شوقي عبد الحميد يحيى
كما الحياة، دائمًا في تطور، كانت القصة القصيرة -هي الأخرى- تمارس التطور، الذي بدأ من تطور الشكل، الذي بدأ مع بداياتها في بدايات القرن العشرين، من الاحتواء على الحكمة، أو الدرس. وحيث قلة عدد أفراد المجتمع، ما أتاح الهدوء في الحكي، وطول الجملة، وما يوحيه بالنَّفَس الطويل، كما أن الرواية، كنوع آخر من الإبداع، لم تكن قد أخذت دورها في الاستقرار، حيث كانت بداياتها في 1912 مع ظهور «زينب» لمحمد حسين هيكل، فكان الدور الأكبر للقصة القصيرة، في منح القارئ أبعاد (الحكاية)، بشيء من التروي، فوجدنا القصة القصيرة تحتل من الزمن ما قد أصبح هو وسيلة الرواية، فيما بعد، واستمر ذلك إلى أن حدثت الثورة على ذلك الشكل، على يد يوسف إدريس، الذي اعتبر القصة القصيرة كالطلقة، تخرج دفعة واحدة، حيث رأى أن الحياة مجموعة من اللحظات المؤثرة في حياة الأفراد، وكل لحظة منها تصلح لأن تكون قصة قصيرة، وإن احتفظ باتساع الرؤية، للإحاطة بالأبعاد التي خلقت تلك اللحظة. وبعد أن تزايدت أعداد السكان، وحدث ما أثّر في الجموع، المُشكَّلة من الأفراد، كنكسة 1967، وما صاحبها من تزلزل الثوابت والرؤى، فتشتت الجملة، وغامت الرؤية في القصة القصيرة، خاصة بين من أُطلق عليهم «جيل الستينيات» من القرن العشرين، وما نعتبره ثاني التحولات في مسيرة القصة المصرية القصيرة، وما يؤكد الارتباط الجوهري بين المبدع وما يبدعه، والحياة، والمجتمع من حوله.
فالقصة القصيرة.. فن قلق بطبعه، حيث يعتمد على الحدث الفرد، أو الشخصية الفرد، أو الموقف الفرد. فهي فردية، وتمثل رؤية كاتبها في فترة زمنية محددة، وهي تختلف عن الرواية، في أن الرواية تمثل مقطعًا طويلًا، أو عرضيًا، يعكس وجهة نظر الكاتب في مرحلة زمنية ممتدة، وربما تمثل عددًا من السنين، أو مرحلة حكم ما، المهم أنها تمثل المجتمع في تلك الفترة. والعامل المشترك بينهما، أن كلاهما يمثل وجهة نظر الكاتب تجاه المجتمع، حيث لا انفصال بينهما.
فإذا نظرنا إلى بدايات الرواية والقصة القصيرة -وكلتاهما بدأتا في مصر مع بداية القرن العشرين- فسنجد رواية «زينب» التي كتبها محمد حسين هيكل في العام 1911، وإن كان هناك من يذكر أنها ليست الرواية العربية الأولى، ولكن سبقتها كتابة زينب فواز اللبنانية التي كتبت «حسن العواقب» في العام 1899.
بينما كتب محمد تيمور (1892-1921) قصته القصيرة «في القطار» -والتي كتبها في 7 يونيو 1917، وجمعها أخوه محمود تيمور في مجموعة «ما تراه العيون»، [1] والتي جمعها بعد وفاته، حيث صدرت في العام 1922-، والتي بدأها بـ: «صباح ناصع الجبين يجلي عن القلب الحزين ظلماته، ويرد للشيخ شبابه، ونسيم عليل ينعش الأفئدة، ويسري عن النفس همومها، وفي الحديقة تتمايل الأشجار يمنة ويسرة كأنها ترقص لقدوم الصباح، والناس تسير في الطريق وقد دبت في نفوسهم حرارة العمل، وأنا مكتئب النفس أنظر من النافذة لجمال الطبيعة، وأسائل نفسي عن سر اكتئابها فلا أهتدي لشيء».
فعلى الرغم من بهجة الحياة من حول السارد، إلا أنه يشعر بالاكتئاب. أي أن الانعكاس هنا على الذات الساردة، الذات الفردية. وينهيها بـ: «ووقف القطار في قليوب، فقرأت الجميع السلام وغادرتهم، وسرت في طريقي إلى الضيعة وأنا أكاد لا أسمع دوي القطار وصفيره، وهو يعدو بين المروج الخضراء؛ لكثرة ما يصيح في أذني من صدى الحديث».
حيث نجد السارد -أيضًا- سائرًا منفردًا، وكأن شيئًا لم يكن. فضلًا عن أن الحديث قد سار وفق ما كان مثارًا في ذلك الحين، وهو تعليم الفلاح، ورؤية الأفراد لذلك. وهو ذات الموضوع الذي تحدثت عنه رواية «زينب – مناظر وأخلاق ريفية» لهيكل. الفلاح؛ حيث تناولت الرواية الحياة الرومانسية التي استطاعت بها الفتاة، رغم الظروف القهرية التي مورست عليها، خاصة في الزواج، وهو ما يعكس الحياة في تلك القرى التي تعاني الفقر، ويعاني أهلها (الاحتقار)، سواء من المستعمر أو من البدو. فانتصرت الفتاة بطريقتها، حيث تنتهي الرواية بـ:
«ثم طلبت زينب إلى أمها أن تأتيها بمنديل محلاوي موضوع في صندوقها، وأخذته بيدها فوضعته على فمها، ثم على قلبها. وكانت آخر كلمة لها أن يوضع المنديل معها في قبرها. وفي وسط الليل أغلقت عينيها وراحت إلى أعماق سكونها، وارتفع صراخ العجوزين يعلن في الفضاء موتها».
فالرواية هنا، رغم أنها انتصرت للفتاة (المقهورة)، إلا أنها تعرض لحياة الريف عمومًا، وما يعانيه من كبت نفسي. فهي تعرض لحالة الريف الذي، رغم تقديمه للغذاء لكل من يحتقرونه، الأمر الذي يخلق حالة نفسية تزداد عن المرأة. والهم هنا جمعي. يتأمل حياة الفلاح، في وقت كان للفلاح أهمية كبيرة في تلك الفترة تحديدًا. فتناولت الفروق الطبقية، وحقوق المرأة، والقيود الاجتماعية. أي أنها كلها قضايا عامة.
فالتناول هنا موضوعه الفلاح، في القصة القصيرة، والرواية. وكلتاهما لم تعرف الثبات في طريقة كتابتها، حيث اختلفت أساليب الكتابة في كل زمن، ولم يكن بين هذه الأساليب طول العمل أو قصره. فعلى الرغم من وصف الجميع لـ«البوسطجي» الذي كتبها يحيى حقي، وهو أحد الأهرامات المهمة في تاريخ القصة القصيرة، قال عنها الجميع إنها رواية، في الوقت الذي لو طبقنا عليها أحكام عصرها، وما أكده يوسف إدريس فيما بعد، سنجد أنها ليست إلا قصة قصيرة، بحكم الزمن، فهي -زمنيًا- تقع في المسافة بين فتح الخطاب وقَفْله، بينما تنوعت الأحداث فيها، بما يوحي للقارئ المتعجل أنها رواية.
ويُعد يحيى حقي (1905-1992)، وجاء يوسف إدريس (19 مايو 1927-1 أغسطس 1991)، والذي قدم أول مجموعاته «أرخص ليالي» في العام 1954. والذي اعتمد في قصصه على الزمن، الذي لا يتخطى اللحظة أو الفترة القصيرة جدًا. ثم جاءت نكسة 1967، ودفعت كتاب القصة لإدخال أسلوب تداعي المعاني، حيث أحاطت الكتاب في تلك الفترة بالبحث عن المجهول وراء تلك النكسة. ثم جاء جيل السبعينيات والثمانينيات، وأرادوا التمرد على كل الموروث، أو إعادته إلى الخلفية. ويأتي كل جيل ويحمل في جيناته التمرد على الواقع المعاش، وخاصة في ظروف سياسية واجتماعية، أحاطت بالكثير من المحاذير، التي أدت بهم إلى هجران فكرة الزمن، وذلك لمحاولة إقناع القارئ وشحنه على الأوضاع المراد تغييرها، فخرج عن القيود -الزمنية- أشرف الصباغ، وشريف العصفوري، والناقد مجدي نصار، والذي بحكم كونه ناقدًا، سعى إلى الثورة والتجريب، الذي لم ينقطع عن تغيير تلك الأحكام التي تتحكم في الإبداع، ليبقى في النهاية، الحدث الذي يؤدي الأثر على القارئ، ودفعه للفعل، وهجران السكون. فكانت مجموعته الأولى «نظرية حسن مرعينيو» [2]، والذي حاول فيها التجريب، بالخروج على عنصر الزمن في القصة القصيرة. ولكن المهم هو ما ينتمي إلى آباء القصة القصيرة، ومن بينهم موباسان، الذي رأى أن القصة القصيرة يجب أن توافق روح العصر، وكانت وسيلة طبيعية للتعبير عن الواقعية الجديدة، وغايتها اكتشاف الحقائق من الأمور الصغيرة العادية المألوفة. والمهم أن مجدي نصار تجنب القول بأن قصصه تنتمي للقصة القصيرة، وإنما اكتفى بالقول على الغلاف بأنها قصص، وكأنه يتحسس طريقه، ولا يدري بما يمكن أن يقوله عنه القارئ المتخصص، مكتفيًا بالأثر الذي يمكن أن تتركه القراءة لهذه النوعية من الكتابة.
ففي أولى قصص هذه المجموعة، «حارة الحارة»، والذي يبدو من العنوان التأكيد، أو الضغط، على الأسماء، بما توحي به من الدفع والحركة، فالتكرار هنا ليس للسجع، وإنما للتأكيد على المعنى المراد منها. فإذا ما أخذنا شخصية «نعيمة» الفاتنة، بل الزاعقة في الفتنة، سنجد أن الكاتب سماها «نعيمة نعيم»، والتي فشل في ممارسة الجنس معها تحت بسطة السلم، فأصبح اسمه من يومها لدى نعيمة، بل الاسم المشهور به هو «الموكوس»، ويبدو أن الوكسة لم تنل السارد وحده، بل «يبدو أن الكل وقع في الوكسة». أي أن الحارة قد خلت من (الرجال)، ولذلك فضّلت عليه، بل فضّلت على كل أبناء الحارة «شديد الشديد»؛ «فاصطفته نعيمة حارسًا لفتنتها». حيث هو الوحيد الذي استطاع أن يشبعها، أي أن الاسم له دلالته المؤثرة، والموحية، وكأنه رسالة موجهة إلى القارئ.
وينتقل الكاتب ليقدم الإنسان العفوي «أشرف الشريف» عند الخروج من الحارة الضيقة إلى مصر عامة: «قطعنا الطريق من حارة الحارة إلى الكورنيش، خرجنا من ضيق الحارة الشعبية إلى براح النيل وبهاء المباني المطلة عليه. وقفنا ننتظر الأتوبيس»، ولنصبح هنا أمام المفارقة التي قسمت المجتمع إلى طبقتين، حيث يقيم الكاتب المفارقة بين الحالتين، حالة السارد، بمواقفه المعارضة، وحالة «أشرف الشريف» حين أعلن أشرف: «أعلن كعادته دعمه لكل قرارات الحكومة، الأخيرة والماضية والقادمة.. أما أنا فاستنكرتُ القصف الأخير لغزة».
ويزداد الكاتب توسيعًا للرؤية: «حدثنا الرجل عن قرارات أعلنتها الحكومة منتصف الليل.. طبقوا حظر الكلام على المخالفين في الحديث، على الشاتمين والمتنمرين والمجادلين في السياسة! أيده شاب يجلس خلفنا وحلفت امرأة إن كلامه صح». حيث أصبح الحديث ممنوعًا، طالما لم يؤيد ما تقوله الحكومة. وامتد العقاب إلى الكمساري ومساعده، فنطق العجوز: «بص العجوز للكمساري في إشفاق ثم نصح الجميع بالاحتياط، مسح رأسه الأشيب وضحك عن أسنان بالية: ابقوا اشتموا في سركم!».
وامتد الصمت إلى الجميع، في العمل، ورواد العمل: «توافد العملاء، استعان كثيرون بالكتابة وعوقب ثلاثة في الحال.. الأول شاب اتهمني بتعطيل أوراقه ثم سبني، الثاني عجوز خبط على مكتب كريم ثم شتم الدولة كلها، الثالثة فتاة سمراء، وصفت سلوى بالغبية فوصفتها سلوى بالوسخة واستكملتا الشجار بالأعين والأذرع. كتبتُ لسلوى: القانون مش هيرحم حد، فكتم كريم الضحك». وأصبح الكل يتعامل بالورق، دون كلام.
وأصبح الحلاق «يقدم نفسه بـ”مسز سعداوي”، ويقدم زوجته بـ”مستر حبايب سعداوي”». الأمر الذي يشير إلى تبادل الأدوار، أو أن يصبح الرجل (امرأة). وأصبح «شديد الشديد» غير قادر على إشباع زوجته للمرة الرابعة، تحت تأثير الحشيش والمغيبات. وشاركت نعيمة نعيم «منشورًا يقول: انتشر الفساد وزاد وحَلَّت اللعنة على العباد.. لا خلاص إلا بالإخلاص ولا نجاة إلا بالمناجاة».
ولم يأتِ الصمت ثماره، فانتقل الشعب إلى الحركة: «ولمَّا لجأ البعض للعنف، قررنا معاقبة الأبدان التي ترتكب الحماقات وتثير البلبلة؛ حفظًا للهدوء والأمن والبلابلابلا…….». ولما عجزت الحركة، أراد السارد أن يبكي، فقال مذيع التلفزيون: «- ولذلك تقرر منع البكاء إلا في الحالات التالية…!».
فلا نملك بعد القراءة إلا النظر حولنا، فهل عبّر الكاتب عن الواقع المعيش؟
وهنا نتساءل عن القصة القصيرة، وقد غاب عنها الزمن، فامتدت الأحداث والوقائع، حتى إنه لم يتبقَّ منها إلا الرؤية الواحدة، كما يتبقى أن أعماق السارد هي التي تتحدث وتفعل. ولكننا إذا عدنا إلى أهمية الأدب بصفة عامة.. سنجد أنه رسالة، توجه من الكاتب إلى القارئ، لعلها تفعل فيه ما يحرك وجدانه، وتحوله من السكون إلى الحركة. وهو ما نجده في هذه القصة، فقد تحول الصمت الإجباري إلى الانعزالية والسكون، فتحرك السارد من السكون إلى الحركة، عندما بدأ العنف، ولكن الكفتين غير متوازنتين، فلم يجد إلا البكاء، فجاء الأمر بإلغاء البكاء. حيث يصل الإنسان إلى حالة من اليأس، الذي ليس بعده سوى الحركة.
وفي قصة«مركز حقوق الأشياء» يبدأ الكاتب قصته بـ: «أحسستُ برجفة في أطرافي، فتحتُ عينيَّ على شمسٍ واهنة تتسللُ من الشُّباك، سمعتُ المطر.. والرعد، شعرتُ بملمسٍ صلب تحت بدني المفرود، اعتدلتُ جالسًا، أدركتُ إني على الأرض ولستُ في الفراش، انتفضتُ واقفًا، أشعلتُ النور، ارتديتُ معطفي المعلَّق خلف الباب فتسلل إليَّ بعضُ الدفء».
فنتبين أن القصة بدأت بالإحساس الفردي، وهو من صميم القصة القصيرة -وإن لم تعد قصيرة-، فهي تستدعي رواية 1984 للبريطاني جورج أورويل، التي زرع فيها الكاتب أجهزة تنصت في كل شبر في حياة الناس، لكن مجدي نصار جعل الأشياء هي التي تتنصت على الأفراد، فأصبح كل الناس مكشوفين أمام السلطة. فالأشياء، السرير والملاءات، والثلاجة، وكل ما في البيت، يرصد حركة الآدميين، ويستسلم الفرد أمام الشرطة، فيقول ضابط المباحث:
«- دي رسالتنا.. رسالة عظيمة.. يلزمها مواطن زيك.
دققت النظر في اللوحة، رأيت قردًا مبتسمًا، ينام على سرير أبيض ونظيف، يرتدي بدلة حمراء، يرفع ساقًا فوق ساق، يمسك بيمينه شجرة صغيرة، وبيساره كرة قدم، بينما يتدلى من السقف كتاب مفتوح، مربوط بخيط، يقرأ فيه القرد بتركيز وسعادة».
فمثلما الكثير من رجال الإعلام، يصبح هذا القرد هو جاسوس الشرطة التي تزرعه لكل مواطن.
فبعد أن يصحو الفرد من النوم، يجد أشياء غريبة قد ضاعت، فيظن أن سارقًا هو الذي سرقها، فيذهب للإبلاغ عنها: «الجمعة الماضية، كانت الملاءة على المنشر، أنصتت لحديث الناس. أخبرت السرير بالتفاصيل، فقاد التمرد ضدك. تمرد معه درج الكومودينو؛ تفتحه عشر مرات يوميًا. انضم إليه ألبوم الصور وجريدة عمرها ثماني سنوات، تغرقهما بالدموع، فتثير حزنهما. بقية محتويات الدرج رفضت المغادرة: راديو، قلم، كراسة، زجاجة برفان، عشرون خطابًا، رسمتان بالرصاص، ساعة، ولاعة مذهبة. تركهم السرير على الأرض، مع المنبه وعلبة أقراص منوِّمة. نصيحة».
ويتساءل الفرد، طالما أن هذه الأشياء قد أعلنت شكوتها، فلماذا لم تكلمني، وكأن الضابط قد قرأ ما في نفسه فيجيبه: «قلت في نفسي: لم أسمع صوت الأشياء، لماذا لم تكلمني بنفسها؟ وكيف تركت البيت أصلًا! هذا حلم سخيف.. والله سخيف. التفتَ إليّ، كأنه قرأ أفكاري:
ـ أشياؤك لن تتحدث إليك. لها لغة لا يفهمها سوانا».
فيخشى الفرد أن يبوح بكوابيسه التي تؤرقه: «خجلت من ذكر كوابيسي: يطاردني فيها رجل ملثم، في يده بندقية وفي الأخرى مسدس، حول خصره حزام، يعلق به سيفًا، مركز حقوق الأشياء، وسكينًا وخنجرًا. يمسك بي بعد ركض طويل، يقتلني في كل مرة بطريقة مختلفة».
فيقرر الضابط أن يمنحه لوحة القرد المعلقة على الحائط، ويدّعي الفرد أنه سيحافظ عليها: «نهضتُ متحاملًا على غرابة الأحداث، على قمع رغباتي وإملائي رغبات لا أريدها. على مسرحية هزلية تجري وأتظاهر بتصديقها». وكأن الحرية قد أصبحت للأشياء للتجسس على الآدميين. فالرؤية هنا أيضًا واحدة، ووحدة القصة واضحة، حتى وإن تخلت عن عنصر الزمن الذي وضعه يحيى حقي ويوسف إدريس.
وعندما يخرج الموتى من القبور، فهو إعلان عن قيام القيامة، والأحياء سيقعون في الحيرة، وتتزلزل الأرض، فيأتي عاليها واطيها. وهو ما قدمه الكاتب في قصة «عزبة مليكة»، والتي تعتبر استدعاءً لـ«ثورة الموتى» [1]. فإذا كانت «ثورة الموتى» تخبرنا برفض بعض الجنود الدفن، فإن مجدي نصار يعود بالأموات من قبورهم، ليشاركوا الأحياء السكن والمأكل، مما يزيد الأزمة التي يعيشها الأحياء.
وإن كانت القصة يمكن قراءتها على أساس تغيّر الحياة بعد الموت، فيفاجأ الأموات بما تم من تغيّر في الحياة. إلا أن الزلزال الذي قام بنهاية القصة يدعونا للنظر بعين أخرى لها، فإذا ما نظرنا إلى العمدة، باعتباره كبير القرية، وكأنه يدعو لعودة الأموات إلى قبورهم: «صاح العمدة: الحي أبقى من الميت. هز عزوز رأسه: صحيح. رمته ناعسة بنظرة استنكار: هو فين الميت يا عزوز؟ دهس العمدة سيجارته، صاح بالدكتور إسماعيل: عاوزانا نجوع كلنا! مصمصت ناعسة شفتيها وسألت كامل: وده عمره جَرَّب الجوع؟!».
حيث يثير التساؤل الذي طرحته «ناعسة»: «هو فين الميت يا عزوز؟» خيال القارئ، ليصبح الفرق صفرًا بين الأموات والأحياء، إلى جانب تأمل كلمتها: «وده عمره جَرَّب الجوع؟!». لنلمح التفرقة بين القمة والقاع، أو تقسيم المجتمع إلى طبقتين. ويزداد غضب العمدة: «كامل فودة ينظر في السماء ثم يسأل الطبيب إن كان يلحظ تأخر الصبح كثيرًا عن موعده، يصيح العمدة متوقعًا أيامًا أكثر سوادًا من هذا الليل الحالك، ينهض إلى السور، ينادي خفراءه بصوت هائل كبركان، يأمرهم بالقبض على العائدين جميعًا، تقول الشيخة ناعسة في سخرية:
ـ اللي خرجهم من قبر مش هايخرجهم من أوضة في دوَّار؟».
وهنا يجب -أيضًا- التأمل في تأخير الصباح كثيرًا، وما توحي به الكلمات من ظلال تمتد إلى خارج القصة. وكأن القاع يسخر من القمة، وأن لكل كبير من هو أكبر منه، حيث تبزغ ثقافة القاع، كلما غلبتها الحيلة، اللجوء إلى الأكبر، إلى الله.
وتزداد الزلزلة: «تتسع الزلزلة كبقعة زيت مسحورة تتمدد شيئًا بشيء. يكتسح العزبة طوفان غير مرئي، تتمشى الشقوق في جوف الأرض فيضطرب سطحها ويتخبط الناس في الناس وتصطدم الأشياء بالأشياء ولا يفرق السقوط بين حي وجماد». وكأننا أمام يوم القيامة. ويحاول العمدة التمسك بالسور، عله ينجو، في يوم لا ينفع فيه المحاولة: «يستمسك العمدة بالسور، يتأرجح الشيخ عزوز وتهتز مسبحته، يرتمي إسماعيل مندور في حضن كامل فودة فيسقطان فوق شيخ البلد. الشيخة ناعسة تنتصب كنخلة شامخة تنظر للعمدة الخائف في تَشفٍّ».
وهكذا تبرز القصة القصيرة في البدايات والنهايات، التي تفتح الرؤية على المستقبل إذا ما أصر العمدة على ما هو فيه.
ويستمر الكاتب في العزف على لحن الألم الذي يعانيه المجتمع، حيث نرى في قصة «ضحكة سيبو» الصحفي الذي «لم يعد يكتب المقالات (الحرَّاقة) منذ أصبح رئيسًا للقسم الفني، لكنه يكتب واحدًا كلما تطلعتْ ابنته كارما -ذات العينين الزرقاوين- نحو نجاح جديد. راح يخطب في المسئولين والناس، يُعَدِّدُ فوائد الضحك للجسم والروح، يحذرُ من تكرار الحالة فتصير عدوى تنتهي إلى وباء. كتب في الختام: “استعيدوا ضحكتنا التي سرقها الظلاميون، أَنقذوا سيبو كيلا يفقد عقله ويجوب الشوارع مرددًا قول المطرب الشعبي عبد الباسط حمودة: ما حدش عنده ضحكة سَلَف.. أداري دموعي جوَّاها!” وقَّع المقال باسم “كارما البرهان”».
فلم يوقعه باسمه الحقيقي، خوفًا مما قد يصيبه من وراء ذلك، وأصبح (ترند)، حيث اعتُبر جرأة منه أن يكتب ما كتبه، وفقد الصحفي الضحكة، وأصبح الكل لا يضحك، فما من شيء من تلك التي أشار إليها الطبيب، وكانت مبعث الضحك في الماضي: «قال الطبيب لا أحد يعرف مركز الضحك في المخ؛ من أين يأتي الضحك إذن؟ من حنان الأمهات، من مداعبات الجدَّات، من أغانٍ هدهدنا الكبار عليها ونحن صغار، من قبلات سرقها العشاق من الزمن، من تأملنا في السماء، من نظرنا في الوجوه الجميلة، من سخريتنا من الأحزان، من الأحزان ذاتها، من أين؟!».
فمن أين يأتي الضحك؟ وسارع الشيوخ في تفسير ذلك، بإرجاعه إلى الغيبيات: «أصبحت ضحكتي شاغل البلد الأكبر والوحيد. كارما تواصل الطلقات: (الشيخ حمامة الأزهري: نعم.. بإمكان الجن أن يسرق الضحك!)».
ثم يسير السارد في حياته، ويلتقي بـ«مادا»، ويمثلان فيلمًا جنسيًا، وليقع القارئ في البحث والتحري: هل كانا بالفعل يمثلان، أو أن هذه هي الحقيقة؟ وقد يتصور القارئ أن الكاتب خرج عن الضحكة الغائبة، لكنه -الكاتب- يستغل ذلك في عرض ما في المجتمع من سوءات: الجنس، والخمر: «دار الخمر برأسي، هدأ وميض الكهرمان، سكرت مادا، سحبتْ كرسيها إلى جواري، سألتها لماذا تستقيل لأجلي، ربتتْ ظهري: أنت صاحبي. سألتها بخبث: صاحبك بس؟! ضربت صدري بكسل، أراحت رأسها على كتفي، انكمشتْ داخل معطفها، هفهف شعرها، قربت أنفي فانتشيت، وضعتْ يدًا بين فخذيها، وشبكت الأخرى بيدي، اخترق سهم اللمسة مخي ثم انساب في جوفي حتى اشتعل في الأسفل. تداخل مع النشوة شعور بالحزن: هل ترضى الثمار أن تقطفها بوجه عابس؟ هل تلين الكمثرى إن قضمتها بوجه مكفهر؟ هل أعيش واقعًا أم حلمًا؟ هل اخترع البرهان كذبة ثم خدَّرني لأصدِّقها؟»، وعدم المساواة؛ فمن يمتلك المال والسلطة يستطيع أن يفعل ما يشاء.
فإذا كانت القصة هنا قد فقدت الزمن (اللحظة)، ودخلت في تفصيلات كثيرة وتتشعب، فربما كان هذا التشعب مطلوبًا في الوقت الحاضر، ليزيد من عملية التمويه، فكان مبررًا للهروب من المباشرة التي قد لا تُحمد عقباها. إلا أنها، في ذات الوقت، تؤدي الدور الرئيسي للإبداع.
وفي قصة «نظرية حسن مرعينيو» تبدأ القصة بهذه الكلمات الدالة، التي تنبئ عن أن سرًا دفينًا قد بات ينغص أعماق الرجل، ويزرع فيه الضغينة من أولئك الكبار، الذين لا يشعرون بمرارة الفقراء. وهو ما يوضح أن تلك الضغينة لها سنوات طويلة. لكنها تظل في الداخل، تبحث عن متنفس، حيث لا يجده الفقراء إلا في الموت. وكأننا أمام مشكلة أبدية، حيث ينقسم -أي مجتمع- إلى أغنياء وفقراء، وبينهما تنشأ الضغينة، ويبدأ الحقد، ونظرًا لطبيعة الشعوب (العربية) التي تميل إلى السكون والتواكل، فهي لا تملك إلا الدعاء على الغير بالموت، وكأنها تحيل همومها إلى القوة الأكبر، والتي لا يستطيع أحد لها ردًّا، وهو ما يخطط له الفاعل هنا في هذه القصة، محاولًا أن يكون يد الله، أو أن يكون إيجابيًا، خاصة عندما يتعاظم الأمر، وتصبح التفرقة فيها من اللامبالاة من المسؤولين، الأمر الذي يستفز القوى الأقل للقضاء على القوى الأعلى، وهو الشعور العام الذي يشعره المصريون هذه الأيام، حتى إنهم رأوا مجتمعهم ينقسم إلى قسمين لا علاقة بينهما.
فتبدأ القصة، بما يوحي بأقدمية هذه القضية: «تحكي الأسطورة – كما سمِعَتْها سناء العسَّال في صباها، من جدَّتها، ثم قَصَّتْها على حسن مرعي ذات فجر صيفي رطب – عن امرأة فقيرة، كانت تتنقَّل بين بيوت الأثرياء طلبًا للحاجة، كلما أكلت طعامًا في بيت، عرفت أسرارَ أهله جميعًا، حتى تجمعت في رأسها مئات الخبايا. أخفت معجزتها ثلاثين عامًا، لكنها ذات صباح، شعرت بوخزات عنيفة تدق قلبها الواهن، فباحت بسرها لزوجها ثم فارقت الحياة».
فاستخدام (الأسطورة) يوحي بالقدم ومرور العديد من السنوات، وكأنها ترسيبات تتراكم حتى تبلغ الحلقوم في هذا الزمن. فقد وصلت إلى سناء، المعاصرة، وكأنها تأمر بإزاحة التراكمات التي هيمنت على المصري منذ آلاف السنين، لذا كان -الكاتب- موفقًا في منح المجموعة عنوان هذه القصة للمجموعة ككل، وكأنها تفرد أذرعها على القصص الأخرى في المجموعة.
حيث يتساءل «حسن»، وكأنه أمام مواجهة الإنسان -المصري- للطبيعة، أي أنها أسئلة وجودية، وهو يتساءل بينه وبين نفسه، حيث الجهر بها يمكن أن يُعرّض الإنسان لما هو في حكم المرفوض:
«لماذا يختلف الإصلاحيون والثوريون وكلاهما يسعى إلى ذات الهدف؟ لماذا تركته سمر بعد حب وصفته بنفسها بأنه فريد؟ لماذا الشيوخ متجهمون والقساوسة متخشبون وأصحاب السلطة متصلبون؟ لماذا دفع كمال حياته ولم يفكر فيه أحد من الذين هتف لأجلهم؟
لماذا يحمل الصياد بندقيته في زهو، مع أنه قاتل آثم؟ من أين يأتي الأثرياء جدًا بكل هذا المال الحلال؟ لماذا يطلق البعض اللحية ويحلق الشارب، مع أن كليهما من شعر؟ لماذا يبتسم الناس في الصور رغمًا عنهم؟ لماذا نُصر على دفن الموتى بالقرب منا، مع أن الأبدان تتآكل؟ لماذا اعتبر يحيى أن موت ابنة الرجل القط يعد انتقامًا كافيًا لكمال؟ لماذا تنتقم السماء من إنسان في آخر؟ لماذا أحس بغضب حين لمح سناء مع رجل آخر، مع أنه هو الذي هجرها وعذَّبها بالهجران؟ لماذا كفَّ عن الخمر في بيت شيرين ولم يفعل المثل في بيت سناء؟ لماذا يخشى العالم انقلاب نظامه الوهمي؟ ماذا يضير الحياة لو انقلب هرم الطبقات إلى دائرة تموج بعضها في بعض، فلا يكون فرق بين شيرين وسناء، بين وزير وغفير؟».
ويتبع ذلك بـ«غسَّلها وكفَّنها وحملها إلى القبر متبوعًا بجمع من الفقراء». وكأن الكاتب يضع حسن وسناء في جهة (الفقراء). ثم يؤكد أن ما باحت به الزوجة ترسَّب في أعماقه، وساقه للفعل، فأكمل: «لم يلحظ أيهم أن الجثة بلا رأس، ولم يعرف أحد أن الرأس كان يُطهى في اللحظة ذاتها في قِدر كبير. عاد الرجل إلى بيته، مسح جوعه وفضوله بلحم زوجته، غسل جوفه وحزنه بحساء سمين يحمل رائحتها».
حيث الرأس هي الوعاء الحاوي لكل تلك الترسبات، فانتقلت من إنسان لآخر، فكان الدافع هنا داخليًا، أي فرديًا، وإن انعكس على مجموع الفقراء من المصريين. ولما كان الفقراء عاجزين عن الفعل، فقد أتاح الزمن لهم الفرصة لينفذ «حسن» فعلته، فـ«…. قبل انتصاف الليل، قامت بين الأثرياء معاركُ شرسة، هُتِكَ المكتوم وكُشِفَ المستور، أُشهرت السيوف وانطلقت الرماح، تتابع سقوط القتلى كحبات مطر. في الصباح، خرج فقراء المدينة إلى الشوارع حائرين، للمرَّة الأولى يجربون العيش في فوضى؛ بلا سادة أو قانون».
فتدبَّر حسن الأمر، وخطط له حتى قتل الرجل (الأسد). واستخدام الإشارة إلى (الرجل الأسد) كناية عن الرجل الكبير.
وقد استخدم الكاتب عملية التقطيع في هذه القصة، حيث تباعد المكان، وأصبح الفعل يتطلب التنقل في أكثر من مكان، وتباعد الزمن، فكانت عملية التنفيذ تتطلب الصبر والتخطيط. فتغلب بذلك التقطيع على تلك التباعدات، ليظل الهدف واحدًا، والرؤية واحدة، ومستمدة من طبيعة الفقراء، وما يحملونه في باطنهم من الرغبة في الثورة، ولكنهم لا يملكون أدواتها.
وفي قصة «برتقالة وشوكة وسكين» تخرج أعماق الكاتب، الباحث عن المدينة الفاضلة، التي تكمن وراء الفوضى، التي يظن البعض أنها الفرصة للنهل من الحياة كيفما شاء، لكن الحكمة تقول إنه لا يصح إلا الصحيح. فنرى الكاتب وقد تحول إلى نحات، حيث يصنع تمثالًا لامرأة وزاد من حسنها، حتى تكلمت -وكأننا أمام «بجماليون»- وأسماها عزة، لكنه لم يتركها وحيدة، فصنع لها تمثال رجل، وهمست هي بعينيها أن يسميه «حسن»، ولإتمام الحبكة، صنع تمثالًا آخر لـ«منال» كصديقة أرملة لعزة.
إلا أن «عزة» كانت تحسب لكل شيء حسابًا، وتسير على نظام لا يتغير. غير أن «سعاد» كانت على العكس من ذلك، فيقع «حسن» الطبيب في حب «سعاد»، أو في حب الفوضى: «يكفر بالواجب والمفروض، يؤمن بالعفوية والفوضى، يشرب الشوربة من الصحن، يمضغ بصوت ويتجشأ، يفصص البرتقال ويلتهمه، يدلدق العصير على صدره، يرمي عزة وتاريخها في الزبالة، ربما يصارحها بهيامه في سعاد، ربما يطلِّقها، وقد يصحب سعاد إلى المؤتمر، يقدمها للجميع حبيبة أبدية وسرًّا كان مدفونًا في قلب الغيم حتى طلعت الشمس».
وبعد طول الزيارات والرغبات المتأججة، يحاول كل من «حسن» و«سعاد» أن يوقع الآخر في حبائله، وهو لا يدري ماذا يخطط الآخر. فيدس كل منهما المخدر للآخر في عصير البرتقال، ليذهب كل إلى غيبوبته، في الوقت الذي تدخل فيه الزوجة ومنال، التي تنطق بما يذهب بالقصة إلى الأوسع من التجربة الشخصية، فيصبح الرجل عاجزًا عن الفعل ويجدانهما: «يجلسان الآن تائهين عاجزين، يدها على رأسها ويده على بطنه. يسمعان صوتًا على السلم، صهيل مهرة هائجة، ينفتح الباب، تدخل القطة مهرولة، خلفها منال، في روب أحمر، تشخر: د طلع عطلان بصحيح؟!».
فإذا كان من الممكن أن نقرأ القصة على أنها تجربة كاتب، مع شخوصه، وكيف يصنعها، ويقيم الحبكة، غير أن ما نطقت به «منال» يعيدنا إلى سياق ما سبقها من قصص، ونتأكد من أن حتى الخيال أصبح عاجزًا عن فعل شيء، وكأن الكاتب قد وصل إلى مرحلة اليأس في إصلاح ما هو قائم. وليقف المؤلف بينهم: «وقفت حائرًا بينهم.. حسن يتلوى، وسعاد تترنح، ومنال تصفع حبيبها المجنون: حطيت إيه يا ابن الكلب؟! يجيبها صوت غنائي من الخارج: سِمْ!!».
فتنحصر المجموعة بأكملها في كشف السوءات التي تعتور المجتمع، وكأنه يكشف عنها الغطاء، حتى تصبح مرئية أمام الجميع. ولينظر كل حوله، ويتأمل.. ماذا يمكن أن أصنع؟ ولتتحد قصص المجموعة في رسالة واحدة، وهو ما يمكننا من استخلاص أهم العناصر التي استعان بها الكاتب من القصة (القصيرة)، عدا عنصر الزمن:
1- كثرة الجنس في المجموعة ليس للإثارة، وإنما التحامًا مع منظور رجل الشارع؛ الفشل في هذه العملية يُخرج الرجل عن الرجولة. فجاءت الإشارات.. رمزية وليست للإثارة. فضلًا عن الكثير مما يُستخدم كعملية إلهاء، مثل الجنس، والكورة، والمغيبات مثل (الحشيش والأفيون والخمر). الأمر الذي يحتم أن يقرأ القارئ وهو ينظر حوله، على الرغم من عمليات التمويه التي يستخدمها الكاتب كثيرًا.
2- تمتع الكاتب بالأفق الواسع من الخيال، الذي استطاع به أن يخلق أحداثًا توازي ما يحدث في المجتمع، ويجبر القارئ على النظر من حوله. فهو لم يستخدم الرموز التي تشير، وإنما إلى الرؤية الكلية التي تصف حال المجتمع.
3- خروج المجموعة عما تعارف عليه في القصة القصيرة، من كونها تمثل اللحظة، أو الموقف الواحد. وامتداد القصص -زمنيًا- لتصل إلى بعض الشهور والأيام، نظرًا لأن القصة (القصيرة) تنحسر في البدايات والنهاية، بينما في المنتصف، تعيش شخوص القصة حياتهم الطبيعية، دون فواصل بين كل شخصية وأخرى، وكأنها تخضع لتداعي المعاني، مما يشتت ذهن القارئ. وكان هذا هو التجريب الذي سعى إليه الكاتب -في تصورنا-، وإن حرص على وحدة الموضوع، واستخدام صيغة تداعي المعاني في بعض القصص، واستقلال الصوت الفردي النابع من الأعماق، وهو أحد خصائص القصة القصيرة، وما يقربها من الشعر، خاصة وأن اللغة تتمشى مع الوصف، إن كان رومانسيًا، أو وصفًا للبيئة الفقيرة.
4- تعيدنا المجموعة إلى القصة القصيرة (والرواية) في فترة تسعينيات القرن الماضي، عندما أصمَّ المسؤولون السياسيون الآذان عن مطالب الشعب، فبدأ المبدعون في استخدام اللغة الخشنة، أو الزاعقة، وكأنه قد فاض بهم الكيل. فنرى في قصة «ضحكة سيبو» -من هذه المجموعة-: «الوسخة اللي مصاحباه بتخليه يتاجر في الهروين»، و«شخرت منال»، و«وشياطين الرغبة بنت كلب» في قصة «برتقالة وشوكة وسكين»، و«ما تشتمش سعاد يا عرص»، وغيرها من الكلمات (الحراقة)، فضلًا عن المسميات النابعة من البيئة الشعبية مثل «مشمش»، وإلصاق التعبيرات المعبرة لبعض الشخصيات مثل (سيبو).
5- استخدام التقديم والتأخير كثيرًا، مما قد يشتت رؤية العمل، ويدعو القارئ للقراءة مرة أخرى، لتحديد اتجاه القصة، ليجد في النهاية أنها لم تخرج عن الرؤية الواحدة، والتي تتمحور كلها حول رؤية (الإنسان) لمصر في الوقت الحالي، وليصبح الأدب هو المعبر عن الفترة الزمنية المكتوب فيها العمل، لذا فهو الأصدق من التاريخ الرسمي الذي يفرضه فرضًا، الجالس فوق القمة. وكأننا نعود إلى تعريف القصة القصيرة في بداياتها، من أنها القصة التي تُقرأ في جلسة واحدة.
ولتظل المجموعة تجربة، بل علامة على تطور فن القصة القصيرة، وإن كانت تدعو إلى إعمال العقل، في البحث عن صيغة جديدة لمنتصف القصص.
……………..
1-محمد تيمور – مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة- 2014.
[1] – (مسرحية «ثورة الموتى» (أو «ادفنوا الموتى») للكاتب الأمريكي إروين شو، نُشرت عام 1935. تدور أحداثها حول جنود قُتلوا في حرب عبثية، فرفضوا الدفن وقاموا بثورة ضد صانعي الحروب. تُعد صرخة قوية ضد بشاعة الحروب وظلم الحكام.)









