أَلْوَانُ مِزْلاجِ الأَرْخَبِيل

تشكيل

خالد أمزال

1- أَلْوَانٌ وَفُصُولٌ

لَمْ يَكُنِ الأَزْرَقُ يَوْمًا

عَلَى مَائِدَةِ الصَّبَاحِ

وَلا الْمِلْحُ يُبَلِّلُ هَوَاءَ الشَّوَاطِئِِ،

لِذَلِكَ لَنْ أُسَاوِمَ بَعْدَ الْيَوْمِ

الْفَرَاغَ الْكُحْلِيَّ الْغَائِرَ فِي قَلْبِي،

بَلْ سَأَصْعَدُ إِلَى الذِّكْرَى أُهَرْوِلُ

وَحِيدًا بِلا جَسَدٍ.

لَنْ أُخْرِجَ رَائِحَةَ الْقَبْوِ الْخَضَرَاءَ

مِنْ زَبَدِ الْغُرْبَةِ،

لَكِنْ سَأَدَعُ الشَّهْوَةَ الْخُزَامِيَّةَ

الْمُتَدَلِّيَةَ عَلَى سِيَاجِ أَنْفَاسِي

تَرْتَطِمُ شَارِدَةً بِالنِّسْيَان.

 

لَمْ يَكُنِ الْخَرِيفُ دَوْمًا نَمَشَ حُزْنٍ

فِي وَجْهِ السَّمَاءِ،

إِذْ يَوْمَ انْفِرَاجِ الْغُيُومِ

أَزْرَارَ الْحَنِينِ فَكَكْتُهَا،

فَانْسَدَّتْ ثُقُوبُ الْمِيَاهِ الْعَطِشَةِ

فِي قَوَارِبِ السِّنِينِ الشِّدَادِ،

يَوْمَهَا

لا وَرْدَ يَمِينَ الرَّبِيعِ الْعَجُولِ لَقِيتُ،

وَلا صَيْحَةَ أَسْمَعَتْنِي سَنَابِلُ الصَّيْفِ

إِذَا مَا غَارَ مِنْ سُمُوقِهَا الأَوَارُ،

عَبَثًا أَعَدْتُ تَذَوُّقَ حُلُمِ بُرْتُقَالَةٍ

لَعَلِّي أُعَرِّي يَقَظَتِي

مِنْ طَعْمِ الاحْتِمَال،

فَمَا فَتِئَ غَيْمُ أَحْزَانِي الطِّينِيَّةِ

يُغَادِرُ سَقْفَ هَذَا الشِّتَاءِ الرَّخْوِ.

 

2- مِزْلاجُ الْكَلامِ

أَنَا الآنَ مِثْلُ الْمِرْآةِ،

أُثْبِتُ مَا يَجْرِي في جُبِّ السَّمَاءِ

مِنَ غَيْبٍ

وَأَنْفِي خُرُوجَ الرِّيحِ

مِنْ شَهِيقِ الأَشْجَارِ،

إِنَّمَا صَرِيرُ التُّرَابِ عَلَى عَتَبَةِ الْمَاءِ

فَلا أُخْفِي.

ذَلِكَ أَنِّي لاحِقًا سَأَرْتَابُ مِنَ الْغِيَابِ

حِينَ يَنْأَى عَنْ صَمْتِي

صَوْتُ دَمِي

وَهُوَ يَخِرُّ عَلَى نَارِ الْقَرَابِين،

وَلا مَحَالَةَ إِذَنْ أَنْ أَخُونَ

فِي نَفْسِ الْوَقْتِ

صَمْتًا اتَّسَعَ عَنِ الْقَوْلِ

وَصَوْتًا تَشَرَّدَ فِي ارْتِجَاجِ الْمَعْنَى

وَأَسْتَعِيضَ عَنْهُمَا

بِمَا فِي رِئَتِي مِنْ نَفَسٍ

قُبَيْلَ انْفِرَاطِ مِزْلاجِ الْكَلام. 

 

مَا لَبِثَ أَن اكْفَهَرَّ فِي حَلْقِي الْمَلامُ

وَأَنَا أُصْغِي لِمَدَائِحِ الْقَمَرِ،

تَزَاحُمُ الْكَلِمَاتِ

أَقْصَى الْخَطِّ الْمُرْتَجَلِ

بِرِفْقٍ يُزْعِجُنِي،

لِمَاذَا تُصِرُّ إِذَنْ سُطُورُ اللَّبْلابِ

عَلَى حَجْبِ رَنِيمِ مِحْبَرَتِي النَّدِيَّةِ

وَلَيْسَ عُرْيَ الْبَيَاض؟

أَ آنَ خِتَانُ أَصَابِعِي الرَّخِيمَةِ

أَمْ حَانَ صَكُّ أَسْمَاعِ الْبَوْحِ؟

حَتْمًا سَأَغْسِلُ عَقِيرَةَ يَدِي

مِنْ دُخَّاِن الأَقْلامِ،

وسَأَتْرُكُ حَجَرَ بَابِلَ يمْحُو

بِسَوَادِ عَيْنَيَّ صُحُفَ الأَنْبِيَاءِ.

 

3- أَرْخَبِيلُ قَصِيدَتِي

عَلَى الْبَلاطِ السَّحَابِيِّ

أَرْخَبِيلُ قَصِيدَتِي يَتَدَانَى،

مَا أَنَا بِتَارِكٍ مَرْمَرَ الْحَقِيقَةِ

يَصِيرُ سَقْفًا لِلْمَجَازِ،

سَأَجِيءُ إِلَى جُثَّةِ الْقَافِيَةِ

أُحَمْلِقُ فِي ذَيْلِ طَاوُوسِهَا،

أَرْكُضُ تُجَاهَ عُرْيِ الْبَيْتِ

حَيْثُ لا سَآمَةِ إِلاَّ فِي ضَوْضَاءِ عُيُونِي،

ثُمَّ أَمْحُو تِلْكَ اللُّغَةَ الشَّعِيرِيَّةَ

الْعَالِقَةَ بِرَائِحَةِ الرَّغِيفِ اللَّفْظِيِّ

حَتَّى لا تَطْفُو

وُجُوهُ التَّشْبِيهَاتِ الْحِنْطِيَّةِ

عَلَى حَدَبَةِ صَدْرٍ مُقَعَّرٍ

أَوْ عَلَى عَجُزٍ ثَقِيلِ الذِّكْرِيَات.

 

تَأَبَّطْتُ فَسَائِلَ لُغَةٍ مَغْبُونَةٍ

عَلَى أَمَلِ أَنْ أُغْمِدَهَا فِي رَجْعِ الْقَرِيضِ،

فَانْفَلَقَتْ عَلَى قَارِعَةِ الْمَعَانِي

كَلِمَاتٌ حَصَوِيَّةٌ،

بِشِدَّةٍ حَاوَلْتُ تَقْشِيرَ لِسَانِي

لأُزِيلَ مِنْ قَلْبِهِ حُرُوفَ الْعَطْفِ

فَرَاعَنِي امْتِلاؤُهَا بِلَوْنِ النَّفْيِ،

حِينَهَا وَقَصِيدَتِي تَنْصَرِفُ كُشُوفُهَا

آوَيْتُ اسْتِعَارَاتِهَا الْغَرِيزِيَّةَ

وَرَمِيمَ وَزْنِهَا رَمَيْتُ.  

……………………

*شاعر من المغرب

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع