قُدَّاس لطفل لم يولد بعد.. مناجاة مؤلمة للذات

محمد ممدوح

تُعد رواية «قُدَّاس لطفل لم يُولد بعد» الجزء الأخير فى ثلاثية الروائى المجرى إمره كيرتيس (1929م – 2016م)، نوبل 2002م؛ فقد سبقتها روايتا «لا مصير» (1975م)، و«فَشَل» (1988م)، حيث تناولتا حياة الصبى «جورج كُفَش» فى معسكرات الاعتقال، وكاتباً فى منتصف العمر يجاهد لكتابة روايته الأولى ونشرها، متأثراً بتجربته.

تتجاوز رواية «قُدَّاس» مفهوم الرواية المعتاد؛ أى تقسيمها إلى فصول، وحَدَث يتطور درامياً بتأثير حركة الشخصيات، تظهر هنا كمحطات فى حياة الروائى والمترجم المجرى «B»، التى لا ترتبط بتطوّر الحدث، وإنما كشاهد على مأساة إنسانية يُعاد تناولها بزوايا مختلفة للإلحاح على وجهة نظر الكاتب وتأكيدها.

الرواية/النص تأمُّل فلسفى عميق للوجود الإنسانى تتدفق خلاله أفكار وذكريات ومشاعر الكاتب دون كابح، فى مناجاة/قُدَّاس مطوَّل وحزين لطفله الذى لم يولد بعد، وهنا مفارقة العنوان السوداوية من زاوية أنَّ القُدَّاس/الكاديش صلاةٌ للموتى الذين كانوا على الأرض، ليصبح الطفل جزءاً من ذات الكاتب ومرآتها.

«لا»، شعار صرخت به ذات السارد طوال مناجاته المؤلمة، كرفض قاسٍ  بوجه مَن يسأله: “هل عندك أطفال؟”، سواء من الدكتور أوبلاث أستاذ الفلسفة أثناء التنزُّه فى سلسلة تلال مجرية متواضعة نزيلاً فى ملتقى كتّاب مبدعين”، أو من زوجته السابقة طبيبة الأمراض الجلدية التى انفصل عنها بسبب رغبتها فى الإنجاب.

ثلاثة مصادر شكّلتْ رؤية الذات الساردة فى مناجاتها المؤلمة: الطفولة، الصبا، وكونه يهودياً وكاتباً؛ فمشهد المرأة اليهودية الصلعاء فى طفولته، الجالسة بروب أحمر أمام مرآة، جعله يرى الحقيقة الغامضة لكونه يهودياً. ونجاته صبياً من تسرُّب غاز معسكرات الاعتقال، كذكرى قُدَّاس البشرية الأسود، أشعرته بذنب البقاء حيَّاً، بالقدر الذى كان به شريكاً بالقدوم إلى العالم.

حتّى الكتابة –ملاذ الكاتب الأخير وإرادته المبصرة– يكون مصيرها الفشل؛ لأنّ العالم مسخٌ صنعته الإنسانية؛ لذا لم يطمح أن يكون كاتباً مجريّاً ناجحاً فى نظام شمولىّ أعمى تقوم افتراضاته على العدم، بقدر ما جعل قلمه مجرفةً تشق قبره فى السماء، تلويحة تحذير لطفلٍ لن يأتى.

فلا يريد له أن يكون يهودياً: “حتى لا يضطر للمشى أمامه مطأطئ الرأس”؛ فليس لديه، كأب، ما يقدمه، بما أنَّ يهوديته لا تعنى له شيئاً، ولكنها تعنى كل شىء كتجربة: “فقد اكتفى من القتلة ومنكري الحياة، حين يُنصِّبون أنفسهم دعاة للحياة”. يُعيد الكاتب تأكيدها بشكل أكثر حسماً: “إنّ ما عانيته في طفولتى يجب ألاّ يعانيه طفلٌ قط!.

…………………..

*صدرتْ الطبعة الأولى بالمجرية 1990م، وترجمها للإنجليزية تيم نيكلسون، 2004م، فينتاج بوكس، نيويورك.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع