مي التلمساني
تأخرت في الرد على رسالتك الأخيرة يا سمسم! لأسباب كثيرة، ربما من بينها أنك عدت إلى مصر عقب تسليم الرسالة وأتيحت لنا فرص كثيرة للقاء. أعيد قراءة ما كتبت عن “حادثة الكلب” (وكانوا ثلاثة) وأستعيد لحظة الصدمة ببطء ثم ما حدث بعدها من تساؤل حول تلك الكائنات التي قرر الإنسان استئناسها منذ قرون، قرار من طرف واحد، والتي أحيانا ما تذكرنا بذلك العنف المبدئي – الأول – الذي وقع عليها لتغيير طبيعتها… الغريب في الأمر فيما يخصني هو أني قررت بعد الحادثة أن أمتنع عن أكل لحوم الحيوانات وأكتفي بالسمك! كانت فكرة تلح علي منذ الطفولة والآن بعدما تجاوزت الستين أجدني مقبلة عليها بلا تراجع – منذ مارس الماضي وحتى اليوم وقد أتممت عامي الواحد والستين. ستكون لدي فرصة ربما قريبا للعودة لهذا الأمر والتفكير فيه خاصة بعد صداقتي مع قطي محظوظ.

على هذه الورقة بالصدفة، رسم نوبي الطابع لأسماك – هي الكائن الذي أكتفي به لمدي بالبروتين! عودة لما كنت قد كتبته لك منذ أيام في بداية هذا الخطاب المتقطع المتشظي. البعض يمتنع حتى عن أكل الأسماك. هناك فيلم ممتع لمخرج كوري عظيم هو بونج شون-هو صاحب فيلم “طفيلي” الحاصل على جوائز… فيلمه الآخر الذي أحبه بعنوان “أوكجا” عن تصنيع اللحوم دوليا والعلاقة التي تربطنا بكائنات صديقة في هذا الكوكب. فيلم مؤثر يدين النظام الرأسمالي العالمي المسيطر على تصنيع الطعام وحثنا على أنواع محددة منه دون غيرها بكل الوسائل الدنيئة المعروفة والتي ننكرها أحيانا لفرط ما بتنا مدجنين بأفكار الرأسمالية وتوحشها. عودة للأسماك هنا (في الرسم) وكم هي كائنات جميلة لست أدري إن كنت أرحب فعلا بأكلها أم أن الوقت لم يأت بعد للاكتفاء فعلا بالنبات.

الجزء الثالث من الرسالة يمليه عل الرسم الوشم الموجود هنا… البيت! ما زالت القضية تشغلني. أحاول الكتابة أو الانتهاء من رواية جديدة عن البيت بدأتها منذ سنوات كوفيد ولم أنته منها بعد. الوقت يسرقني أحيانا. ظهرت “الكل يقول أحبك” في أثناء كتابة رواية البيوت. ومحورها مسألة الطلاق والانفصال العاطفي وعلاقتهما بهدم بيت وبناء آخر… انسقت وراء الرواية المفاجئة وتركت جانبا الرواية المؤلمة! فهل تخلصت من الألم بعد مرور تلك السنوات وهل أعود لكتابتها والانتهاء منها الآن وقد خفتت حدة الطعنات والتأمت الجروح؟ أجدني في مفترق طريق كبير “كتابيا”… لعلني أنتهي منها في 2027… إدعي لي يا سمسم! على مائدة العمل حاليا رواية محورها ما أعرفه وما لا أعرفه عن “أبي”… غالبا أنتهي منها هذا العام…
Fingers crossed!

فهل يحتاج الأدب العربي لرواية أخرى عن الأب؟ سؤال يطرح نفسه بشكل عشوائي كل فترة عن جدوى الكتابة الذاتية، وتذكرني آني إرنو أني لست وحدي في هذا العالم الفسيح، عالم الخيال الذي تصنعه شذرات من حياتنا اليومية. ولكن تخيلت أني عدة نساء في جسد واحد، ولكم حاولت إعادة تشكيل وعيي، وصوت الكاتبة جزء لا يتجزأ من هذا الوعي، وفقا لقانون التعدد والتجاور والشك وإعادة التشكيل. أنتبه الآن أن شخصية “ماهي” مازالت حاضرة منذ ظهرت لي في “هليوبوليس”، ولديها تجليات أخرى فيما كتبت بعد ذلك. أكثر من عشرين عاما، لا بل أكثر من 28 عاما!، منذ ظهور الماريونيت، فهل أحركها أنا أم تحركني هي؟! أعتقد أني صادقة في السؤال وأني صادقة في البحث عن إجابة.

لي صديق عزيز، كاتب أردني فلسطيني هو جهاد الرنتيسي، انتهى منذ أسابيع من كتابة كتاب كامل عن المكان في كتبي الأدبية وغير الأدبية. لفت نظري لقضايا كثيرة خافية حتى علي، وربما دفعني دون أن أدري للتفكير في “ماهي” بصورة مغايرة. أشبه بما أراد برجمان عمله في فيلم “برسونا” الشهير، تهشيم المرآة السهلة التي تجعلنا نتصور أننا نشبه شخصياتنا.
رسم الكف على هذه الورقة، كف الأمنيات والبركة والحماية، أرسله لك مع محبتي، وامتناني لأنك تمنحينني فرصة الكتابة على الورق – مخاطبة الكائن البعيد وكأننا نخاطب أنفسنا – طلبا للونس ربما، مصحوبا بأمنيات المحبة الدائمة والحماية من شرور العالم.
محبات من مونتريال حتى نلتقي
مي
16 يوليو 2026








