حنين طارق
عيونُ الظبي التي غابتْ،
يا ابتسامةَ الله
حين مرّتْ بنا
ثم نسيت الطريق،
أين أنت؟
بل—
أين أنا؟
ومن هذه الفتاة
التي تشبهني
وتقف الآن
على حافة العمر
كأنها تنتظر أحدًا
لن يأتي؟
الفتاةُ في التلفاز
ترقص سعيدةً
في وضعٍ صامت،
تدور،
وترفع ذراعيها للسماء،
وتبتسم
لجمهورٍ لا أراه.
لا صوت.
لا موسيقى.
لا أحد يموت
في الخلفية.
بينما هنا،
في غرفتي،
موسيقى الشجن
التي تحرس طريقنا
تمزقني على أوتارها.
كل وترٍ
يعرف اسمك.
كل نغمة
تعرف الطريق
إلى ذلك المكان في قلبي
الذي تركته مفتوحًا
حين رحلت.
أحاول أن أُغلقه.
أضع فوقه
الكتب التي قرأناها،
والأغنيات التي أحببناها،
والشوارع التي مشينا فيها
دون أن نعرف
أنها ستصبح فيما بعد
أماكن للحزن.
لكن الذكرى
أقوى من الأبواب.
تدخل.
تجلس إلى جواري.
وتسألني:
أما زلتِ تنتظرينه؟
فأصمت.
لأن بعض الأسئلة
لا تحتاج إلى إجابة.
يكفي أن ننظر إلى أعمارنا
كي نعرف.
…
تعيد إليَّ الموسيقى الحزن
مرةً أخرى،
كأن الحزن
حيوانٌ أليف
يعرف بيتي،
يعرف نافذتي،
ويعرف الساعة
التي أضعف فيها.
يأتي كلما ظننت
أنني نجوت.
يجلس أمامي.
ينظر إليّ طويلًا.
ثم يقول:
لم ننتهِ بعد.
وأنا—
التي تعبت من التجربة،
والتي عبدت طريقها
كما يُعبد قدرٌ غامض،
أفكر مجددًا
في الهروب.
ليس منك.
بل مني.
من هذه المرأة
التي صرتُها
وأنا أحاول أن أصل إليك.
أهرب من صوتي
حين يناديك في رأسي.
أهرب من الطرق
التي يمكن أن تجمعنا صدفة.
أهرب من الأغنيات.
من المقاهي.
من الكتب.
من المدن
التي يمكن أن تكون فيها.
لكنني،
في كل مرة،
أصل إليّ.
فأجدك هناك.
جالسًا في آخر القلب.
هادئًا،
كأنك لم ترحل.
…
وهنا يبدأ السؤال.
أين سنكون؟
بعد كل هذا العمر
الذي أضعناه
في محاولة الوصول؟
بل—
أين كنّا؟
هل كنا حقًا
في المكان نفسه؟
هل أحببنا بعضنا
في الزمن نفسه؟
أم أن أحدنا
كان يصل دائمًا متأخرًا
خطوةً واحدة؟
وأين—
أين يا هواي وألمي؟
أين أخذتنا هذه الطريق؟
وأين الحب منا؟
وأين نحن منه؟
هل الحب هو ما بقي؟
أم أننا بقينا
لأن الحب لم يعرف كيف يرحل؟
…
يا حبيب الصبا والشيب،
يا الذي عرفتني
قبل أن أعرف
أي امرأة سأصبح،
ويا الذي ربما
ستعرفني
حين يثقل الشيب رأسي
ولا يبقى من هذا الوجه
إلا عينان
تبحثان عنك.
يا رفيق مقاهي الملاحم،
كم جلسنا
إلى طاولات صغيرة
نظن أن العالم
يتسع لاثنين.
كم كتبنا مستقبلنا
على فناجين القهوة،
ثم تركناه
يبرد أمامنا.
يا كاتب تاريخي،
أعطيك ألقابًا
تحرسك وتؤنسك.
أسميك
كي لا تصبح غريبًا.
أكتبك
كي لا تموت.
أضع حول اسمك
حراسًا من الكلمات.
وأقف أنا
آخر الليل
أحرس ذاكرتك.
أحرسك—
وتنساني.
أحرس الطريق
الذي يمكن أن تعود منه.
أحرس الموعد
الذي لم تأتِ إليه.
أحرس صورتك
من النسيان.
وأنت،
ربما تمضي الآن
في شارعٍ آخر،
دون أن تعرف
أن امرأةً
تسهر في آخر العالم
كي يبقى اسمك حيًا.
…
وكل عام،
في الموعد نفسه،
كأن الزمن
لم يجد قصةً أخرى
ليحكيها لنا،
نعيد مسرحية الألم والهجر.
نرتدي الكلمات نفسها.
نقف في أماكننا نفسها.
أنت في جهة الغياب،
وأنا في جهة الانتظار.
يُرفع الستار.
أقول:
أين أنت؟
وتقول الحياة:
ليس الآن.
ينخفض الستار.
ثم نعود
في العام التالي.
أكبر قليلًا.
أكثر تعبًا.
أقل يقينًا.
لكننا نعرف النص
عن ظهر قلب.
نعرف متى نبكي.
متى نصمت.
ومتى ندّعي
أن شيئًا لم يحدث.
ثم نفترق
كالعادة،
ونعد أنفسنا
ألا نعود إلى هذه المسرحية مرة أخرى.
لكننا نعود.
دائمًا نعود.
….
وفي مكان ما،
بين ما حدث
وما لم يحدث،
بين ما قلناه
وما خفنا أن نقوله،
بين الصبا
الذي مضى،
والشيب
الذي ينتظرنا،
هناك موعد.
موعد قديم
لا أعرف من كتبه لنا.
ولا أعرف
لماذا ما زلت أصدقه.
موعد بوصالٍ محتوم.
موعد
أعددت له قلبي
أكثر مما ينبغي.
وتركته مفتوحًا
كل هذه السنوات.
قد تأتي.
وقد أصل قبلك.
قد نلتقي
ونضحك من كل هذا الألم.
قد ننظر إلى بعضنا
ونكتشف
أننا أضعنا العمر
في الخوف.
وقد لا يحدث شيء.
قد يمر العمر
من جوارنا
كما تمر القطارات
دون أن نتوقف.
قد يصبح الصبا
حكاية.
ويصبح الشيب
شاهدًا.
وقد نبقى،
أنت في جهةٍ،
وأنا في جهةٍ أخرى،
وبيننا
ذلك الموعد.
ذلك الوصال المحتوم.
الذي—
قد يحدث.
وقد لا يحدث.








