إسلام مصطفى عبده
“كَدِماءٍ تَنتَشِرُ في مَاءٍ،
تَذُوبُ مَشاعِري فيهِم.
لم أعُدْ أخشَى المَوتَ،
فَمِن كُلِّ قلبٍ
سَتُولَدُ مِنِّي نُطفةٌ”
قلّما يبدأ ديوان شعري بقصيدة تمتلك هذا القدر من الكثافة والجرأة. فمنذ السطور الأولى، تعلن الشاعرة عالمها الشعري القائم على الصورة المركبة واللغة المشحونة بالدلالة، وكأنها تدعو القارئ إلى الدخول في تجربة لا تعتمد على الحكاية بقدر اعتمادها على التأويل.
قصيدة افتتاحية تضع القارئ مباشرة أمام سؤال الوجود والذوبان في الآخر. تبدأ بصورة شعرية عالية الكثافة، ثم تبني عليها تصورًا كاملًا عن الحياة والموت واستمرار الإنسان في الآخرين. افتتاحية موفقة، لأنها تمنح الديوان هويته منذ اللحظة الأولى.
هوية بلا مرور
من أكثر قصائد الديوان إحكامًا من ناحية البناء. لا تبدو فيها كلمة زائدة أو صورة يمكن الاستغناء عنها. وتنجح الشاعرة في الربط بين هموم الوطن والهوية والبحث عن الحلم، دون أن تسقط في المباشرة، بل تترك الصورة الشعرية تحمل المعنى بنفسها.
أنقاض…
تنقسم القصيدة إلى حركتين واضحتين؛ الأولى تستحضر التاريخ بوصفه كائنًا يحتضر، بينما يحاول الأطفال إنقاذه، وهي صورة مؤثرة تحمل قدرًا كبيرًا من البراءة والأمل. أما الحركة الثانية، فتنتقل إلى أثر غياب هذا التاريخ، حيث تتولد الغربة والضياع وانسحاق الهوية، قبل أن يعود التاريخ نفسه ليواجه الإنسان بقسوته.
أول عصفور يولد دون تزاوج
قصيدة عن الحرية في معناها الأشمل. يتجاوز العصفور هنا كونه طائرًا ليصبح رمزًا للانعتاق، بينما تتعامل الشاعرة مع المعجزة بوصفها أمرًا طبيعيًا داخل عالم القصيدة، حتى يصبح تجاوز الواقع جزءًا من منطقها الداخلي.
خيبة قديمة
تعتمد القصيدة على استعارة الحبيب بالطائر، وتنسج من خلالها تأملًا في الخيبة المتكررة، متسائلة: كيف يطلب القلب أغنية جديدة وهو يعرف جيدًا نهاية اللحن القديم؟
ركن بعيد في الذاكرة
قصيدة هادئة تستعيد الماضي لا بوصفه زمنًا مضى، وإنما بوصفه ذاكرة لا يستطيع الزمن نفسه محوها. فالأيام تبهت، لكن الذكريات تبقى كامنة في مكان بعيد، تنتظر لحظة استدعائها.
ثلاث هويات للموت
تقدم الشاعرة تصورًا مختلفًا للموت عبر ثلاث صور متباينة.
الهوية الأولى تصور طفلًا يهرب من عالم القسوة، ثم يواجه ذاته في محاولة لاستعادة كرامته.
أما الثانية، فتستثمر الخيال لتجعل الأجساد الجامدة مطارًا للأرواح، في صورة تجمع بين الفانتازيا والوجع.
بينما تنقل الهوية الثالثة العجز من الفرد إلى المجتمع، ثم إلى الحياة نفسها، حتى تبدو الحياة عاجزة عن مواصلة السباق.
ولادة
قصيدة عن الميلاد الثاني للإنسان؛ ذلك الميلاد الذي لا يحدث إلا بعد المرور بتجارب قاسية. وحين يصل الإنسان إلى نهايتها، يصبح الغناء للحياة هو الانتصار الحقيقي.
كائنات تتكاثر دون تزاوج
تعتمد القصيدة على الرمز، فتجعل الشر كائنًا قادرًا على التكاثر وحده، قبل أن تتدخل قوة خفية لتعيد التوازن. وهي من القصائد التي تنجح في تقديم فكرتها دون خطاب مباشر.
خطوات هاربة من طريق
القصيدة التي حمل الديوان اسمها تلخص روحه كلها؛ إنسان يمضي في طريق بالغ الصعوبة، لكنه يواصل منح الآخرين قلبه كل صباح، رغم أن العالم لا يكف عن إعاقته. إنها قصيدة عن المقاومة أكثر منها عن الهروب.
والله تستاهل يا قلبي
قصيدة مليئة بالمشاهد والصور المتتابعة، تمتزج فيها الموسيقى بالذكرى، والابتهال بالحزن، والعجز بالأمل، حتى تصل إلى خاتمة تمنح القارئ شعورًا بأن الانتصار ممكن، مهما طال الطريق.
مرآة
تختصر القصيدة العمر بين طفولة وشيخوخة، وتفتح نافذة يرى الإنسان منها نفسه والعالم والموت والحب في آنٍ واحد. وهي من أكثر قصائد الديوان اعتمادًا على التكثيف.
خمس هويات للجسد
كما قسمت الشاعرة الموت إلى هويات، تعود هنا لتقسم الجسد إلى خمس صور مختلفة، يجمعها جميعًا البحث عن الانتماء والخلاص.
طفل منبوذ، وعش يبحث عن وطن، وبهلوان يحلم بالطيران، ونخلة تنتظر الندى، وإنسان يفتش عن إشارة تقوده إلى جناحين… جميعها صور مختلفة لجسد واحد يحمل الوجع نفسه.
ندبة بارزة في وجه الكون
تنتقل الشاعرة بخفة من العام إلى الخاص، مستثمرة إعجابها بلوحات سلفادور دالي لتجعل الفن مدخلًا إلى جرح شخصي، قبل أن يتحول هذا الجرح إلى ندبة في وجه العالم كله.
هلع
رغم عنوانها الصادم، تبدو القصيدة واحدة من أكثر قصائد الديوان صدقًا في التعبير عن الحب، حيث يتحول الخوف نفسه إلى دليل على عمق المشاعر.
مقبرة مثالية لدفن المحبة
قصيدة قاسية في رؤيتها، لكنها تظل وفية للعالم الذي يبنيه الديوان، حيث لا تأتي المحبة دائمًا بوصفها خلاصًا، بل قد تصبح عبئًا في عالم فقد إنسانيته.
أطفال جوعى للإجابات
بعدد قليل من الأسطر، تنجح القصيدة في تلخيص مأساة أمة كاملة، لتصبح كل كلمة فيها سؤالًا مفتوحًا يبدأ بـ«لماذا؟» ولا يجد جوابًا.
بحر أعظم
قصيدة تحتفي بالحرية بوصفها حقًا أصيلًا لكل الكائنات، حتى المطر نفسه يبدو محتاجًا إلى مساحة أوسع ليحقق وجوده.
مثل غصن مبتور في شجرة
تنتهي القصيدة بسؤال من أجمل أسئلة الديوان وأكثرها تكثيفًا:
«أين العمر… لينتصف؟»
وهو سؤال يختزل الإحساس كله بالفقد والزمن.
قبر متحرك على قدمين
ورغم حضور اليأس بوضوح، فإن النص يخفي بين سطوره قدرًا من الأمل، وكأن الشاعرة تؤكد أن الاعتراف بالهزيمة قد يكون بداية النجاة.
مشانق الصمت
قصيدة تطرح سؤالًا وجوديًا مؤلمًا: كيف يواصل الشاعر الكتابة بينما الموت يحاصر الحياة من كل الجهات؟ سؤال لا تقدم له القصيدة جوابًا بقدر ما تتركه مفتوحًا.
علبة ثقاب
قصيدة قصيرة في حجمها، كبيرة في دلالتها، تختزل العالم كله داخل علبة ثقاب، في صورة تجمع بين البساطة والمرارة.
أنا بخير يا حبيبي
تأتي وكأنها الوجه الآخر للقصيدة السابقة. فالجملة المتكررة «أنا بخير يا حبيبي» لا تبدو تأكيدًا بقدر ما تبدو محاولة لمقاومة الانكسار.
وطن لم يُكتشف
من أجمل أفكار الديوان، حيث يتحول ما تكتشفه الشاعرة داخل ذاتها إلى وطن كامل لم يصل إليه أحد بعد، في مزج جميل بين الخاص والعام.
رسام بوهيمي
اختتام موفق للديوان. فبعد رحلة طويلة من الأسئلة والوجع والبحث، تنتهي الشاعرة إلى نافذة من الضوء، مؤكدة أن الطريق، مهما بدا مظلمًا، لا بد أن يضيء في النهاية.
كلمة أخيرة
ينتمي «خطوات هاربة من طريق» إلى الشعر الذي يعتمد على الرمز والصورة أكثر من اعتماده على الحكاية المباشرة. وتتميز قصائده بتكثيف لغوي واضح، وبقدرة على بناء صور غير مألوفة، مع حضور دائم لثيمات الهوية، والموت، والحرية، والذاكرة، والوطن.
ليس ديوانًا يُقرأ مرة واحدة؛ فالكثير من قصائده يفتح أبوابًا جديدة مع كل قراءة، وهو ما يمنحه قيمة شعرية تستحق التأمل.









