سونيا بوماد..موسيقى البيانو المهاجرة

سونيا بوماد

حاورتها: راما غيث

منذ طفولتها كانت مولعة بالقراءة، والتي فرضتها عليها ظروف الحرب بلبنان؛ مع قطع الكهرباء بشكل دائم فكان الكتاب هو الرفيق الدائم لها. وكانت أيضًا تفضل الموسيقى والمسرح، ولم يكن ببال سونيا بوماد أن تصبح كاتبة يوما ما.. فقد انقطعت عن الدراسة بمجرد زواجها بعمر ال 19 عاما وأصبحت أما لطفليها لارا وجاد.. وبعد نهاية الحرب استكملت دراستها بالتربية الحضانية، اشتغلت لمدة خمس سنوات كمدرسة بيانو ولغة عربية بإحدى المدارس الدولية، ثم قامت بفتح مدرسة لتعليم الموسيقى، وقامت بعمل العديد من الأنشطة للأطفال المصابين بالسرطان وإقامة حفلات خيرية، ثم عام 2006 أصيبت ابنتها لارا برصاصة في المخ وذلك خلال الحرب بلبنان، والتي أدت إلى لإصابتها بشلل، وكانت هنا نقطة تحول بحياة سونيا بوماد وأسرتها..

–        أخبرينا عن المصاعب التي واجهتها عند بداية رحلة خروجك من لبنان؟

حصلت لارا على منحة علاج بإيطاليا، فذهبت معها وتركت جاد وزوجي بلبنان، وأجري لها عمليتين جراحيتين بعدها بدأت أولى خطوات التعافي لحالة لارا الصحية، وعدت بعدها إلى لبنان، وكان من الأفضل تقديم لجوء لأوروبا وذلك من خلال الفيزا التي كانت متاحة معي حينها، وبعد عملية بحث واقتراح من أحد الأصدقاء وجدت أن النمسا من أفضل الدول التي يمكن أن أتقدم لها باللجوء وأحصل بها على مساعدة لحالة لارا، عشت بمخيمات اللجوء 7 أشهر وكانت من أصعب الفترات التي عشتها..

–        كيف كانت الحياة بمخيمات اللجوء؟

الحياة كانت مختلفة تماما عن الحياة بلبنان حيث كانت الحياة بلبنان شبه مستقرة حيث المنزل الخاص والعائلة والوظيفة والخصوصية، أما بمخيم اللاجئين كانت الحياة عبارة عن عائلة من أربعة أفراد تعيش بغرفة واحدة، الأسرّة مصنوعة من الحديد، باب الغرفة مفتوح وذلك من أجل الرقابة الأمنية والتفتيش كل 4 أو خمس ساعات، وذلك لوجود مجموعة كبيرة من البشر المتنوعين، فنحن في مجتمعاتنا متشابهين باللغة والثقافة، أما بالمخيمات كنت أشاهد العالم كله في تلك البقة من الأرض، فكنت بين الإفريقي، الأسيوي والعربي.. الخ، فكل له ثقافته وجنسه ولغته وقليل ما كنت أجد من أستطيع التفاهم معه.. كما كان يجب عليّ الاهتمام بقضية لارا وفي نفس الوقت وجدت نفسي متورطة بشكل ما بما يحيط بي من عالم مختلف على المستوى الإنساني..

–        كيف بدأت رحلتك مع الكتابة؟

عندما كنت مقيمة مع لارا بالمستشفى عام 2007 جاءت مسئولة بالمستشفى ونصحتني بالكتابة لأجد بها الراحة، وأعطتني مجموعة من الورق والأقلام، وهنا كانت البداية، وأثناء الكتابة اكتشفت أني كنت اجتر ذكرياتي، فالإنسان بزحمة الحياة ينسى نفسه ويكون مجرد رد فعل لما يحدث حوله، ولا يكون لديه فرصة لمراقبة أفكاره وما يرغب به بجدية، وقد سجلت برواية “الرصاصة الصديقة” أن الإنسان ربما تتفتح أمامه سبل وفرص ولكن ما يلتفت إليها لانشغاله بأمور الحياة..

–        هل وثّقتي القصص التي قابلتيها بالمخيم؟

نعم بعض القصص التي استطعت كتابتها عما رأيته وعايشته بالمهجر، فإن قصص الكاتب عادة ما تكون من الحكايات التي يعيشها مع المحيطين حوله، أو يختلق الحكايات الغريبة عن مجتمعه أو حياته، ولكن ما يميز أدب المهجر هو تأثر الكاتب وتفاعله مع ما يعيشه من حياة مختلفة ومواقف غريبة، فأبطال حكاياتي لهم مبرراتهم بالحياة فالشرير له أسبابه وظروفه التي جعلته بهذا الشكل وكذلك الطيب له مبرره، فالمهجر يفتح أفق مختلفة لرؤية القضايا والشخصيات والمواقف..

–        ما رأيك فيمن يقول أن الفنون يجب أن تقدم حلول للمشكلات والقضايا التي يطرحها؟

لا أفضل أن يطلق على القضية مفردة “مشكلة” ولكن الأفضل أن نحول المشكلة لسؤال فالإجابات دائما موجودة ولكن الحلول ربما لا نستطيع الحصول عليها، فلكل سؤال إجابة بالتأكيد، وليست من وظيفة أي شخص يشتغل بالأدب والصحافة أن يجد إجابات أو حلول بل علينا أن نسلط الضوء على القضية، فالقارئ كلما اطلع وقرأ أكثر كلما توصل لحلول تناسبه وتناسب قضيته..

–        ما هي أحدث الأعمال الأدبية التي انتهيت منها مؤخرا؟

مجموعة قصصية للأطفال اسمها “عنكوب المحبوب” سيتم إصدارها باللغتين العربية والإنجليزية، وهناك خطة لتحويل القصص لنصوص مسرحية، وهي خطوة مميزة بالنسبة، رواية “سبايا” تم إصدارها في بداية العام الحالي ولكنها لم تلق نصيب كافي من الدعاية وذلك بسبب سرقة حساباتي بمواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من ذلك فمن خلال زيارتي لمؤتمر التنمية المستدامة وجدت أن الرواية لها رواجا كبيرا.. كما هناك مجموعة قصصية بالألماني وهو أول محاولة للكتابة باللغة الألمانية.

وأيضًا سوف يصدر الطبعة الثانية رواية “الرصاصة الصديقة” مع بعض التعديلات والتحديثات بالرواية وذلك عام 2020 كما أيضا سيتم ترجمة الرواية باللغة الألمانية.. وهناك محاولات لتحويل الرواية لفيلم سينمائي.. وسيتم ترجمة الرواية أيضا للغة التركية.

كما سيتم إصدار المجموعة القصصية التي كتبت باللغة الألمانية للغة العربية مع بدايات عام 2020 ولكني لم استقر بعد على اسم لها.. وفي أكتوبر القادم سأكون ضمن لجنة تحكيم مهرجان المسرح بمصر. وأيضا سأكون متواجدة بمهرجان الجونة السينمائي..

–        ما رأيك فيمن يقول أن العالم الغربي خال من الجرائم واقتصار الجرائم فقط على المجتمع العربي؟

النفس البشرية لا تعرف جنسية، فالمرضى النفسيين موجودين بكل مكان، فكان هناك جريمة بالجرائد الألمانية من فترة أن شخص يرتدي قناع ذئب ويخطف البنات ويغتصبهن، وأيضا كان هناك ثلاث أشخاص لديهم بيت بالغابة وكانوا يخطفون البنات ويغتصبوهن، وجريمة بشعة أخرى حيث كان هناك أب حبس ابنته لمدة 15 سنة بقبو البيت وأنجب منها 6 أطفال واكتشفوا أنها وأبنائها لم يخرجوا من المنزل قط، كما يوجد تحرش رجال الدين بالأطفال، كل هذه الأخبار فهي متشابهة بما يحدث بعالمنا العربي ولكن بأوروبا تمر بالجرائد ولا تسلط عليها الأضواء ولا تصل لعالمنا العربي ولكن إن حدثت تلك القضايا لدى عالمنا العربي يسلطوا عليها الضوء ويثيروا حولها ضجة وتصير حديث الناس لعدة أشهر، فنحن شعوبنا مهمومة بالحكايات عن الآخرين..

–        كيف بدأت نشاطك الحقوقي والاجتماعي؟

كنا في لبنان من خلال منتدى إنسان نشارك بحفلات إنسانية لمساعدة الطلاب المتعسرين ماديا فكنا نشارك أنا ولارا وجاد بالعزف على البيانو في تلك الحفلات، كما اشتغلت فترة بالمخيمات السورية على حدود التركية مع الأطفال، وتعاونت مع الراهبات اللائي يعملن بحي الزبالين بتقديم المساعدات لهم، وهناك عدة مشاريع أخرى لتحسين التعليم بين بعض الدول النامية والعالم الغربي، وقد تم اختياري بتركيا كسفيرة لمشروع “حماية الأطفال من التحرش”، وتم تقديم مشروع للحكومة النمساوية ولكن في انتظار الانتهاء من الانتخابات لحين متابعة إجراءات تفعيله.. وأيضًا حصلت على جائزة التسامح 2019لأوروبا، وجائزة كتاب السلام من إيطاليا 2019، وسأكون مسئولة عن الجائزة الإيطالية العام القادم..

–        ما هي الصعوبات التي واجهتها في نشر الكتب الخاصة بكِ؟

بالنمسا واجهت مشكلة الرقابة على المحتوى، عند نشر النسخة الألمانية اقترحت دار النشر حذف بعض التفاصيل والتي أخبروني أنها ليست تخص المواطن النمساوي في شيء، وذلك على الرغم من أن كتبي تم نشرها في العالم العربي دون رقابة ومرت على السعودية والدول العربية دون عناء الحذف للتفاصيل، وعندما أصروا على الحذف، أخبرتهم أن الكتاب سيصدر باللغة الإنجليزية وسيوثق ما أجده من معاناة في نشر الكتاب باللغة الألمانية وبالتالي تمت الموافقة على إصدار الكتاب بكامل تفاصيله..

–        هل تفكرين في تجربة كتابة السيناريو السينمائي لتحويل روايتك لفيلم؟

بم إن الرواية “الرصاصة الصديقة” هي عبارة عن سيرة ذاتية بالدرجة الأولى فتم اقتراح أن أكتب السيناريو الخاص بها بنفسي، ولكني لديّ مخاوف للخوض في هذا المجال، ومازلت أفكر في تلك الخطوة ولم أتخذ القرار بعد.. ولكن تلك المخاوف تذكرني بمخاوفي عند بدايتي لكتابة المجموعة القصصية للأطفال وكذلك المخاوف التي شعرت بها عند بداية كتابتي للمسرح.. فعند كل بداية ينتابني بعض القلق ولكن مع كل تجربة أجد نجاح لم أكن أتوقعه.. فأتمنى تقديم الجديد وبشكل ناجح..

–        هل تفكرين في العودة للحياة بلبنان مرة أخرى؟

لا، ولكن إن قررت للانتقال من النمسا يوما ما فسأنتقل للحياة في مصر، فإني أعتبرها بلدي الأم، حيث لي فيها الكثير من الأصدقاء، وأشعر بانتماء كبير لها..

راما غيث

11 مقال
كاتبة مصرية

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع