‎”ضفاف الصمت”.. حين تتحوّل السيرة إلى مرآة تتكلّم

سمير محمود

هشام الجوهر الحربي

في زمنٍ تغمره النصوص الصاخبة، وتعلو فيه ضوضاء السرديات المتكررة حتى تكاد تحجب بريق القلم الصافي الرصين، يجيء كتاب “ضفاف الصمت .. من شبرا إلى هناك” ليعيد الاعتبار لفكرة أن الكتابة ليست مجرد حكاية تروى، بل شهادة حياة تصاغ بصدق لتكشف مشاهد من تجربة ثرية، مليئة بالتحديات وموشاة بوعي عميق.

المؤلف هو الدكتور سمير محمود، أحد أبرز الأسماء العربية في عالم الصحافة ورحاب الجامعات وممرات القرار، يقدم عملا يتجاوز حدود السيرة الذاتية إلى فضاء أرحب، حيث تتعانق المعرفة مع الذاكرة، وتمتزج المهنية بروح الإنسان، ويغدو الصمت طريقًا إلى المعنى.

هذا الكتاب ليس مجرد صفحات تقرا، بل رحلة تعاش، وتجربة تلامس الروح، ومرآة تعكس مسيرة رجل حمل قلمه بضميرومشى في دروب الحياة بثبات وهدوء وعمق لا تخطئه العين.

أُكتب هذه الكلمات انطلاقًا من قناعةٍ راسخة بأن الموضوعية هي أساس القراءة المنصفة، وأن تقييم أي عملٍ معرفي لا يقوم على العلاقات ولا العواطف، بل على ما يقدمه النص من قيمة فكرية وجمالية.

ومن هذا المنطلق يأتي الحديث عن هذا الكتاب الذي يحمل عنوانا يكشف عن فهم المؤلف العميق لذاته، وتواضعه الجميل الذي يدركه كل من تعامل معه عن قرب لما يراه من امتزاج الإبداع بالمهنية، ولما له من قدرة عجيبة في كسب القلوب وفرض الاحترام بلا هيبة مصطنعة ولا تعالم متكلف، بل بما يحمله من قلب جميل وقيمةٍ معرفية.

عنوان الكتاب: “ضفاف الصمت .. من شبرا إلى هناك”، وكل من يعرف الدكتور سمير يدرك أن صمته حكمة، ونطقه درر منضودة، وأن انطلاقته من شبرا كانت خير زاد للعبور إلى هناك، وما أدراك ما هناك حيث القارات الخمس تقريبا، عواصم عربية ودول شرقية وغربية، وأهمها في نظري تجربته الثرية في المملكة العربية السعودية، حيث تطمئن الأفئدة وتسكن الروح، وتأنس بالأرض والناس، ويخبو شعور الغربة، ليتنامى بدلاً منه شعور بالسكينة من خلال وجوده في أرض الحرمين، حيث وطنه الثاني وإن لم يصرح بذلك قولا، لكنه يبلوره بوضوح من خلال عطائه وإخلاصه وإتقانه لعمله، وحبه لكل ما هو سعودي.

ويظل الدكتور سمير محمود – الصحفي والمؤلف والكاتب والمستشار والمعلم الذي درّس في العديد من الجامعات المصرية والعربية، وترك أثرا واسعا في ميدان الإعلام – نموذجا لا يمكن فصله عن إنسانيته الرفيعة التي يعرفها كل من اقترب منه، فهو رجل يجمع بين التميز العلمي والتواضع العميق، وبين سعة المعرفة وبساطة الروح.

شخصيته الهادئة كنسيم الصباح، وصمته الجميل يشبه وقار العلماء حيث يكون للكلمة وزنها، أما ضحكته، فهي ومضة صفاءٍ تنبثق من قلب نقي، ضحكة صادقة تشي بروحٍ تدرك قيمة البساطة وكرم الخُلق، وتدل على رجلٍ يثق بذاته، وينهض علمُه بمكانته، وتزهر أخلاقه في القلوب قبل المنابر.

جمع المؤلف بين البحث الأكاديمي والعمل الصحفي والخبرة الإعلامية، وبدأ حياته المهنية محررا في مؤسسة الأهرام، ثم تولى القيادة التحريرية للأهرام المسائي، وعمل في مؤسسات إعلامية وثقافية، حتى غدا حد أبرز الأسماء العربية في دراسات الصورة والاتصال البصري، ثم اتسعت تجربته ليصبح مستشارا إعلاميا في مملكة الخير، وداعما برأيه وقلمه في مجالات الصناعات البتروكيماوية والطاقة والمالية والاقتصاد السعودي، وأصدر أكثر من عشرة كتب متخصصة في الصحافة والاتصال، تحولت إلى مراجع في مجالاتها، وتضمنتها مناهج تدريس الإعلام في عدد من الجامعات، لما تحمله من عمق معرفي وخبرة مهنية .

وفي عام 2026م ازدانت المكتبة العربية بهذا الكتاب الجديد الذي جاء محمولا على نبرة نادرة في الكتابة؛ وصدق يجعل القارئ يشعر أن الصفحات لا تروى من خارج التجربة بل من قلبها، وأن الكلمات لم تصنع في معمل اللغة بل خرجت كما هي من ذاكرة حيّة تعرف ماذا تقول ولماذا تقول.

أسلوب المؤلف الأدبي جميل وبسيط، بلا تكلف ولا مبالغات، ولا حتى رصد لإنجازات كبرى، فليس الهدف تلميع الذات بل نقل التجربة وتوثيق الجوانب الفكرية والنفسية والمشاعر الإنسانية المتلاحقة بين حبور وشجن، وغضب ودهشة، وامتنان وسكينة، وأمل وثقة. كلمات الكتاب تنساب كما تنساب الحكاية حين تُروى بطمأنينة، فتتداعى المعاني من مرحلة إلى أخرى، ومن مشهد إلى آخر، كأن المؤلف يمسك بيد القارئ ويأخذه في رحلة هادئة عبر مسيرة حياة زاخرة، موثقة بعين خبيرة وقلب يعرف قيمة التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة.

يمتاز الكتاب بسلاسة تجعل قراءته ممتعة، ليس لأنه خفيف، بل لأنه مكتوب بقلم صحفي تمرس على صياغة المعنى دون ضجيج، وتسلح بشهادات علمية مرموقة جعلته قادرا على الجمع بين الدقة والمنهجية من جهة، وبين حرارة التجربة الإنسانية من جهة أخرى.

ولذلك فإن القارئ لا يشعر أنه أمام سرد جامد أو توثيق جاف، بل أمام حياة تُفتح أمامه صفحة بعد أخرى، بلغة واضح وإيقاع هادئ، وعمق يحضر بطبيعته دون ادعاء.

يثبت الدكتور سمير من خلال كتابه أن الخبرة حين تمتزج بالعلم، وأن الصحافة حين تتكئ على الأدب، وأن التوثيق حين يكتب بروح صادقة، يمكن حينها أن يتحول النص إلى حياة بين السطور، وإلى عمل يقرؤه الناس، لا لأنهم يريدون معرفة الماضي، بل لأنهم يجدون فيه شيئًا من أنفسهم.

إن “ضفاف الصمت .. من شبرا إلى هناك” ليس مجرد نص من النصوص، بل شهادة إنسانية ووثيقة معرفية تثري المكتبة العربية، وتؤكد أن السيرة ليست سردا للسنوات، بل انكشاف للمعنى، ووميض لما تخبئه التجربة من ضوءٍ لا يُرى إلا بالقلب .

خلاصة القول أن هذا الكتاب يبرهن أن الصمت حضور تتجلى فيه الحكمة، وأن التجربة الإنسانية حين تكتب بإبداع فهي تتسع لفضاء أبعد من حدود السرد، فهي رحلة مكتوبة بصدقٍ رفيع، تليق بالمؤلف وبقلمه وبمسيرة ستظل علامة مضيئة في الإعلام العربي.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع