قصتان قصيرتان

hagar mostafa gabr

هاجر مصطفى جبر

مين الغلطان

شم النسيم لا يعني لنا الكثير. وحدهن نساء العائلة يفرحن به، أما نحن الصغار فدوماً في الأرض، رفقة أبي وعمي، نأكل السردين كثيرًا، ولا جديد في أن تُضاف إليه بعض الموالح التي لا أفضلها. لكنه كان مبشرًا بقدوم المولد؛ فالاثنين التالي لشم النسيم هو يوم المولد. غدًا ستبدأ الألعاب، وسيبدأ الغرباء في التسلل إلى قريتنا. سيحمل الأغراب الفرح والسعادة والألغاز.

أول الألغاز، وأشدها صعوبة، لغز «حلة ورق العنب».

نعم، من تقاليد المولد أن يأكل أهل القرية يوم المولد ورق العنب واللحم والملوخية فقط، وأنا لا أحب الملوخية ولا ورق العنب!

الجميع يعلم هذا طوال العام ويتقبله، لكن في يوم المولد لا بد من صب الغضب عليّ وإزعاجي، فأنا أخالف عادات المولد المتوارثة. وتضحك أمي ضحكة مفتعلة لتهدئ أبي:

ـ بيدلع على حسك.

ثم تجهز لي بعض الكوسة المحشية.

بعد أن تنتهي أمي من تجهيز ورق العنب وتسويته، تحضر حلة صغيرة جديدة تشتريها كل عام، وتملؤها بورق العنب الجاهز للأكل، وتضع فوقه قطع اللحم، ثم تربط الحلة بإحدى عمامات أبي البيضاء، وتضعها في الصالة الكبرى، تحديدًا فوق «الدكة الخشبية» التي يجلس عليها أبي.

عندما كنت صغيرًا، كانت تنتهي معرفتي عند هذا الحد، لكنني الآن أعلم أن امرأة غريبة، أميزها بوشم أسفل ذقنها، ستأتي لأخذها. تجلس مع أبي، يتبادلان كلمات قليلة، ثم تنسحب، فتخرج، وتتبعها عينا أبي حتى نهاية الشارع.

العام الماضي جربت أن أتبعها، لكنني فقدت أثرها في زحمة المولد.

من تكون تلك؟ ولماذا تجلس مع أبي؟ هل لها مظلمة؟ أكلَّ عامٍ مظلمة؟ هل تحتاج إلى مساعدة؟

كل مساعدات النسوة يعطيها أبي لأمي لتوصلها إليهن، فلماذا يمنح هذه المرأة المساعدة بنفسه؟

وما إن أفكر في توجيه سؤال إلى أمي، حتى تضغط على شفتها السفلى بأسنانها، إشارةً إليّ بالصمت، وتجنب الموضوع إلى الأبد.

أتخيل أنني تجرأت على سؤال أبي، فأفيق على صفعة متخيلة يمنعني ألمها من التعرض لصفعاته الواقعية.

سأنتظر وأراقب، ولن أدخل المولد إلا بعد رحيلها، كالعادة.

كل شيء كما هو في كل عام، إلا انخطاف ملامح أبي، وتلك الدمعة التي ظللت عينه وهي تتبع رحيلها.

لم أعلم شيئًا، ولم أجرؤ على السؤال، ونسيت الأمر، حتى جاء شم النسيم التالي.

لم نذهب إلى الأرض؛ فأبي ذهب إلى المدينة صباحًا. وبينما كنا نستعد للخروج لرعاية الأرض كعادتنا، تأخر عمي. حاولت استعجاله، فإذا بأمي تسأله عن كفن!

لماذا تطلب منه الكفن؟ لماذا لم تأخذ منه المال وتشتري كفنها؟ هل تهدده برحيلها ليتركنا ويتبعها كما فعل؟

كان عمي يبتسم بخبث، ويدعي تهدئتها:

ـ بقت عجوزة… وده كلام قديم، انسي بقى.

فردت أمي:

ـ أنسى إنه ساب أرضه وبيته ولحق الغجرية؟ أبدًا… وهو سايبني أنسى؟ كل عام تأتي و..

انتبهت أمي لقدومي، فصمتت، وحاولت ضبط ملامحي لأبدو مهذبًا، لم يسترق السمع.

أبي عشق الغجرية..

سر جليل، ولولا أن أبي سيقطع رأسي لأخبرت أصدقائي في المدرسة أن أبي، مثل قيس بن الملوح، عشق ليلاه، بل كان أشد جرأة من قيس، ونالها.

صباح المولد…

تأتي المرأة، وأنظر إليها كما كان الجميع ينظرون إلى ليلى التي سلبت عقل فارس عربي. وأبي لا يقل هيبة عن فارس، بل هو قائد كتيبة.

وعند ذهابها لم تتبعها عيناه، بل أسرع نحو غرفته، ومن خلف الباب كان صوت البكاء يختلط بصوت فايزة أحمد:

«مين الغلطان… مين الزعلان… مين اللي كان الحق عليه…»

**

غلَّاب

أتراك تعلم أنني أكتب لك بتوقيته؟

وحده صوته يردني إليك… يرسمك أمام عيني، فلا أستطيع جمح قلبي المهشم بفعلها.

أنظر إلى رسالتك الأخيرة التي تعمدت تركها دون جواب، لعل قلبي يعتاد الصمت أمامك… أحسب أيام صمتي بسعادة كاذبة، فأنا أعلم أن تجاهلك يشعل الشوق لا أكثر…

أسألك: «هنا؟»

وتظل عيني تترقب ردك، وقلبي يهتز كمنديلٍ في يدها…

تسألني: «هو صجيج الهوى غلَّاب؟»

أنظر إلى كلمة «هنا»، وأضحك، وألعنك جهرًا.

تسألني أمي: عمَّن تلعنين؟

فأقول: هاتفي خرب للمرة الألف… ألف مرة ألصق اللعنات بالهاتف، الذي لم يفعل شيئًا سوى أنه رسولنا.

تُسدل الثانية عشرة ستارها، وأنظر إلى محادثتك المثبتة، وألعنك… أو ألعن الهاتف، وأدخل سريري مستترة بكتاب جديد، أتوسله ألا يتركني لك…

لكن من بين الأسطر تأتي نظرة منك توخز القلب، فأسرع بالقراءة كخيل وخزها كعب فارسها… أسرع بالقراءة حتى أجدني تجاوزت صفحات دون فهم، فأعود إلى موضع عينيك، خائفة كطفلة رمقتها أمها بنظرة تأنيب، فتخشى تلاقي العيون ثانية… أغض بصري عن سطر كانت فيه عيناك، وأحاول تخمينه.

أشتهي النوم في غرفة مظلمة، لكنك، ككل المخاوف، تتغذى بالظلام… أظل أقرأ حتى أفيق على لثغة حشرات جذبها النور المشتعل في ليل لا قمر له…

أقف على سور الشرفة هاربة منك، ومن الألم…

قبيل الشروق، طائر ترك العش دون انتظار السرب، وراح يبحث عن ذاته وحيدًا… شجاعة أم حماقة؟ وجهان لعملة واحدة.

لكنه لم ينتظر.

يعلم أن السير نحو مصيره خير من انتظاره.

لكنني أنتظر..

أنتظر رد «هنا» منذ الأمس، الذي ستتركه معلقًا لتقول لي: «صباح الخير».

أحقًا؟

أقرر ألا أرد صباحك…

عام الخذلان انتهى اليوم، ولا أعلم: هل سأتخطاك، أم سأظل عامًا آخر قيد طعنتك؟

أنفقت عليك من عمري حدَّ البذخ… أعوامًا للحب، وعامًا للتعافي…

أتُرى لو أخبرتك عدد الأيام والساعات والدقائق في العام، هل ستتخيل كم عانيت؟

أضف إلى ذلك عشرة أعوام كنت أقدسك فيها تمثالًا نحتته لك عيني منذ النظرة الأولى.

كم تجني علينا عيوننا!

ترى شيئًا… يحلو لها… فبمسمار لا يقبل الصدأ تثبته على جدار القلب… تُعمي الصورةُ القلبَ، ويخشى العقل نزع المسمار وما يرافقه من ألم…

كم تجني علينا العيون!

لحظة عشق ملعونة كفَّت العينَ والقلبَ؛ فلا بصر ولا بصيرة…

ثم يأتي زلزال الوعي، فيسقط الجدارية، ويجعل المسمار يشق من القلب ما استطاع، وفي النهاية يستقر في قاع العين، التي لن يتوقف نزفها حتى الموت.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع