ما بعد الأعمال الكاملة: أبدية المسودة

سعيف علي

سعيف علي

حين تعلن دار نشر عن صدور «الأعمال الكاملة» لكاتب في حياته.  يُستقبل الخبر عادة بوصفه لحظة تتويج. تتسابق الصحف إلى الاحتفاء، وتتنافس المكتبات في عرض المجلدات الفاخرة. يشعر القارئ بأنه أمام الأثر الذي سيحفظ اسم صاحبه في الذاكرة الأدبية. تبدو تلك اللحظة ذروة النجاح. فالكاتب أصبح جزءا من التراث، وأعماله باتت جديرة بأن تُجمع بين دفتي مشروع واحد.

يخفي  هذا المشهد الاحتفالي مفارقة عميقة. فما يراه الجميع انتصارا نهائيا، قد يراه الكاتب إعلانا مبكرا عن نهاية لم يخترها. هل تمثل «الأعمال الكاملة» اكتمال المشروع الأدبي حقا، أم أنها مجرد صيغة نشر ابتكرها الناشرون والمؤسسات الثقافية لتنظيم الإرث الأدبي؟ ولماذا ينظر بعض كبار الكتّاب إلى هذه المجلدات بريبة لا تقل عن احتفاء قرائهم بها؟

ليست هذه الأسئلة جديدة. فقد رافقت تاريخ «الأعمال الكاملة» منذ أن تحولت من ممارسة نشر إلى مؤسسة ثقافية تمنح الكاتب مكانته داخل الذاكرة الجماعية. ومع ذلك، ظل صوت الكاتب نفسه أقل حضورا من صوت الناشر والقارئ. فبينما ينشغل هؤلاء بحفظ المنجز، ينشغل هو بما لم يُنجز بعد.

من تقليد أوروبي إلى مؤسسة ثقافية

نشأت فكرة «الأعمال الكاملة» في أوروبا مع اتساع حركة الطباعة. ففي القرنين السادس عشر والسابع عشر أخذ الناشرون يجمعون مؤلفات الفلاسفة واللاهوتيين والكتّاب في طبعات موحدة، حفاظا عليها من الضياع وتيسيرا لتداولها. لم يكن الهدف آنذاك صناعة هالة حول المؤلف لكن تنظيم النصوص وحمايتها.

تغيّر الأمر مع عصر التنوير، ثم ازداد رسوخا خلال القرن التاسع عشر. أصبحت «الأعمال الكاملة» علامة على الاعتراف الثقافي. صار إصدارها يعني أن الكاتب دخل دائرة الكلاسيكيين، وأن مشروعه يستحق أن يُحفظ ويُدرَّس ويُعاد طبعه للأجيال المقبلة.

 لم تعد هذه المجلدات مجرد أوعية للنصوص. أصبحت جزءا من صناعة الذاكرة الأدبية. فهي لا تجمع الكتب فحسب. وإنما تمنحها ترتيبا وسياقا وسيرة. إنها تقدم الكاتب بوصفه مشروعًا مكتملًا يمكن النظر إليه من بدايته إلى نهايته.

غير أن هذا المعنى المؤسسي مركب جدا. فما يبدو للناشر فعل حفظ، قد يبدو للمبدع فعل تثبيت. وما يبدو للقارئ اكتمالًا، قد يراه الكاتب توقفًا في منتصف الطريق.

وهم الاكتمال

لا تعرف الكتابة  النهاية بالمعنى الذي تعرفه المجلدات. فالكاتب لا يعيش داخل ما أنجزه فقط. إنه يعيش أيضا داخل ما أخفق في إنجازه، وما أجله، وما يزال يطارده بوصفه النص الممكن. تحمل عبارة «الأعمال الكاملة» مفارقة يصعب تجاهلها. فهي لا تعني جمع الكتب في مكان واحد فقط. إنها توحي أيضا بأن المشروع الأدبي قد بلغ صورته الأخيرة، وأن زمن المراجعة قد انتهى.

ولعل تجربة فرانتس كافكا هي المثال الأكثر شهرة على هذا القلق. فقد أوصى صديقه ماكس برود بإحراق مخطوطاته بعد وفاته، لأنه لم يكن يرى معظمها جديرة بالنشر. لكن برود خالف الوصية، ونشر الروايات والرسائل والمسودات التي أصبحت لاحقًا من أهم آثار الأدب الحديث.

تحوّل كافكا، الذي أراد لنصوصه أن تبقى ناقصة، إلى أحد أكثر الكتّاب حضورًا في طبعات «الأعمال الكاملة». لم يعد القارئ يقرأ الروايات وحدها، وإنما يقرأ أيضًا الرسائل واليوميات والشذرات، وكأن كل ما تركه الكاتب أصبح جزءا من إرث مكتمل، رغم أنه لم يعترف بهذا الاكتمال يومًا.. تكشف هذه المفارقة أن «الأعمال الكاملة» لا تحفظ النصوص فقط. إنها تعيد تعريفها أيضا. فالمسودة تصبح وثيقة، والرسالة تصبح نصًا أدبيًا، والملاحظة العابرة تدخل في تكوين صورة الكاتب.

القلق العربي بين الأرشفة واستمرار المشروع

لا تختلف التجربة العربية كثيرا في جوهرها، وإن اختلفت في سياقها الثقافي. فالأعمال الكاملة في العالم العربي لم تتحول إلى علامة على دخول الكاتب في سجل الكلاسيكيات، كما حدث في أوروبا. كثيرا ما أدت وظيفة أكثر عملية، تتمثل في جمع الكتب المتفرقة وتيسير وصولها إلى القارئ. غير أن هذا لا يلغي السؤال نفسه. هل يستطيع الكاتب أن يعترف بأن مشروعه قد اكتمل

يقدم محمود درويش مثالا دالا على مقاومة هذه الفكرة. فقد استبعد ديوانه الأول عصافير بلا أجنحة من أعماله الشعرية، وأعلن أنه لم يعد يعترف به. كما ظل يعود إلى دواوينه بالمراجعة والتنقيح، وكأنه يعيد كتابة صورته الشعرية مع كل طبعة جديدة. لم يكن الأمر مجرد تحسين لغوي. كان تعبيرا عن قناعة بأن النص لا يتوقف عن التشكل، حتى بعد نشره.

تعامل  عباس بيضون مع صدور أعماله الكاملة بطريقة مختلفة. فعندما سئل إن كانت تمثل تكريسا أو نهاية للمشروع، رفض هذه الدلالة، ورأى أنها مجرد وسيلة لجمع الكتب التي صدرت متفرقة على امتداد سنوات طويلة. ويكشف هذا الموقف خصوصية التجربة العربية. فالمجلد الجامع يؤدي وظيفة أرشيفية أكثر مما يؤدي وظيفة احتفالية.

 يعبر سليم بركات عن الفكرة نفسها بطريقة غير مباشرة. فهو يرى أن التوقف عن الكتابة يشبه فقدان الذاكرة. والكتابة، بهذا المعنى، ليست مرحلة تنتهي. أنها حالة وجودية تستمر ما دام صاحبها حيًا. لذلك يصعب النظر إلى أي مشروع أدبي بوصفه قد بلغ نهايته الحقيقية .تكشف هذه الأمثلة أن الكاتب العربي، شأنه شأن نظيره الأوروبي، يعيش توترًا بين رغبة المؤسسة في تثبيت المنجز، ورغبته في إبقاء المشروع مفتوحًا على المراجعة والتغيير.

مقصلة المختارات

إذا كانت «الأعمال الكاملة» تقوم على جمع كل شيء، فإن «المختارات» تقوم على استبعاد أشياء كثيرة. هنا ينتقل الكاتب من موقع المبدع إلى موقع الناقد، فيصبح مطالبا بأن يحاكم تاريخه الشخصي، وأن يقرر ما يستحق البقاء وما ينبغي أن يختفي.

قدم خورخي لويس بورخيس واحدا من أشهر الأمثلة على ذلك. فقد استبعد في مراحل مختلفة من حياته عددًا من نصوصه المبكرة، لأنه لم يعد يراها معبرة عن صورته الفنية. لم يكن يكتب تاريخا جديدا لأدبه. كان يعيد ترتيب هذا التاريخ وفق وعيه المتأخر.

أما الشاعرقسطنطين كفافي فقد اختار طريقً آخر. لم يصدر خلال حياته ديوانا نهائيًا يضم شعره كله. ظل يطبع قصائده في أوراق منفصلة، ويوزعها على دائرة ضيقة من أصدقائه، ثم يعود إليها بالحذف والتعديل والإضافة سنوات طويلة. كانت القصيدة، في نظره، كائنًا قابلً للتحول، لا أثرا مغلقًا.

وهكذا تكشف «المختارات» عن مفارقة لا تقل عمقا عن مفارقة «الأعمال الكاملة». ففي الأولى تُمارس سلطة الاستبعاد، وفي الثانية تُمارس سلطة الجمع. وفي الحالتين يخضع تاريخ الكاتب لإعادة صياغة، سواء عبر ما يُضم أو ما يُستبعد.

من اكتمال النص إلى اكتمال المؤلف

لا يتعلق قلق «الأعمال الكاملة» بالنصوص وحدها. يتعلق أيضا بصورة المؤلف التي تصنعها هذه الطبعات. فالمجلد الجامع لا يكتفي بجمع الكتب في مكان واحد، وإنما يقترح أيضًا طريقة لقراءتها، ويمنحها ترتيبًا يبدو كأنه السيرة النهائية لصاحبها.

 يمكن فهم المفارقة التي أشار إليها الناقد الفرنسي رولان بارت عندما أعلن «موت المؤلف». فقد أراد تحرير النص من سلطة صاحبه، وتركه مفتوحا أمام القراءات المتعددة. غير أن «الأعمال الكاملة» تعيد المؤلف إلى مركز المشهد من جديد. فهي تجمع النصوص تحت اسمه، وتقدمها بوصفها أجزاءً من مشروع واحد، حتى عندما تكون قد كُتبت في أزمنة مختلفة، وتحت رؤى متباينة، وربما متناقضة.

تتسع المفارقة مع مفهوم «العمل المفتوح» الذي اقترحه أمبرتو إيكو. فالعمل الأدبي، في نظره، لا يكتمل عند لحظة كتابته.  يظل مفتوحًا على تأويلات لا تنتهي. كل قراءة تضيف إليه معنى جديدا، وكل جيل يعيد اكتشافه من زاوية مختلفة. فإذا كان النص يظل مفتوحًا في حياة قرائه، فكيف يمكن وصفه بأنه «كامل»؟ إن الاكتمال هنا يبدو وصفًا إداريًا أو نشرًا أكثر منه وصفًا جماليًا.

ذهب  جاك دريدا أبعد من ذلك حين نظر إلى الأرشيف بوصفه ممارسة للسلطة. فالأرشيف لا يحفظ الماضي فقط. لكن يختار أيضا ما يستحق أن يبقى، ويمنح الأحداث والنصوص ترتيبا يفرض طريقة معينة في التذكر. ومن هذه الزاوية لا تبدو «الأعمال الكاملة» مجرد عملية جمع بريئة لانها إعادة بناء لذاكرة الكاتب نفسها. تحدد الصورة التي ستصل إلى الأجيال اللاحقة، وتخفي، في أحيان كثيرة، ما لا ينسجم مع هذه الصورة.لهذا لا يكون السؤال: ماذا كتب الكاتب؟ يصبح السؤال: أي كاتب تصنعه «الأعمال الكاملة»؟

ولعل موريس بلانشو هو من منح هذا القلق صيغته الفلسفية الأكثر جذرية وعمقا. ففي كتابه «الكتاب الآتي» وفي تأملاته المتكررة حول «الفضاء الأدبي»، لا يظهر العمل الأدبي قط كأثر مكتمل يمكن حصره بين دفتي مجلد،.يظهر كحركة لا تنتهي نحو «الكتاب» الذي يظل دائم التأجيل. الكتابة عند بلانشو ليست فعل إنجاز، وإنما تجربة الاقتراب المتواصل من نقطة مستحيلة: لحظة يختفي فيها الكاتب ويظهر فيها. إنها إقامة دائمة في أفق ما لم يكتب بعد، وما لا يمكن أن يكتب إلا بالتنازل عن سيطرة الكاتب عليه.  تبدو فكرة «الأعمال الكاملة» شكلا من أشكال الخيانة الرقيقة لجوهر الكتابة ذاتها. فالمجلد الجامع يقدم لنا صورة الكاتب كمشروع منته، بينما يرى بلانشو أن العمل الحقيقي  لا يكتمل أبدا. إنه يتحقق فقط في لحظة انهياره أو اختفائه. وهكذا تصبح «الأعمال الكاملة» أقرب إلى عمل الأرشيف والمؤسسة منها إلى عمل الأدب. فالمجلد يمكن أن يغلق، أما الكتابة فتظل مفتوحة على نقصها الخلاق، وعلى ذلك الفراغ الذي يجعلها حية. هذا النقص ليس عيبا يجب إصلاحه، بل هو الشرط الأول لوجود الأدب.

الكاتب في مواجهة ماضيه

يعتقد عادة أن صدور «الأعمال الكاملة» يمنح الكاتب راحة أخيرة، لأنه يرى ثمرة عمره مجتمعة أمامه. غير أن التجربة الأدبية تشير إلى شعور مختلف تماما. فالمجلد الجامع يجبر الكاتب على مواجهة جميع مراحله في وقت واحد. يقف أمام نصوص كتبها في الشباب، وأخرى أنجزها في النضج، وثالثة لم يعد يتبنى أفكارها أو أسلوبها.

لا يعود الماضي مجرد ذكرى. يصبح حاضرا على رف المكتبة، ويطالب صاحبه بالدفاع عنه .لهذا السبب يشعر كثير من الكتّاب برغبة دائمة في التنقيح والحذف وإعادة الصياغة. إنهم لا يراجعون اللغة وحدها، وإنما يراجعون ذواتهم أيضًا. فالأسلوب ليس تقنية مستقلة عن صاحبها. إنه سجل لتحولات الوعي، وما يرضي الكاتب في مرحلة قد يثير نفوره في مرحلة أخرى.

الرقمنة… هل انتهى زمن المجلد الأخير؟

أدخل العصر الرقمي عنصرا جديدا إلى هذا النقاش. فقد أصبح النص الإلكتروني قابلا للتعديل والتحديث بعد نشره، وأصبح بالإمكان إضافة الرسائل والمخطوطات والحوارات إلى أرشيف الكاتب في أي وقت. لم يعد المجلد الورقي هو الشكل الوحيد لحفظ الإرث الأدبي.

وقد يبدو أن هذا التطور يحرر الكاتب من وهم الاكتمال، لأن النص لم يعد ثابتًا كما كان في الطبعات الورقية. غير أن الرقمنة صنعت مفارقة أخرى. فكل نسخة، حتى لو كانت مسودة، أصبحت قابلة للحفظ والاسترجاع والتداول. اختفى درج المكتب الذي كانت المسودات تختبئ فيه. أصبحت كل كتابة مرشحة لأن تدخل الأرشيف.

وهكذا لم تختف سلطة الأرشيف. لقد تغير شكلها فقط.

أبدية المسودة

ربما تكون الكتابة، في جوهرها، مقاومة مستمرة لفكرة الاكتمال. فالكاتب الحقيقي لا يعيش داخل ما أنجزه، وإنما داخل ما لم ينجزه بعد. يطارد نصًا يتراجع كلما اقترب منه، ويشعر بأن كل كتاب ليس سوى محاولة جديدة للاقتراب من ذلك النص المستحيل.

لهذا تبدو «الأعمال الكاملة» ضرورة ثقافية لا يمكن الاستغناء عنها. فهي تحفظ التراث، وتيسر عمل الباحثين، وتمنح القارئ رؤية شاملة لمسيرة الكاتب. غير أنها تؤدي، في الوقت نفسه، وظيفة معاكسة في وعي صاحبها. إنها تعلن اكتمال مشروع كان يرى أنه ما يزال في بدايته.

لعل المفارقة الكبرى أن الكاتب يحلم دائما بالكتاب المقبل، بينما تحلم المؤسسة الثقافية بالمجلد الأخير. الأول يعيش في المستقبل، والثانية تعمل على تحويل هذا المستقبل إلى ماض محفوظ.

لا يعني ذلك أن «الأعمال الكاملة» خطأ أو ظلم للمبدع. إنها إحدى ضرورات الثقافة الحديثة، ولولاها لضاعت نصوص كثيرة، وتبددت مشاريع أدبية كاملة. غير أن ضرورتها لا تلغي ما تثيره من أسئلة. فكل مجلد يحمل عبارة «الأعمال الكاملة» يخفي سؤالا لا يستطيع أحد الإجابة عنه نهائيا. هل يكتمل الكاتب فعلً؟

ربّما تكون الإجابة الوحيدة الممكنة أن الكاتب لا يكتمل إلا في نظر الآخرين. يظل في نظر نقسه  يعيش في منطقة أخرى، منطقة لا تعرف المجلد الأخير، ولا تعترف بالنهاية. هناك، في تلك المساحة المعلقة بين النص المكتوب والنص المؤجل، تستمر الكتابة في صورتها الأولى. مسودة لا تنتهي، وحلم لا يكف عن إعادة اختراع نفسه.

 قد يكون الوصف الأدق للمشروع الأدبي ليس «الأعمال الكاملة»، وإنما «الأعمال غير الكاملة ». فكل كتاب منجز يحمل في داخله كتبا أخرى لم تُكتب، وكل نهاية تخفي بداية جديدة، وكل مجلد مغلق يترك، في مكان ما، صفحة بيضاء تنتظر أن تُملأ.

لهذا لا يكون مستقبل الأدب في المجلدات التي أغلقت، وإنما في المسودات التي ما زالت تقاوم الإغلاق. هناك يبقى الكاتب حيًا، حتى بعد أن تصدر أعماله الكاملة.

……………..

*كاتب من تونس

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع