

العبوس يزداد عمقًا على وجه الشاب ليتحوّل إلى تقطيبة. بدا للعمة حينئذ رجلاً قاسيًا وغير متعاطف. كانت عاجزة تمامًا عن التوصل إلى قرار مُرضٍ بشأن العشب في الحقل الآخر.
خلقت الفتاة الصغيرة حالة من التشتيت عندما بدأت في إلقاء قصيدة “على الطريق إلى ماندالاي”[2]. كانت تحفظ السطر الأول فقط، لكنها استخدمت معرفتها المحدودة إلى أقصى حد ممكن. كررت السطر مرارًا بصوت حالِم، لكنه حازم ومسموع للغاية؛ بدا للشاب وكأن أحدهم قد راهنها بأنها لا تستطيع إعادة هذا السطر بصوت عالٍ ألفي مرة دون توقف، ومن المرجح خسارته لذلك الرهان.

“تعالوا إلى هنا واستمعوا إلى قصة”. رمق الشاب العمة وحبل الطوارئ في سقف العربة بنظرة واحدة.
تحرك الأطفال بفتور نحو طرف العربة حيث تجلس العمة. من الواضح أن سمعتها كراوية قصص لم تكن طيبة في تقديرهم.

بصوت منخفض وشاحب، تقطعه بين الحين والآخر أسئلة صادحة، متذمرة، من مستمعيها؛ بدأت في سرد قصة غير مبتكرة، مؤسفة، وغير مشوّقة عن بنت صغيرة، مؤدبة، صادقت الجميع بقلب صاف، وفي النهاية أنقذها البعض من ثور هائج لأنهم أعجبوا بأخلاقها الحميدة.

“أما كانوا سينقذونها لو كانت بنتًا سيئة؟” سألت أكبر الفتاتين. كان هذا بالضبط السؤال الذي أراد الشاب أن يطرحه.

“حسنًا، نعم”، اعترفت العمة بتردد. “لكن لا أعتقد أنهم كانوا سيركضون لمساعدتها بهذه السرعة لو لم يكونوا يحبونها كثيرًا.”

“إنها أغبى قصة سمعتها في حياتي”، قالت أكبر الفتاتين بقناعة راسخة.

“توقفت عن الاستماع بعد الجزء الأول، كان مملًا جدًا”، قال سيريل.

أما الفتاة الأصغر فلم تعلق فعليًا على القصة، لكنها منذ زمن بعيد بدأت تردد مجددًا، بصوت خافت، عبارتها الوحيدة من القصيدة.

“يبدو أنكِ لست راوية قصص جيدة”، قال الشاب فجأة من ركنه.

انتفضت العمة تدافع عن نفسها فورًا أمام هذا الهجوم غير المتوقع.

“من الصعب جدًا أن تروي قصصًا يمكن للأطفال فهمها وتقديرها في آن واحد”، قالت بجفاء.
“لا أتفق معكِ”، قال الشاب.

“ربما تود أن تروي لهم قصة”، ردت العمة بتحدٍ هازئ.

“احكِ لنا قصة”، طالبت أكبر الفتاتين.

“كان يا ما كان في قديم الزمان”، بدأ الشاب، “فتاة صغيرة تدعى بيرثا، وكانت طيبة بشكل استثنائي.”

بدأ اهتمام الأطفال الذي أُثير للحظة يخبو على الفور؛ كل القصص بدت متشابهة بشكل مضجر، بغض النظر عمّن يرويها.

“كانت دائمًا صادقة، وتفعل كل ما يُطلب منها، تحافظ على نظافة ملابسها، وتأكل بودينغ الحليب كما لو كان فطائر بالمربى، وتتعلم دروسها بإتقان، كانت مهذبة في كل تصرفاتها.”

“هل كانت جميلة؟” سألت أكبر الفتاتين.

“ليست جميلة مثل أي واحدة منكن”، قال الشاب، “لكنها كانت جيدة بشكل مروّع.”

تفجرت موجة تجاوب مع القصة؛ كان اقتران كلمة “مروّع” بالصلاح شيئًا جديدًا استحسنه الجميع. بدا أنها تضيف لمسة من الصدق كانت غائبة عن حكايات العمة حول حياة الأطفال.
“كانت جيدة جدًا”، تابع الشاب، “لدرجة أنها فازت بميداليات عدة جزاءً لصلاحها، وكانت تثبّتها دائمًا على فستانها: ميدالية للطاعة، وأخرى للانضباط في المواعيد، وثالثة لحسن السلوك. كانت الميداليات معدنية كبيرة، وتصدر رنينًا قويًا عند احتكاكها ببعضها أثناء سيرها. لم يكن هناك أي طفل آخر في مدينتها لديه ثلاث ميداليات، لذا كان الجميع يعلم أنها طفلة جيدة بشكل غير عادي.”
“جيدة بشكل مروّع”، اقتبس سيريل.

“وصل حديث الناس عن أخلاقها إلى أمير البلاد؛ فقرر أن يسمح لها بالتنزه في حديقته مرة واحدة في الأسبوع مكافأة لها. كانت حديقة جميلة، تقع خارج المدينة مباشرة، ولم يكن يُسمح لأي طفل بدخولها أبدًا؛ لذا كان شرفًا عظيمًا لبيرثا أن يتاح لها الذهاب إلى هناك.”
“هل كان هناك أي خراف في الحديقة؟” سأل سيريل.

“لا”، قال الشاب. “لم يكن هناك خراف.”

“لماذا لم يكن هناك أي خراف؟” كان سؤالًا بديهيًا.

ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه العمة …

“لم يكن هناك خراف في الحديقة”، قال الشاب. “لأن والدة الأمير حلمت ذات ليلة بأن ابنها سيُقتل، إما بواسطة خروف أو بواسطة ساعة كبيرة تسقط على رأسه. ولهذا السبب لم يحتفظ الأمير بأي خروف في حديقته أو ساعة في قصره.”

كتمت العمة شهقة إعجاب …

“هل قُتل الأمير بواسطة خروف أم بواسطة ساعة؟”، سأل سيريل.

“هو لا يزال حيًا، لذلك لا يمكننا أن نعرف ما إذا كان الحلم سيتحقق أم لا”، قال الشاب دون اكتراث. “على أي حال، لم يكن هناك خراف في الحديقة، لكن كان هناك الكثير من الخنازير الصغيرة تركض في كل مكان.”

“ما لونها؟”

“سوداء بوجوه بيضاء، بيضاء ببقع سوداء، سوداء بالكامل، رمادية ببقع بيضاء، وبعضها أبيض كليًا.”
توقف الراوي ليترك الحديقة تتوطد في خيال الأطفال، ثم تابع:

“كانت بيرثا حزينة نوعًا ما عندما اكتشفت أن الحديقة لا تحوي أزهارًا. وعدت عماتها، والدموع في عينيها، بأنها لن تقطف أيًا من أزهار الأمير الطيب، وكانت تعني ذلك حقًا، لذا شعرت بسخافة الأمر عندما اكتشفت عدم وجود أزهار من الأصل”.

“لماذا لم تكن هناك أزهار في الحديقة؟”

“لأن الخنازير أكلتها كلها”، قال الشاب بسرعة. “أخبر البستانيون الأمير بأنه لا يمكنه الاحتفاظ بالخنازير والأزهار معًا؛ لذا قرر أن يملك الخنازير دون الأزهار.”

سرت همهمة رضا على حكمة قرار الأمير؛ فالكثير من الناس كانوا سيقررون العكس.
“كانت هناك أشياء أخرى كثيرة ورائعة في الحديقة: بحيرات صغيرة تسبح بها أسماك ذهبية وزرقاء وخضراء، أشجار تتنقل بينها ببغاوات جميلة، تردد عبارات ذكية بين لحظة وأخرى، وطيور طنانة، تشدو بألحان مميزة. كانت بيرثا تمشي ذهابًا وإيابًا، بمتعة فائقة، ثم فكرت: ‘لو لم أكن جيدة بشكل استثنائي لما سُمح لي بالدخول إلى هذه الحديقة الباهرة، والاستمتاع بكل ما يمكن رؤيته فيها’. كانت ميدالياتها الثلاث تتصافح أثناء سيرها، وتذكرها بمدى طيبتها. في تلك اللحظة تسلل ذئب ضخم إلى الحديقة، مستكشفًا إن كان بمقدوره الإمساك بخنزير صغير سمين ليتعشى به.”

“ما لونه؟” سأل الأطفال بتصاعد فوري في الاهتمام.

“كان بلون الطين كاملًا، وله لسان أسود وعينان رماديتان، باهتتان، تلمعان بوحشية لا توصف. بيرثا هي أول ما أبصره الذئب في الحديقة؛ كان مريولها أبيض ونظيفًا، لدرجة أنه كان يمكن رؤيته من مسافة بعيدة. رأت بيرثا الذئب يتسلل نحوها، فتمنت لو لم يُسمح لها أبدًا بالمجيء إلى هناك. ركضت بأقصى ما تستطيع، وتبعها الذئب بقفزات هائلة. تمكنت الفتاة من الوصول إلى شجيرات الآس[3]، واختبأت في واحدة من أكثرها كثافة. جاء الذئب يتشمم بين الأغصان، ولسانه الأسود يتدلى من فمه الجائع، وعيناه الرماديتان، الباهتتان، تبرقان بالغضب. كانت بيرثا خائفة جدًا، وقالت لنفسها:’ “لو لم أكن جيدة للغاية بشكل استثنائي، لكنت الآن في أمان داخل المدينة”. مع ذلك، كان عبير الآس قويًا جدًا، لدرجة أن الذئب لم يستطع أن يلتقط رائحة بيرثا، والشجيرات كذلك كانت كثيفة للغاية، حتى أنه قضى فترة طويلة في البحث دون أن يراها، فظن أنه من الأفضل أن يذهب ويصطاد خنزيرًا صغيرًا بدلاً منها. كانت بيرثا ترتجف بشدة، وأنفاس الذئب تحوم بالقرب منها. فجأة، اصطدمت ميدالية الطاعة بميداليتي حسن السلوك والانضباط في نفس الوقت. كان الذئب على وشك الابتعاد عندما سمع صوت الميداليات فتوقف لينصت. انبعث رنين الاصطدام بين الميداليات مرة أخرى عبر شجيرة قريبة منه فاندفع إلى داخلها، وعيناه الرماديتان تومضان بشراسة وانتصار. جذب الذئب بيرثا إلى الخارج والتهمها حتى آخر قطعة. لم يتبق من الفتاة إلا حذاؤها، وقصاصات من ملابسها، وميداليات الطيبة الثلاث”.

“هل قُتل أي من الخنازير الصغيرة؟”.

“لا، هربت جميعها.”

قالت أصغر الفتاتين: “بدأت القصة بشكل سيء، لكنها انتهت نهاية جميلة.”

قالت أكبر الفتاتين بحسم: “هذه أجمل قصة سمعتها في حياتي.”

قال سيريل: “إنها القصة الجميلة الوحيدة التي سمعتها في حياتي.”

جاء رأي العمة مُخالِفًا:

“إنها قصة غير لائقة تمامًا كي تُروى للأطفال الصغار! أنت قوّضت تأثير سنوات من التعليم المتفاني”.
رد الشاب وهو يجمع أغراضه استعدادًا لمغادرة العربة: “على أي حال، أبقيتهم هادئين لمدة عشر دقائق، وهو أكثر مما استطعتِ أنتِ فعله.”

وبينما كان يمشي على رصيف محطة تمبلكومب قال لنفسه: “يا لها من امرأة تعيسة! خلال الأشهر الستة القادمة تقريبًا، سوف يهاجمها هؤلاء الأطفال في الأماكن العامة بطلب الاستماع إلى قصة غير لائقة!”

…………………………………………………….

[1] قرية تاريخية تقع في مقاطعة سومرست بجنوب غرب إنجلترا.
[2] قصيدة “على الطريق إلى ماندالاي” (On the Road to Mandalay) هي أشهر أعمال الشاعر البريطاني روديارد كيبلينج، ونُشرت لأول مرة عام 1890.
[3] الآس، المعروف أيضاً باسم الياس أو الريحان، هو شجيرة أو شجرة صغيرة دائمة الخضرة، تُعرف بجمال أوراقها اللامعة، ورائحتها العطرية الفواحة، وأزهارها البيضاء الرقيقة، وثمارها التوتية الصالحة للأكل.

ممدوح رزق

229 مقال
كاتب وناقد مصري. صدرت له العديد من المجموعات القصصية والشعرية والروايات والمسرحيات والكتب النقدية كما كتب سيناريوهات لعدة أفلام قصيرة.…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع