د. إكرام البدوي: لا أتعامل مع النسوية الغربية بوصفها مرجعا مقدسا يُغني عن قراءة مجتمعاتنا

إكرام البدوي

حاورها: صبري الموجي

في معركتها للوعي، حملت لواء الدفاع عن حرية المرأة، وحقّها في التعليم، والعمل والأمان، والمشاركة السياسية، والذمّة المالية، وغيرها الكثير. جيّشت لتلك الغاية كلَّ جهودها، فكانت مشاركاتها في المحافل، والمؤتمرات – رغم صغر سنها نسبيا – وكذلك كتبُها ودراساتُها تجسيدا لهذا الهدف. ترفض ندية العلاقة بين الرجل والمرأة، وأن تتحول قوامة الرجل إلى سلطة قمع للمرأة. تؤكد أنّ مطالبتها مساواة المرأة بالرجل، لا تعني إعفاءها من واجباتها، وتستنكر أن تقوم أنوثة المرأة على أشلاء الحق والإنسانية والكرامة .. مع د. إكرام البدوي الباحثة في الفلسفة ودراسات المرأة، يجري الحوار التالي.

نتاجك من لُحمته إلى سداه يؤصّل لمفهوم النسوية ويتطلع إلى مزيد من الحقوق والمكتسبات بالنسبة للمرأة .. نودّ منك إلقاء الضوء عليها من حيث الواقع والمأمول؟

حين أتحدثُ عن حقوق المرأة، فأنا لا أتحدث عن امتيازات تُنتزع من الرجل أو تُمنح للمرأة على سبيل التفضّل، ولكني أتحدث عن حقوق أصيلة يكتمل بها معنى الإنسان والمواطنة: الحق في التعليم، والعمل، والأمان، والمشاركة السياسية، والاستقلال الاقتصادي، والإنصاف أمام القانون، والحق في اتخاذ القرار المتصل بالحياة والجسد والمصير.

تحققت مكاسب لا يمكن إنكارها، أهمها اتساعُ حضور النساء في التعليم والعمل والمجال العام، وارتفاع الوعي بحقوقهن، وظهور أصوات نسائية قادرة على إنتاج المعرفة. غير أن المأمول أعمقُ من حضور عددي أو اعتراف قانوني؛ المأمول أن تصبح المرأة آمنة في البيت والشارع ومكان عملها، مسموعة الصوت في الأسرة والمؤسسة والدولة، وألّا تضطر إلى تقديم عذر دائم عن طموحها أو عقلها أو استقلالها.

قطعا قادتك هذه الرسالة والهدف إلى صدام مع الرجل في مجتمع شرقي يجعل له القوامة؟

لم تكن معركتي يومًا مع الرجل بوصفه رجلًا. موضع النقد هو كل تصور يجعل العلاقة بين المرأة والرجل علاقة سلطة مطلقة من جانب واحد، ويحوّل الشراكة الإنسانية إلى خضوع دائم.

القوامة حين تتحول من مسئولية أخلاقية داخل الأسرة إلى سلطة تُمنح للرجل على المرأة، تصبح أداة لإنتاج التبعية وتقنينها. فالمرأة كاملة الأهلية، وحقها في التعليم والعمل والاختيار والحرية لا يتوقف على إنصاف الرجل لها، ولا يُستمد من رضاه أو حسن استعماله لسلطته؛ إنه حقٌ أصيل يثبت لها بوصفها إنسانًا ومواطنة وصاحبة إرادة مستقلة. لذلك لا يكفي تهذيب مفهوم القوامة أو الدعوة إلى ممارسته بعدل، ما لم تُراجع التأويلات والقوانين التي تجعل الرعاية مدخلًا للوصاية، وتجعل العلاقة بين الرجل والمرأة قائمة على تفاوت في السلطة والقرار.

شاعت آراء تؤكد أن الدعوة للنسوية إحدى محاولات الاستلاب والتغريب ونزع الهوية والولاءات من خلال ارتداء ثوب التجديد؟

تقوم هذه التهمة على افتراض أن المرأة العربية لا تستطيع المطالبة بحقوقها إلا إذا تلقّت الفكرة من خارج مجتمعها، وهو افتراضٌ ينتقص من عقلها ويصادر خبرتها التاريخية. فالمرأة العربية لم تكن بحاجة إلى خطاب وافد كي تدرك أثر حرمانها من التعليم، أو إخضاعها في الزواج، أو تقييد حقها في العمل والاختيار والكتابة. هذه قضايا خرجت من واقع عاشته النساء، وعبّرن عنه قبل أن تستقر المصطلحات النسوية بصيغها الحديثة. ففي عام 1892م، كتبت عائشة التيمورية رسالة (مرآة التأمل في الأمور)، وناقشت فيها حقوق النساء والرجال من داخل المرجعية الدينية، متوقفةً عند القوامة في صلتها بالمسئولية والإنفاق والرعاية، بما يحدّ من تحويلها إلى امتياز ذكوري مطلق. وتكشف هذه السابقة أن مسألة وضع المرأة نشأت داخل الثقافة العربية على يد نساء أدركن أن الدين لا يبرر الإهمال أو الاستبداد، وأن العدالة لا تهدد هوية المجتمع، وإنما تكشف قدرته على إصلاح ذاته.

ألا ترين بعين الإنصاف أن الدعوة للمساواة بين الرجل والمرأة تدشّن للميكافيلية، فتنشد الحقوق وتُغفل الواجبات؟

المساواة ليست امتيازًا تطلبه المرأة خارج دائرة المسئولية، ولا إعفاءً لها من واجباتها؛ هي رفضٌ لنظام يحمّلها العبء كاملًا ثم يساومها على الحق. فالمرأة تعمل، وتربي، وترعى، وتدير تفاصيل الأسرة، وتتحمل أعباءً نفسية واجتماعية لا تُحصى، ويُعامل كثير منها كأنه واجب طبيعي لا يستحق الاعتراف أو التقدير. لذلك فإن اتهامها بأنها تطلب الحقوق وتغفل الواجبات يقلب الحقيقة؛ فهي تؤدي منذ زمن واجبات مرئية وغير مرئية، بينما تُطالَب في كل مرة بإثبات استحقاقها لحقوق أصلية.

ترسّخين لفكرة أن المرأة قيمة وليست مجرد جنس وفي هذا تجنٍّ على أنوثة المرأة واستعداء لذكورية الرجل؟

أضحكني هذا السؤال كثيرًا؛ لأنه يقلب الحقيقة كاملةً، ثم يقدّم هذا القلب بوصفه دفاعًا عن المرأة والرجل معًا. فمنذ متى أصبح الاعتراف بعقل المرأة وإرادتها وقيمتها الإنسانية تجنّيًا على أنوثتها؟ ولماذا تُختزل الأنوثة في الجسد والطاعة والأمومة وحدها، ثم يُقال للمرأة إن خروجها من هذا الاختزال عداءٌ لذاتها؟ المرأة لا تفقد أنوثتها حين تفكّر أو تختار أو تعمل أو ترفض أن تكون تابعًا؛ هي تفقد حقها في أن تكون إنسانًا كاملًا حين يُراد لأنوثتها أن تصبح سقفًا لعقلها وحريتها.

والأكثر دلالة أن السؤال يخلط عمدًا بين الرجولة والذكورية. فالرجولة قيمة إنسانية وأخلاقية يمكن أن تطلق على الذكر والأنثى في حال توافر شروطها، أما الذكورية فهي نظام يمنح الرجل امتياز السيطرة لمجرد كونه ذكراً. نقد هذا الامتياز لا يستعدي الرجل، ولا ينتقص من مكانته؛ هو يحرره من وهم أن قيمته لا تكتمل إلا بامرأة أقل حرية وأقل سلطة على حياتها.

قلتِ إن (العدالة المراوغة) هي عدالة يتوارى ظلها كلما اقتربت المرأة من عتباتها .. فما هي برأيك العدالة المأمولة؟

لا أفضّل الحديث عن (عدالة مأمولة) كأن حق المرأة وعدٌ مؤجل، المسألة أبسط وأقسى: هناك ظلم قائم يجعل الرجل أصلًا في الحق، ويجعل المرأة مطالَبة بتبرير أهليتها وحريتها وقرارها. ما تطلبه النساء ليس امتيازًا؛ هو إنهاء هذا الاختلال، والاعتراف بالمرأة إنسانًا كامل الأهلية، لا تُمنح حقوقه بقدر ما يرضى عنه المجتمع.

نعم سميتُها عدالة مراوغة لأن الفكر السياسي كثيرًا ما تحدث عن الإنسان والحرية والمساواة، ثم ترك المرأة خارج الصورة أو أدخلها بشروط. العدالة التي أطمح إليها تبدأ من مراجعة هذا الخلل: لا معنى لعدالة تُعلن عموميتها وتبقى حياة النساء شاهدًا على حدودها.

استئناسك بالنسوية الغربية في دعوتك لتدشين مفهوم النسوية العربية فيه إغفالٌ لعامل الدين والعادات والتقاليد؟

لم أتعامل مع النسوية الغربية بوصفها نموذجًا جاهزًا للنقل، ولا مرجعًا مقدسًا يُغني عن قراءة مجتمعاتنا. قراءتي لها كانت قراءة نقدية؛ أتعلم من أسئلتها ومفاهيمها، وأفحص حدودها حين تتحدث باسم نساء لا تعرف تاريخهن ولا شروط حياتهن.

النسوية العربية لا يمكن أن تتشكل خارج الدين والعادات، والتقاليد، واللغة، والتاريخ. هذه العناصر ليست تفاصيل هامشية؛ هي جزء من المجال الذي تتحدد داخله حياة النساء وفرصهن وقيودهن. وفي الوقت نفسه، لا يجوز تحويل الدين أو العرف إلى منطقة مغلقة أمام السؤال والتأويل. المطلوب هو إنتاج معرفة نسوية عربية تنطلق من واقعها، وتنفتح على الفكر الإنساني، وتحافظ على قدرتها النقدية تجاه الداخل والخارج معًا.

لم تجد المرأة الغربية جنّتها المفقودة في النسوية، ومعاناتها اليوم أكبر من معاناة امرأة السبعينيات بسبب الضرائب وإهمال تربية النشء، ومع ذلك تطالب أصواتٌ عربية بامتداد النسوية إلى مجتمعاتنا؟

يبدأ الهجوم على النسوية في مجتمعاتنا العربية، في كثير من الأحيان، من المصطلح قبل مساءلة مضمونه؛ إذ تُقدَّم بوصفها عداءً للرجل، ورفضًا للأسرة والأمومة، واستنساخًا أعمى لتجربة المرأة الغربية. وبهذه الصورة يُغلق النقاش قبل أن يبدأ، ويتحول سؤال العدالة إلى اتهام جاهز لكل امرأة تُطالب بمراجعة موقعها داخل المجتمع. وينتمي السؤال المطروح إلى هذا التصور نفسه؛ لأنه يحمّل النسوية مسئولية أزمات اقتصادية واجتماعية شديدة التعقيد، ويجعل حصول المرأة على التعليم والعمل سببًا في إنهاك الأسرة ومعاناة الأجيال.

غير أن خروج المرأة إلى المجال العام لم يكن هو الذي أرهق الأسرة؛ فالعبء الحقيقي نتج عن نظام اقتصادي يفرض العمل المكثف على الجميع، ثم يترك الرعاية المنزلية، وتربية الأطفال مسئولية ثقيلة تقع في معظمها على المرأة من دون اعتراف بقيمتها أو توزيع عادل لأعبائها. لذلك لا يكون الحل بإعادة المرأة إلى موقع الاعتماد، أو بحرمانها من التعليم والعمل والمشاركة، وإنما بإقامة شروط أكثر عدلًا للحياة الأسرية والاجتماعية. كما أن الحديث عن (المرأة الغربية) بوصفها كتلة واحدة يخفي اختلافات واسعة في الطبقة والعمل والثقافة والخبرة وشروط الحياة. فالنسوية لم تَعِد المرأة بجنة مفقودة، ولم تزعم أن الحرية ترفع عنها أعباء الواقع؛ لقد منحتها القدرة على تسمية الظلم، وكشف أسبابه، ورفض أن تُقدَّم معاناتها قدرًا طبيعيًا ملازمًا لكونها امرأة.

ومن هنا تتضح وظيفة سوء فهم النسوية: نقل النقاش من مسألة الظلم الواقع على المرأة إلى محاكمة مطالبتها بالعدل. فبدلًا من السؤال عن أسباب التمييز واختلال توزيع السلطة والمسئولية، تُسأل المرأة: لماذا تتكلمين؟ ولماذا ترفضين؟ ولماذا تريدين تغيير ما اعتاد عليه المجتمع؟ ثم تُتَّهم بأنها تستعدي الرجل، وتهدم الأسرة، وتتبع الغرب. والحقيقة أن الأسرة لا يحفظها إقصاء المرأة، ولا يصون المجتمع هويته بحرمان نصفه من الحرية والكرامة. والنسوية العربية لا تستمد مشروعيتها من نجاح التجربة الغربية أو تعثرها؛ مشروعيتها قائمة في واقع النساء العربيات أنفسهن، وفيما عانينه من حرمان ووصاية وعنف وإقصاء، وفي حقهن الأصيل في أن يكنَّ شريكات كاملات الأهلية في المجتمع والحياة.

تقوم النسوية الغربية على مفهوم الصراع بين الرجل والمرأة، وهو ما لا وجود له على أرض الواقع العربي في ظل دين يؤصل لمفهوم الحوار؟

النسوية لا تستدعي حربًا بين الجنسين؛ ولكنها تكشف مواضع الظلم داخل العلاقة، حتى يمكن أن تقوم الشراكة على العدل لا على الخوف أو الصمت. علاوة على ذلك، لا توجد نسوية غربية واحدة يمكن اختزالها في فكرة الصراع بين الرجل والمرأة. هناك نسويات ليبرالية واشتراكية ووجودية وراديكالية وما بعد كولونيالية وإسلامية، ولكل منها تشخيص مختلف لمصادر الظلم وسبل تجاوزه.

ثم إن الواقع العربي ليس خاليًا من اختلالات القوة لمجرد أن ثقافته تتحدث عن الحوار، الحوار قيمة محترمة، لكنه يحتاج إلى طرفين يملكان حق الكلام والرفض والاختيار. حين تُحرم امرأة من التعليم أو تُجبر على زواج أو تتعرض للعنف أو يُنتقص من أهلية قرارها، فنحن أمام مشكلة سلطة حقيقية لا يحلها الاكتفاء بخطاب الانسجام.

كتاباتك عن النسوية .. هل هي مجرد رصد للحركات النسوية أم هي تأييد لمبادئها؟

لا أكتب عن النسوية من موقع المراقب المحايد الذي يكتفي بتسجيل نشأة الحركات وتحولاتها. الرصد التاريخي ضرورة معرفية لفهم المسارات والأفكار والسياقات، غير أن موقفي يتجاوز الرصد إلى انحياز واضح لحقوق المرأة بوصفها إنسانًا كامل الأهلية، له الحق في الكرامة والحرية والمساواة والمعرفة والاختيار والمشاركة العادلة في الحياة العامة والخاصة. ولا يشغلني كثيرًا الاسم الذي تُدرج تحته هذه المبادئ؛ ما يهمني هو ألا تُختزل المرأة في جسدها، أو في دور مفروض عليها، أو في موقع تابع داخل الأسرة والمجتمع.

ومع هذا الانحياز، لا أتعامل مع الخطابات النسوية بوصفها فوق النقد. فقد انشغلتُ بنقد التصورات التي جعلت التجربة الغربية معيارًا وحيدًا لتحرر النساء، أو تناولت نساء الجنوب من موقع الوصاية، أو قرأت قضايا المرأة بمعزل عن الدين والثقافة، والتاريخ، والطبقة، والاستعمار. فقضية المرأة لا تُفهم من خلال نموذج واحد يُسقط على جميع المجتمعات، ولا تُنصفها خطابات تتحدث باسمها ثم تتجاهل شروط حياتها الفعلية.

موقفي إذن هو انحياز ٌنقدي إلى المرأة: أنحاز إلى حقها في العدالة والحرية والأهلية الكاملة، وأنتقد كل خطاب ينتقص منها أو يتحدث عنها من أعلى، سواء استند إلى تقاليد تبرر تبعيتها، أو رفع شعار تحريرها وهو يعيد إنتاج الوصاية عليها.

 

صبري الموجي

40 مقال
كاتب وصحافي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع