“الأغنية في رواية أخرى” ترصد التحولات الكبرى في الوجدان المصري

الأغنية في رواية أخرى

د. سميرة أبو طالب

         يقدم “محمود الحلواني” في كتابه “الأغنية في رواية أخرى” ما يمكن القياس عليه في واقع الأغنية المصرية، وما يمكن رؤية الصورة فيه بشكل واضح من خلال عودة واعية إلى الماضي وإعادة ترتيب أوراقه، وليس استبعادها من حساباته، أو التقليل من قوة حضورها في تأكيد أية مقاربة نقدية جديدة من شأنها استجلاء جوانب شديدة الأهمية في واقع الأغنية، ومدى اقترابها من التعبير عن الوجدان المصري، أو انحراف مؤشر هذا التعبير نحو تجسيد واقع اجتماعي وسياسي مفارق لما تبدو عليه الصورة. ولكي يفعل ذلك، فقد اختبر واقع النظرة إلى الأغنية عبر عدة مسارات، لم يكن من بينها الأداء واللحن كمحور اهتمام كبير من القائمين على دراسة الأغنية، واقتفاء مساحة حضورها كفن قائم له أصوله، بل إن اهتمامه المعلن في هذا الكتاب الذي يقدم من خلاله مقاربة سردية بديلة لواقع الأغنية، هو الكلمة المغناة، وعوامل إنتاجها وانتشارها، أو اقصائها بالكامل عن ساحة المشهد الغنائي، مغايرا بذلك تلك النظرة التي ترى فيها تعبيرا عفويا وصادقا عن وجدان الشعب، وإن لم تخلو من ذلك بالطبع، ولكن قراءاته تنصب بالأساس على الشكل السائد لإنتاج الأغنية.

         وككل رؤية نقدية تطمح إلى خوض غمار الجديد، والكشف عن مناطق مجهولة في الجسد الإبداعي، فإن “محمود الحلواني”، يحشد لتقديم “روايته الأخرى” أو “سرديته البديلة” حول الأغنية المصرية عددا من العلوم والمعارف، التي تسهم أدواتها في الكشف عن زاوية من زوايا الوعي بهذا الكيان الإبداعي، متحللا بذلك من ضيق النظرة التي تحكم تناول ” الأغنية” كشكل من الأشكال الإبداعية؛ فلا يقصرها على دراسة عنصر من عناصرها، بل يسعى إلى فهم السياق الذي ساهم في إنتاجها، مستمدا هذا الفهم مما قدمه”علم اجتماع الفن”، ونظريات الاتصال الجماهيري، على اعتبار الموقع الاتصالي للأغنية ضمن منظومة الإعلام الجماهيري، فضلا عما انطوت عليه عمليات التأريخ للغناء والمغنيين من رؤى، تكشف بوضوح، كيف أن الأغنية لم تكن كيانا قائما بذاته، بل تداخلت عوامل العمران والمتغيرات الإجتماعية الكبرى، فضلا عن السياسية، في توجيه دفتها وتحديد اختياراتها، والترويج لنمط بعينه من الغناء، واندثار نفس النمط في فترات لاحقة.

سرديات متناقضة، وسردية بديلة

         يؤسس “محمود الحلواني” بنيان مقاربته السردية البديلة، انطلاقا من مفهوم ” حارس البوابةGate Keeping”، كأحد المفاهيم المهمة العابرة للتخصصات التي وضعها عالم الاجتماع الأمريكي الألماني “كورت لوين”، ليكون أداته في الإجابة عن الكثير من الأسئلة، التي بمقتضاها يمكن تحديد المسافات التي تحكم تعبير الأغنية عن مجتمعها ووجدان شعبها، اقترابا أو ابتعاد، والتعرف عن قرب على صانع القرار الغنائي، ولصالح من يتخذ قراره، وماذا عن دوائر هذا القرار، وكيف تتحد مصالحها في تقديم أو استبعاد شكل غنائي وفقا لهذه المصالح؟ تلك هي الأسئلة التي يرى “الحلواني” جدارة الاهتمام بإجابتها، أو أن طرحها، يعيد الوعي بهذا الواقع، لا أن يستجيب للطروحات حوله استجابة آلية، من ثم فإن عرض السرديات الرائجة عن الأغنية- وإن تباينت- كان المدخل الذي يمهد لتلك السردية البديلة، التي بدأت بتفنيد القديم، ومن بين سطوره وجدت الأسانيد التي تدعم رؤيتها، وتسهم بشكل كبير في اتساع الخطو نحو تشييد بنائها، وفقا للوعي بأبعاد ما طرحته السرديات القديمة، لا رفضها إجمالا، أو التوافق معها بما يجعل الرؤية حولها “محلك سر”.

         إن الثنائية التي اختارها ” محمود الحلواني”، ليطل من خلالها على تلك السرديات التي قدمت واقع الأغنية المصرية، كانت كاشفة، وبشكل كبير، عن منهجية عمل كل منهما؛ ففي حين اختار ” جلد الذات” كعنوان على سردية كان قوامها الانتقاد الدائم للأغنية من حيث هي نص شعري، واستهجان ما تروج له من مضامين مبتذلة، أو مفارقتها لواقع المجتمع الذي تعبر عنه، تأتي النماذج التي يسوقها في إطار تلك السردية لتكشف عن تنوع كبير في قطاعات الرفض والانتقاد لمضمون الأغنية؛ إن من حيث الألفاظ أو الموضوعات التي تندرج في إطارها، وقد وجد الكاتب ظلال تلك السردية في مؤلفات كثيرة، تفاوتت زمنيا، ولكنها تتصل فيما بينها بهذا الرابط الذي يؤكد استمرار هذا الرفض، وفي مقابله استمرار الإصرار على متابعة تقديم هذا النمط من الغناء، ما يشير بطرف خفي إلى وجود “صاحب القرار الغنائي” الذي تبحث عنه سردية “محمود الحلواني” البديلة.

         الأمر نفسه، نراه في سردية “مدينة السحر”، التي اختارها صاحب ” الرواية الأخرى” للأغنية، عنوانا على تجسيد التأييد المطلق لكل ما يقدمه الفن والفنان، باعتباره غاية الكمال والسمو بالوجدان، وقد جاءت هذه السردية بأمثلة بارزة في تاريخ الأغنية المصرية استمدت قوة حضورها من ترسيخ دعائم تلك السردية، والإصرار على تقديم تلك النماذج مصحوبة بهالة من التقديس، دون المساس بجوانب ضعف بشرية، هي من صميم التكوين الإنساني، على النحو الذي قدمه ” رجاء النقاش” في كتابه “لغز أم كلثوم”، والذي لم يتجاهل بعض الوقائع في مسيرتها فحسب؛ على النحو الذي نراه في إسقاط واقعة خضوعها للغة السوق، وغنائها لأكثر من طقطوقة خفيفة في بداية مشوارها، مثل ” الخلاعة والدلاعة مذهبي”، بل أيضا في تضخيم أدوارها التاريخية، والذي يثبت لها حسا وطنيا في اختيار ما تقدمه منذ كانت “صبية صغيرة. وهذه الانتقائية في تقديم مسيرة النجم لم تتوقف عند التوثيق الكتابي، بل امتدت للتوثيق الدرامي، الذي رصده ” محمود الحلواني” في مسلسل ” أم كلثوم”، الذي كتبه الراحل ” محفوظ عبد الرحمن” ليجسد رحلة صعود لواحدة من أهم النماذج الغنائية في التاريخ المصري، ولكن وفق نظرة إيجابية على إطلاقها لمراحل تلك المسيرة.

         وعبر دوائر متداخلة في هاتين السرديتين، تنوعت بين التوثيق والتأريخ، واستدعاء النصوص الإبداعية والدرامية إلى ساحتها، نجد أن هذا التتابع الذي شكله ” الحلواني” في نسيج كتابه، يفضي أيضا لما ذهب إليه؛ من أن ثمة مدخل آخر، وأداة أخرى، يستطيع الباحث في مقومات الفن أن يجد فيها تفسيرا لما آلت إليه الأغنية المصرية في مراحل ضعفها وتراجعها، ولماذا اشتد عودها، وأصبحت لسان حال الوجدان المصري في مراحل أخرى، وإن جاء ذلك بشكل مؤقت.

حارس البوابة ..بأقنعة متعددة

         إن تحديد الأداة التي تكشف عن المساحات المختبئة في سردية الغناء عبر عصوره المختلفة، مكن مؤلف “الأغنية في رواية أخرى”، أن يحدد الدوائر التي من الممكن أن تخضع لعمل هذه الأداة، لا سيما وأنه قد حدد طبيعة اشتغال الأغنية كرسالة اتصالية منذ ظهور شركات ” الفونوغراف” مع بداية القرن العشرين، وبالتالي التنويه عما طالها من عمليات حذف أو إضافة تخضع لطبيعة الوسيط الذي يبثها. ولأن بحثه بالأساس ينصب في سرديته البديلة على كينونة ” حارس البوابة” في كل مرحلة وفق مقتضياتها ومتغيراتها، فقد رأى أن ” الغناء”، وهو صاحب الأرض، هو الحارس الأول الذي يجب تقصي طبيعته وتفاعلاته مع ما يجري على ساحته، فكان إدراك الفروق الدقيقة بين “نص الأغنية” و”نص القصيدة”، مدخلا مناسبا للكشف عن طبيعة هذا الحارس، امتد إلى فروق أخرى ترسم ملامح “شاعر القصيدة” في مقابل “شاعر الأغنية”، ومن ثم، الدخول إلى ممكنات التعبير عند الأخير، انطلاقا من تحديد ما يمكن أن يصبح الغناء به غناءً، وما يمكن ألا يتجانس مع طبيعته ، ولا يقبله بأي حال من الأحوال.

         وإتاحة هذا القدر من التقصي لطبيعة “الغناء” كحارس أول من حراس البوابات، الذي به تتحدد كيفية التعبير، والموضوعات التي تدخل في إطاره، كان وراء العودة الزمنية إلى “العصر الأموي”، ومن بعده “العباسي”، واللذان ازدهر فيهما الغناء والشعر معا، ارتباطا بمجموعة من المتغيرات الإجتماعية والثقافية التي ساهمت في ذلك، تلك العودة التي تكشف سؤالا ملحا يرتبط بالواقع الراهن، وهو: هل احتفظ الغناء المعاصر بالعلاقة نفسها مع الشعر، أم أن منظومة حراسة البوابة أعادت تشكيلها على نحو مختلف؟ .

     لقد تعددت أوجه الحراس والحراسة لبوابة الأغنية، ولم يقتصر توصيف “محمود الحلواني” لها على “الغناء” كحارس أول تشتبك معه العديد من القضايا التي تطرح نفسها على ساحته، بل إن ” النجم” هو الآخر، ووفق سردية “الحارس” أصبح “حارسا” بما منحته صفة “النجومية” من سيطرة على إيقاع النص، وتفضيلاته، بل وفي من يظهر في دائرته، وأمثلة ذلك كثيرة؛ بدءا من “أم كلثوم” و”محمد عبد الوهاب” و”عبد الحليم حافظ”، الذي انطوى القرار الغنائي عند كل منهم على قائمة طويلة من الحذف والإضافة في القصائد، بل وتقديم اللحن على القصيدة في بعض الأحيان، ومنح الفرصة لشاعر كي تحيا كلماته بالغناء، أو يتوارى عن الأعين لا تدركه الأغنية، ولا يعرف اللحن طريقا إلى كلماته.

         وتأتي الإذاعة المصرية حارسا أكبر وأهم، تقاطعت معها ظلال حراس كثر في مراحل عملها المختلفة؛ فتناول دورها في هذه السردية البديلة لمقاربة الأغنية المصرية لم يتم وفق مسار واحد، ولم تخضع – في فترات عملها المختلفة- لقياس واحد؛ ففي بدايات عملها، ومع تولي شركة “ماركوني” لإداراتها، كان الاعتقاد السائد حول ما تم التخطيط له من برامج أن المطلوب هو ” أن يسمع المصريون الراديو بالأذن التي أراد البريطانيون أن يسمعوه بها”، فيما جاءت المرحلة التالية للتمصير بطابع مختلف، ثم كانت الخمسينيات والستينيات بخطاب غنائي مغاير، وكذلك الأمر مع السبعينيات، وصولا إلى مرحلة ” الكاسيت” في منتصف السبعينيات، والتي يرى ” الحلواني” أن ثمة تشابه بينها وبين مرحلة “الفونوغراف” في بداية القرن العشرين؛ بما انطوت عليه من سلبيات طالت الأغنية، وإيجابيات طرأت على ساحتها بشكل مؤقت.

         إن مفهوم ” حارس البوابة” في كتاب ” الأغنية في رواية أخرى”، لم يكن أداة للكشف فحسب، بل مدخلا لقراءة الحقب التاريخية المختلفة، ومحاولة جادة لتشكيل وعي بها، والأهم من ذلك، قراءة اللحظة الراهنة، التي دخل إليها ” محمود الحلواني” من باب الإهداء حين قال ” وقد أظلنا زمن المهرجانات وحراس بواباته”، ليعقد صلة واعية بين ما كان، على الرغم من سلبياته، وقراءة ما هو كائن في إطار من الوعي بالأداة/ الوسيلة، التي توسع دائرة الرؤية حول الدور الاتصالي الذي تقوم به الأغنية، وإذا ما كان ” حراسها” ذوي انتماء لها، أم انتماء لمصالح أخرى. 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع