دراسة في النقد الثقافي

اعتدال عثمان

اعتدال عثمان

ظهر مؤخرا اهتمام واسع بما يطلق عليه ” النقد الثقافي ” في مجال الدراسات الأدبية، ومن أبرز الإصدارات في هذا الصدد كتاب صدر حديثا ( 2022) تأليف الدكتور سيد إسماعيل ضيف الله بعنوان  “صورة الشعب بين الشاعر والرئيس”. يعتمد الكتاب على أطروحة دكتوراه في الآداب حصل عليها المؤلف من جامعة القاهرة، وكانت بعنوان ” أشعار فؤاد حداد من منظور النقد الثقافي”.

يكتسب الكتاب جاذبية خاصة لدى القارئ العادي لأنه يتناول شاعر العامية الفذ فؤاد حداد الذي طالما أمتع قراء شعره بما يتجاوب مع الوجدان الشعبي في أبرع تجلياته، كما حظى بإقبال جماهيري واسع من جانب المستمعين المتابعين لأشعاره في برنامج ” المسحراتي ” الذي كان يقدم في الإذاعة المصرية لسنوات.

وعلى الرغم من حضور الشاعر في حياته وبعد رحيله في الوجدان الشعبي والأرشيف السمعي المسجل، فإن القليل من الدراسات المعمقة تناولت سجله الإبداعي بما يستحقه من البحث الرصين. وترى الدكتورة فريال غزول – أستاذة الأدب الإنجليزي والبلاغة المقارنة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة – في تقديمها للكتاب أن فؤاد حداد مهمش نقديا، وإن كان مركزيا في الساحة الشعرية، وتحديدا في ساحة الشعر المكتوب بالعامية المصرية.

ربما لهذا السبب يكتسب الكتاب أهمية خاصة لأنه يقدم دراسة أكاديمية عن أحد رواد شعر العامية، وذلك إلى جانب ما تطرحه الدراسة من تناول جاذب لاهتمام الباحث أو الدارس المتخصص في مجال النقد الأدبي لأنها تقوم على توظيف نهج أدبي حديث، أصبح يعرف بالنقد الثقافي. وجدير بالذكر هنا أن هذا التوجه الجديد في مجال النقد الأدبي يطلق عليه مصطلح ” نهج ” أو ” مسار ” عوضا عن ” منهج ” أو “مدرسة” لأنه يعتمد على علوم معرفية متعددة تتداخل فيما بينها لتضيء النص.

إن ” النقد الثقافي ” من هذا المنطلق أقرب ما يكون إلى مساحة تتسع لتشمل توجهات نقدية وفكرية تتقاطع فيما بينها، لهذا السبب لا يقدم النقد الثقافي نفسه باعتباره منهجا أو مذهبا نقديا ينافس المناهج النقدية التي عُرفت في تاريخ النظريات الأدبية، وإنما يقدم نفسه بوصفه ” نهجا” للنظر في كل ما تنتجه الثقافة من نصوص، سواء أكانت مادية أم فكرية، ومن ثم فإن ” النقد الثقافي ” نهج يستعين بالنظريات والمفاهيم والنظم المعرفية لبلوغ غايات ثقافية أكثر شمولا وإحاطة، تتيح الاقتراب من فعل الثقافة بتنويعاته المتعددة في المجتمعات المختلفة.

وبناء على هذا التصور ينطلق الكتاب من قراءة متمعنة وفاحصة للغة فؤاد حداد الشعرية العامية بظلالها ومجازاتها، بينما تستبطن هذه القراءة أيضا مواقف الشاعر إزاء القضايا الحياتية والسياسية والفكرية في أدق تفاصيلها، وتشرح مكنوناته النفسية، وتفسر تحولاته بما فيها من تناقضات ظاهرية، بينما تسعى في الوقت نفسه لاستكشاف هواجس الشاعر خلال مراحل مختلفة من حياته، إلى جانب فحص أساليب التعبير عن قناعاته على نحو ما انعكس في قصائده، إضافة إلى ما انعكس شعريا من تطلعاته وانكساراته في عقود متتالية. وجدير بالذكر هنا أن هذه المقاربة المركبة لشعر فؤاد حداد تتم بوصفها فعلا ثقافيا متعدد التوجهات وحافلا بالدلالات المجاوزة لأفقه الشعري العامي، والمرتبطة بالمفهوم الواسع للثقافة.

لقد اختار المؤلف في تحليله رباعية من المصطلحات المرتبطة بالنقد الثقافي هى : التمثيل، الموقع الثقافي، الخطاب الاستعاري، السُّنة الأدبية. ويرجع ذلك إلى سعي المؤلف كي يدفع القارئ إلى إعادة النظر في المفاهيم المتعلقة بما هو فصيح، وما هو عامي، ما هو رفيع المستوى، وما هو شعبي، وذلك ليؤكد – كما تذهب دكتورة فريال غزول – هشاشة التمييز بين ما هو أدبي، وما هو غير أدبي، بينما يكشف أيضا عن تسييس النماذج الجمالية بتراتبياتها في الوعى النقدي، مستعينا بمنظور النقد الثقافي، وذلك بما يصب في مشروع مؤلف الكتاب ألا وهو المقارنة، وأحيانا المفارقة، بين مفهوم الشعب باستعاراته وصوره عند الشاعر فؤاد حداد، مقابل المفهوم نفسه – أى الشعب – على نحو ما تمثل بصور مختلفة في الخطب الرسمية لثلاثة رؤساء هم : جمال عبد الناصر، وأنور السادات، وحسني مبارك.

ومن بين أدبيات النقد الثقافي التي يوظفها المؤلف في كتابه نجده يتوقف عند مفهوم”الجماعة المتخيلة”. إن نماذج الثقافة المكتوبة مثل الأدب والصحافة تعد – وفقا لهذا المفهوم – من العوامل الأساسية في تخيل أو تصور الشعب لذاته الجماعية حيث تشكل هذه المنتجات الورقية الأدبية الملموسة شبكة من العلاقات غير الملموسة، تتجاوز المعرفة العينية بالآخر على نحو ما يحدث في اللقاءات الفعلية بين الأفراد في المدن والقرى، لتصبح علاقة ” ثقافية ” بالمعنى الأنثروبولوجي. وبناء على هذا التصور يصبح ” الشعب ” مجموعة من الأفراد تنتسب إلى ذلك الشعب نفسه، وإن كان هؤلاء الأفراد غير مرتبطين برابط القرابة أو صلة الدم أو الانتساب إلى عرق بعينه.

مثل هذا التصور يقصد به الشعور الذي تبثه الثقافة المشتركة في الجماعة الواحدة، فيشعر الفرد أنه ينتمي هو ومن حوله إلى شعب واحد. وهنا يتمثل المؤلف هذا المفهوم، ويبرزه في تحليله لأشعار فؤاد حداد الذي استطاع بموهبته توصيل هذا المعنى لأبناء الشعب عبر شعره.

وبناء على هذا يصل المؤلف إلى نتيجة مفادها أن العلاقة بين أبناء الشعب وبناته ليست إلا الناتج الحتمي للخطابات المتقاطعة في مجتمع ما، بمعنى أن تجانس الشعب ليس مسألة عرقية وإنما مسألة ثقافية بامتياز، تجعل الفرد يشعر بالانتماء إلى هوية جماعية محددة دون أن يقتضي ذلك معرفة شخصية.

من ناحية أخرى ترجع أهمية ما قدمه دكتور سيد ضيف الله في كتابه إلى ربطه بين خطاب فؤاد حداد الشعري بمجازاته وتصويره للشعب من ناحية، وبين خطابات الرؤساء الثلاثة المتعاقبين في حكم مصر من ناحية أخرى، وذلك من حيث تصويرهم المتغير لهذا الشعب نفسه، أخذا في الاعتبار بالطبع الأحداث التاريخية التي مرت بها مصر، والممتدة من خمسينيات إلى  ثمانينيات القرن الماضي وتمثل الفترة التي عاشها حداد قبل وفاته.

وانطلاقا من استراتيجيات النقد الثقافي يمكن ملاحظة أن المؤلف لا يقدم التاريخ على أساس أنه أحداث تمثل خلفية نتعرف عليها لندرك السياق الذي انبثق فيه شعر فؤاد حداد، وإنما يتعامل المؤلف مع التاريخ هنا بوصفه نصا، فالماضي – وفقا لهذا التصور –  لا يمكن إدراكه إلا عبر نصوصه، بمعنى أن الماضي خطاب يتشكل من نصوص ووثائق، وبالتالي يقوم النقد الثقافي على الاشتباك بنص تاريخي، يوسم مرحلة ما، ليقارنه بنص أدبي، وذلك بما يكشف عن التراسل أو التواصل أو التنافر بينهما.

إن القارئ المنتبه لا بد أن يلاحظ براعة المؤلف في اختيار فقرات دالة من خطب الرؤساء الثلاثة – على تباينهم –  بوصفها نصوصا تاريخية موجهة إلى الشعب بحسب الظروف السياسية المتغيرة في كل مرحلة، مقابل انتقاء بارع أيضا لمقاطع من شعر فؤاد حداد بما يغطي رحلته الإبداعية كلها بمراحلها المختلفة، وبما يبرز كذلك موهبته الشعرية العميقة إلى جانب تعدده الإنساني، بينما تطرح هذه المقاطع الشعرية المختارة في الوقت نفسه تصور فؤاد حداد المغاير –  بدرجات متفاوتة –  للرسائل التي يبثها الحاكم في خطبه السياسية، وذلك من منظور الشعب على نحو ما استقر في خيال الشاعر ووجدانه.

إن النقد الثقافي على نحو ما طُرح نظريا في هذا الكتاب، وتم تطبيق أطروحاته، يمكن أن يعد عملا إبداعيا جوهره الحرية على مستوى التنظير والتطبيق، وذلك لأن الحرية هى الضامن الوحيد للحق في التجريب الذي هو قرين الإبداع، وكذلك فإن الإبداع في النقد – تنظيرا وممارسة – حاجة ثقافية ملحة ليس لثقافتنا العربية فحسب، وإنما للثقافات الإنسانية كلها باعتبارها ثقافات لأمم تتمم بعضها بعضا، وليست ثقافات لأمم تستنسخ بعضها من بعض.

 

عودة إلى الملف

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع