سعيف علي
هل يستحق البطل الأسطوري أن يُقتل بجرأة سينما لا تتردد في تعريته ونزع هالاته المقدسة؟ كان هذا السؤال المحرك الأساسي للكتابة عن فيلم «موت روبن هود» (2026).
يواصل المخرج مايكل سارنوسكي، بعد تجربتيه في «Pig» و«A Quiet Place: Day One»، تثبيت مشروعه في تفكيك قواعد سينما الأنواع. يعود هنا إلى نبرته الأولى ليقدم قراءة متجردة للرمز الفلكلوري؛ تفكيك يبحث عن أبطال قابلين «للاستهلاك النقدي» لا «للاستهلاك البطولي».
الحطام البشري والعنف المجرد
مستلهما أحداثه من نصوص حكاية شعبية إنجليزية قديمة تعود إلى القرن السابع عشر، يُسقط سارنوسكي الهالة الرومانسية عن «أمير اللصوص»، ليحوله إلى بطل مضاد هرم، معذب، ومستنزف تحت ثقل العنف الذي مارسه طوال حياته. تبدأ الأحداث كما تشير شارة فيلمية منذ البداية 1247 عام في إنجلترا، حيث يعيش روبن العجوز مختبئا في القفار، ملاحقاً بنقمة ضحاياه.
لا يتردد الفيلم في تعرية هذه الشخصية منذ المشاهد الأولى. فلا يبدو روبن مظلوما يدافع عن الفقراء. يظهر قاتلا متهورا يذبح امرأة جاءت لتنتقم لعائلتها ويدفنها مع سابقين، ولا يتورّع عن رمي طفل بسهم في رأسه لمنعه من تحذير أهله. تكتمل صورة هذا الماضي مع ظهور رفيقه القديم «ليتل جون»، الذي يتضح أنّه هو الآخر سرق اسم وجود مزارع بسيط بعد قتله. وتتراكم الأحداث والمشاهد التي تزيد ترسيخ هذه التيمة القاتمة كقاتل بلا رحمة؛ حيث تنفجر مواجهة دموية مروعة لاستعادة المزرعة، تمتاز بطابع طقوسي وحميمي في تصوير العنف الجسدي على نحو يستحضر أسلوب فيلم «The Northman» في ربط العنف بالهوية والانتقام لتنتهي المواجهة بمقتل زوجة جون وإصابة روبن بجراح بالغة تتركه على شفير الموت.
البرزخ والمرآة والكفّارة المعطلة
ينقلنا الفيلم في فصله الثاني إلى دير معزول على جزيرة تشرف عليه الراهبة «بريجيد»؛ مكان يشبه البرزخ الفاصل بين الحياة والموت، حيث يتراجع العنف لصالح رعاية بطيئة، ويختبئ روبن تحت اسم مستعار بين الأيتام والمحتضرين. تتعمق هذه المرحلة بمواجهة «غاي دو جيزبورن»، العدو التاريخي في الحكاية الشعبية، الذي يظهر هنا كحارس للدير مصاب بالجذام.
يتحول جيزبورن من خصم يحمل ثأرا إلى ناصح يحث روبن على ترك الماضي، بينما يصبح مرضه مرآة لحالة روبن؛ فالجذام في المخيال الوسيطي كان يجسد التحلل والإنهاك البطيء للجسد، ليكون معادلا موضوعيا لتآكل روح روبن تحت ثقل أفعاله. يمحو سارنوسكي الحدود بين البطل والخصم، مستبدلا منطق العداوة بحقيقة الموت المشترك.
تأخذ المواجهة مع «بريجيد» المسألة الأخلاقية إلى حد أكثر قسوة حين يكتشف روبن أنها إحدى ضحاياه التي أحرق زوجها وأطفالها أحياء. فتتحول عملية الفصد الطبية إلى لحظة انتقام معطلة ومترددة؛ وعندما تتردد في الانتقام، يقنعها روبن انه غير القادر على تحمل ذنبه .بترك جراحه تنزف حتى الموت ككفارة أخيرة.
التزييف والتاريخ الأيديولوجي
يخوض الفيلم سجالا حول الفجوة بين الشخصية الواقعية (الحطام البشري) والأسطورة الجمعية (البطل النبيل). تكشف السردية آليات التزييف الثقافي. متسائلة إن كان الفولكلور سوى قناع تجمل به المجتمعات مآسيها التاريخية وعنفها المجاني. كما يُخضع الفيلم فكرة «الخارج عن القانون النبيل» للمساءلة، موحيا بأن التمرد قد لا يكون قضية عادلة بقدر ما هو ذريعة لإشباع دوافع النهب والقتل.
لا يمكن فصل الفيلم عن التاريخ الأيديولوجي لسينما «الخارج عن القانون»؛ فبينما دأبت هوليوود الكلاسيكية على سلعنة أو تسليع و تشييئ التمرّد وجعل ثورة روبن هود أداة لإعادة الملك الشرعي وترسيخ السلطة. تجرد السينما التفكيكية المعاصرة هذا البطل من سحره. يرى سارنوسكي أن التمرد خارج المنظومة ينتهي إلى الدّمار والندم؛ فالسلطة لا تنتقم بمؤسساتها أو شرطتها، بل يتحول العنف ذاته إلى عقوبة ذاتية لصاحبه.
التشكيل البصري والمرثية الصوتية
تترجم اللّغة البصرية هذا المسار بقوة لافتة. جاء في فصله الأول بكادر عريض منسجما مع الغابات والسهول حيث يمارس روبن عنفه بحرية ظاهرية، بينما يضيق الإطار داخل الدير كلما اقترب من نهايته وهو انتقال يجسد تقلص خيارات الشخصية، وانحسار وجودها، وتحول الموت من حرية متخيلة إلى حصار ونزيف.
يرافق ذلك موسيقى تصويرية بنبرة شفقية ونواح . تعمل كسردية موازية وطقس جنائزي . كمرثية لموت روبن ولاندثار الصورة الأسطورية بأكملها. يُضاف إلى ذلك الأداء الاستثنائي لـ هيو جاكمان، الذي يقدم أحد أكثر تجسيداته عمقا وثقلا منذ فيلمه «Logan»، حيث يجسد إنهاك الجسد والروح، مفضلا الموت بالنزيف على أي تطهر فلسفي مجاني.
مآخذ فنية وتناقض الداخلي
يعاني الفيلم في رأيي من إفراط في السوداوية وقد تأكد خاصة في مشاهدته الثانية فاليأس يمتد دون تنويع درامي كاف، مما يثقل على المشاهد ويحرمه من التوازن بين الألم وتنفيسه. لم يكن كل مشهد بحاجة لأن يُشحن بهذا القدر من الكآبة، وكان بإمكان العمل منح الجمهور متنفسا دون التخلي عن طبيعته المأساوية.
كما يظهر غياب للعدالة التاريخية في التعاطي مع الشخصيات الثانوية. إذ تبقى الضحايا (كزوجة ليتل جون، أو حتى تجسيد جودي كومر لشخصية بريجيد التي افتقرت مساحتها للنفاذ النفسي العميق) مجرد أدوات درامية. لا يشعر المشاهد بخسارتها بقدر ما يشعر بأنها ورقة جُعلت لإحداث صدمة عابرة، وهو ما يضعف البعد الأخلاقي للعمل.
يقع الفيلم في تناقض داخلي أيضا. يرفض روبن كشف الحقيقة المظلمة للفتاة اليتيمة «مارغريت» (ابنة ليتل جون). بدلا من مواجهتها بتاريخ والدها الدموي، يصنع لها قوسا ويروي النسخة الخيالية والبطولية عن حياتهما، مؤكدا أن البشرية بحاجة أحيانا إلى «كذبة نبيلة» للاستمرار.
ثمة أمر لا يمكن إغفاله. فبينما يفكّك الفيلم الأسطورة بلا رحمة، يعيد إنتاجها في اللحظة الأخيرة عبر توريثها لجيل جديد. يوحي إطلاق مارغريت للسهم الأول مع موت روبن بولادة جديدة للأسطورة داخل وعي يعرف أنها وهم. قرأتُ هذا التردد بين التفكيك وإعادة الإنتاج كاضطراب فكري، أو كاعتراف ضمني باستحالة تجاوز الأساطير الجماعية، وربما كإعلان عن دفن الحقيقة الثورية تحت التراب والإبقاء على الخرافة المستأنسة التي تضمن امتثال الأجيال.
خاتمة
إلى أي حد يمكن للسّينما أن تفكك الأساطير دون أن تبني غيرها؟ وهل يمكن للفن تجاوز الأسطورة تماما أم أنه محكوم بإعادة إنتاجها؟ يجيب سارنوسكي ضمنيا بالنفي. ورغم جرأته، يظل أسيرا للجدل ذاته. يبقى الفيلم جديرا بالمشاهدة لمن يتابع السّينما التفكيكية والقراءات النقدية للتراث، لكنّه قد يخيب آمال من يبحث عن تجربة سينمائية تقليدية أو عن رؤية بديلة مكتملة للبطل الأسطوري.
فيلموغرافيا
«the death of Robin Hood »
فيلم إثارة أمريكي لعام 2026 من بطولة هيو جاكمان في دور روبن هود، وهو اقتباس سوداوي للقصيدة الغنائية (البلاذ) من القرن السابع عشر التي تحمل اسم «موت روبن هود». الفيلم من تأليف وإخراج مايكل سارنوسكي، ويشارك في بطولته أيضاً كل من جودي كومر، بيل سكارسبورد، موري بارتليت، ونوح جوب. . تم التصوير في أيرلندا الشمالية عام 2025 بتصنيع من شركتي Lyrical Media وRPC.ُعرض الفيلم لأول مرة في مهرجان سيدني السينمائي الدولي الثالث والسبعين في 12 يونيو 2026، وطُرح في دور العرض في الولايات المتحدة في 19 يونيو 2026 بتوزيع من شركة A24..










