سيد ضيف الله
في رواية مختار شحاتة ” مكاكي دي أفريكا” الصادرة هذا العام عن دار بتانة بالقاهرة، بناءٌ روائيٌ يعتمد على المزج السردي بين الزمن الحاضر في عالمنا العربي (الربيع العربي في القاهرة ودمشق) والزمن الماضي ( النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث ثورة تحرر الماليز (المسلمين الأفارقة المجلوبين باعتبارهم عبيدًا للبرازيل). وإلى جانب هذا الربط الزمني بين زمنين متباعدين لأحداثٍ ،يبدو للوهلة الأولى، أنه لا رابط بينهما، تنبني هذه الرواية على المزج السردي بين عالم المخطوط ، الذي نستقبل منه أحداث الماضي، وأحداث الواقع العربي في الألفية الثالثة، الذي تحكي عنه الشخصية الرئيسة “فريدة”، عبر ذاكرتها الشخصية، مستعيدةً تجربة حياتها الشخصية منذ طفولتها في حلب، وحتى بلوغها منتصف العقد السادس، وهي امرأةٌ لازالت تبحث عن الحب والسعادة في الوطن/المهجر “البرازيل”.
“فريدة” هي شخصية الرواية المحورية، ورغم أهميتها السردية التي جعلتها تستحوذ على النصيب الأكبر من بؤرة أحداث الرواية، بل وبؤرة مشاعر الرواية وقيمها، فإنها لم تكن الراوي لتلك الأحداث. ومن هنا، يمكن القول إن رواية “مكاكي دي أفريكا” أو “القرد الإفريقي” أذابت الحواجز النفسية بين تقنية الراوي العليم التي تم نقل أحداث الرواية ومشاعرها وقيمها عبرها، وشخصية الرواية المحورية “فريدة” بشكل سمح للقاريء أن يقبل تماهيًا حينًا على مستوى الوصول للمعلومات والمشاعر النفسية المرتبكة للشخصية، ويقبل في الوقت نفسه وجود موقفين مختلفين لتفسير تلك المشاعر، موقف يمثله الراوي العليم غير المشارك في الأحداث وموقف تمثله شخصية فريدة نفسها.
ولا تقف رهافة بناء العلاقة بين فريدة والراوي العليم في تلك الرواية عند مسألة تباين موقفيهما النفسيين أو الفكريين من حدثٍ ما، وإنما تصل الرهافةُ درجةً من الدهشة حين يصبح جسد فريدة ذاتها موضوعًا للسرد يحتمل تفسيرين مختلفين؛ أحدهما لفريدة نفسها والآخر للراوي العليم.
فعبر استخدام استعارتين إدراكيتين مختلفتين نكتشف أننا أمام تصورٍ لفريدة لنهديها باعتبارهما ” مشمش حلبي”، بينما يجادل الراوي بأنهما أشبه ” بالكمثرى”. (الرواية، ص9).
لسنا بحاجة للإشارة إلى حضور حلب في وعي “فريدة” على كافة مستويات الوعي، للدرجة التي كان يصعب بناء تصور ذاتي لنهديها دون ذاكرة تختزن مشاعر ما حول المشمش الحلبي.
تمثل حكاية فريدة مسارًا رئيسًا للرواية، فعبر العودة لماضي الطفولة وعبورًا لحوالي خمسة عقود تستعيد وتتأمل فريدة هويتها بوصفها ابنة امرأة يهودية، روسية شيوعية ذات أصول بولندية، ورجل سوري، حلبي مناضل حزبي بعثي، سافر روسيا للدراسة، ثم عاد بزوجته الأجنبية اليهودية إلى سوريا، لتكون فريدة الطفلة ابنة الخواجاية الوحيدة بالبلدة.
تختزن ذاكرة فريدة تجربتين مختلفتين لامرأتين من العائلة؛ هما من أقرب النساء لها، الأولى تجربة أمها الروسية اليهودية (هايا) التي أحبت مناضلا حزبيا سياسيا بعثيًا لكنه تركها وتزوج غيرها وترك البلاد وترك لها الطفلة (فريدة)، فتختلط أسباب كراهية الأنثى المغدور بها، مع أسباب الكراهية الأيديولوجية والقومية والدينية، فيمتليء قلبها بكراهية تجاه العرب الذين ينتمي لهم ذلك الزوج الغادر! وكلما زادت الأم من إرضاع ابنتها “فريدة” الكراهية زادت الابنة تعلقًا بانتمائها للعرب ولحلب موطن ذكريات طفولتها، رغم غضبها على الأب الغادر المنهزم!
أما التجربة النسائية الثانية المختزنة في ذاكرة الطفلة فريدة، فهي تجربة عمتها “ليندا”، تلك المرأة العاشقة المعشوقة، المحبة لجسدها وأنوثتها، والتي تُقمع من العائلة والأخ “والد فريدة” حين ترفض العائلة تزويجها من محب جميل لوجود خلافات عقائدية وأيديولوجية بين العائلتين، بل وتُرغم ليندا على الزواج من “كاظم”، ذلك الرجل الذي لا تحبه لكن الأخ والعائلة ترغمها لتحقق من وراء تلك الزيجة مصالح سياسية واجتماعية، فتقضى “ليندا”عمرها معه جسدًا بلا روح حتى تكتشف شذوذه الجنسي، فتشذ هي بعد ذلك وتمنح جسدها لخادمة لها، لتمنحها متعةً حُرمت منها لعقود مع كاظم!
في مرحلة الشباب ومع نضوج وعي شخصية فريدة تصبح مهمتها الأساسية التحرر من ميراث الكراهية للعرب، الذي أحاطتها به أمها في المهجر (البرازيل)، ومن ثم تبدأ رحلة الحنين إلى الجذور والبحث عن الأصل متصورة أنه لازال كما هو أو أنها عودة قد تجلب لها سعادة. في تلك اللحظة، تكون سوريا مشتعلة بالحمم السياسية وكذلك القاهرة. لكن فريدة تختار القاهرة للعودة في 2011 لقربها لصورتها المتخيلة عن جذورها التي ما صار ممكنًا أن تعود لها. تتشابك الرغبة في التحرر من الكراهية مع لحظة بدت وقتها لحظة تحرر سياسي وعسكري من قبضة اليأس والعجز.
في زمكانية القاهرة 2010 تعرف فريدة حبها الكبير “مصطفى عبد الرحمن”، ذلك المثقف المتمرد على المسلمات، فتعيش معه قصة حب لا تكتمل، لأن مصطفى مثقف متمرد في علاقته بها، لكنه إنسان منهزم تقليدي متزوج وله أولاد ويهرب منها إلى ساحات المثقفين بوسط البلد التي تُفتن فيها النساء الأجنبيات بأحاديثهم المجانية عن الفن والثورة والتمرد على الثقاليد.
ويبدو أن الفشل الذي كان مصير علاقة الحب بين (مصطفى وفريدة) كان لزامًا أيضًا أن يكون مصير فكرة التحرر التي جمعت بين فريدة ومصطفى، إذ نجد أن الحب يتحول إلى شفقة من فريدة على مصطفى بعد أن صار مجذوبًا درويشًا يقيم ليله ونهاره في مساجد القاهرة الفاطمية بعد أن كان يحلم بتغيير المجتمع.
لم يستطع مصطفى المثقف المتمرد أن يتحرر أولاً من روابط مجتمعية وتقليدية وعائلية تنزع عنه مشروعية التمرد المجتمعي ومن ثم لا يعدو تمرده المستند لقراءاته للأدب وانتمائه لعالم الفن، أن يكون زينة يتحلّى بها أمام حبيبة يتمناها لكنه لا يمكنه أن يتحرر من أجلها فضلاً عن أن بياعدها على التحرر من قبضة الأيديولوجيا التي خنقت طفولتها وملأت جوفها بالكراهية والخوف والوحدة على مر عقود.
تصل الرواية مع تتبع سيناريوهات تطور الزمن الحاضر ورهاناته في كل من القاهرة ودمشق حيث جذور فريدة والبرازيل حيث الوطن/المهجر، إلى نقطة انسداد، حيث لا جديد يمكن أن يحدث ليقدم لها خلاصًا جمعيًا، ومن ثم تبحث مثل مصطفى عن خلاص فردي. فالدروشة التي تخلص بها مصطفى من وجوده الإنساني وأزمته المجتمعية والسياسية، إذا كانت لن تناسب فريدة في الوطن/المهجر، يصبح نقيضها وجهًا من وجوه الخلاص الفردي الممكنة في ذلك السياق الثقافي. تتمحور “فريدة” حول جسدها، وتستمد من إحساسها بها وإمتاعها له كل أسباب إحساسها ووعيها بهويتها الفردية بعد أن فشلت في الوصل بين هوية جندرية/فردية، وهوية قومية قمعت من قبلها عمتها ليندا في العيش “الطبيعي” الحر.
ومن ثم، يفتح مختار شحاتة في مكاكي دي أفريكا أو “القرد الأفريقي” أفق الرواية على التاريخ بعد أن جاب فيها كل جغرافيا ممكنة عبر خمس قارات كي يبحث لأبطال روايته عن خلاص. يقدم شحاتة خطًا سرديًا مغايرًا لخط “فريدة” الباحثة في حاضرها وماضيها الشخصيين والقوميين عن تفسير لمأزقها الإنساني. إذ يقدم شحاته سمات مختلفة للشخصية المحورية التي يفتح بها هذا الحاضر على التاريخ مع شخصية محمد مصطفى الباحث الشاب في تاريخ مخطوطات ثورة المسلمين الأفارقة(الماليز) ضد الاستعمار البرتغالي في النصف الأول من القرن التاسع والقادم للدراسة والبحث في البرازيل. ثمة دأب وحماس مشترك بين فريدة وصديقتها الانثربولوجية ومسئولة المكتبة “كاميلا”، ومحمد مصطفى من أجل الاستكشاف التدريجي لمخطوط الشيخ عبد الرحمن البغدادي الذي وصل إلى البرازيل على متن سفينة تابعة للخلافة العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. لكن في إشارة مهمة، نجد مختار يقدم جسد محمد مصطفى المصاب بالسرطان وراثيًا كأنه وسيط يستحضر من خلاله صوت الألم في الماضي، بينما يشاهد محمد صورة تشبه جده عثمان وهو مصلوب على شجرة في المتحف بالبرازيل. ثمة عملية تسويغ واسعة تمت في ثقافة أمريكا اللاتينية في تلك الفترة شرعت لصلب من أطلقوا عليه القرد الإفريقي، وهذه العملية قاسم ثقافي استعماري لم تنج منه أمريكا اللاتينية التي يتم تمثيلها في هذه الرواية بشكل مدهش للقاريء العربي.
ومن ثم تتشابك الأزمنة والبقاع الجغرافية عند تقاطع مسارى السرد (بشر في أسر الحاضر، وبشر في أسر التاريخ) حيث سيرورة الألم الإنساني ونحن في قبضة الأيديولوجيا . ومع ذلك نلحظ هنا أن شاغل المسار الثاني للرواية مختلفٌ بشكل جذري عن شاغل المسار الأساسي، فسؤال الخلاص الفردي يتراجع في المسار السردي الناشيء بظهور شخصية الشاب محمد مصطفى لصالح سؤال البحث عن تجذير تاريخي لأسباب فشل عملية التحرر التي يحاول الأفراد القيام بها في الحاضر ليتم طرح عملية التحرر باعتبارها عملية سيرورة تاريخية مهما اختلفت أسباب الاستعباد. يمنح الشاب محمد مصطفى شخصية فريدة سببًا جديدًا للخروج من شرنقة الذات المتشرنقة حول جسدها اليائسة من تجارب التاريخ وواقع الجغرافيا، الفاقدة للقدرة على الحلم، غير المؤمنة بأي أفكار كبرى أو سرديات كبرى. وفي نهاية شديدة الواقعية، يبدو جسد محمد مصطفى قد لعب مجازيًا دور المخلص لفريدة من أزمتها فتصبح أكثر قدرة على قبول الواقع وإمكانياته، مما يدفعها للتكيف أوالرضا والعيش واستحلاب السعادة من ضرع الزمن المدهون بالحنظل.









