نوار الماغوط
في المشهد الشعري السوري والعربي المعاصر، يتداخل وعي المبدع بين محلية الجرح النازف والآفاق الأدبية العالمية التي يرتادها.. هذه الثقافة الفريدة تتبدى جليًا في النص النثري الصادم للشاعر، والروائي، والمترجم السوري الدكتور علي حافظ؛ وهو المبدع الذي رفد المكتبة العربية بترجمات هامة من الروسية والألمانية، مما جعل قصيدته مسرحًا لتقاطعات أدبية وفلسفية عميقة، تحفر في سيكولوجية الاغتراب، وتفكك مفهوم الانتحار بوصفه طقسًا وجوديًا واحتجاجًا إلهيًا.
وإذا كان النُّقاد يجمعون تاريخيًا على أن رواية الواقعية الروسية قد خرجت كلها من “معطف غوغول”؛ فإن قراءة هذا النص الإبداعي يثبت أن قصائد وجداريات الحداثة الشعرية العربية المعاصرة موجودة في تراجيدية “غرفة علي حافظ”؛ تلك الغرفة الوجودية التي تحولت إلى مركز كوني تتناسل فيه أسئلة الفناء وتتشكل فيه هوية الاغتراب الإنساني.
يفتتح حافظ نصه بجملة بصرية سينمائية صادمة: “عالمٌ يشبه صندوق السلحفاة”.. هذه الاستعارة السريالية تمنح القارئ شعورًا فوريًا بالأسر، والعبودية، والضيق الوجودي؛ حيث العالم قوقعة صلبة خانقة، ومن رحم هذا الضيق يبرز ثنائي (الحبل/الكرسي) كمفهوم دقيق لفعل الخلاص المأساوي، إذ يقول: “كلما قرر أن يعيش يحاوره الحبل.. النافذة المشنوقة على الجدران الباهتة تنتظر من يرفس الكرسي”.
إن هذه النافذة، والبنادق المستلة، والجثث الطوافة في المخيلة، ليست سوى انعكاس شاعري لـ “تروما” الحرب والاغتراب التي عايشها الإنسان السوري؛ حيث تحولت النوافذ التي ترمز للأمل والانفتاح إلى مشانق معلقة، وصار الواقع سياجًا إسمنتيًا قاحلًا يطوق الذات الشاعرة ويفترسها داخليًا: “الكلمات تستل البنادق.. جثث تطوف في مخيلتي تلتهم كل شيء داخلي، وتترك عضة الألم!”.
تتجلى ثقافة الدكتور علي حافظ الموسوعية كأكاديمي ومترجم يتقن الروسية والألمانية في المقطع الثاني، حيث يتحول النص إلى “صالون خيالي”؛ يجمع نخبة المبدعين المنتحرين والمأزومين في التاريخ الإنساني.
يتمدد الشاعر على أجنحة “شعراء انتحروا”، مستدعيًا سوداوية “إدغار آلان بو” عبر ريشة غراب الشؤوم الحتمية، ومنصهرًا في لجة “اللون الأزرق لبيكاسو”؛ الذي يمثل ذروة الكآبة والفقد لدى الفنان الإسباني، صادحًا: “الكمان يمجدّني بريشة غراب إدغار آلان بو، واللون الأزرق يدفعني نحو لجة السماء في لوحات بيكاسو”.. هذا الاستدعاء لا يأتي من قبيل الترف الثقافي، إنما هو إحالة واعية لثقافة الشاعر الذي عاش في بطون الكتب الغربية وعاين تراجيدياتها الفلسفية. الشاعر يعترف صراحةً:
”أطير لأنني ما عشت يومًا إلاَّ كشخص يرنو للتحليق في فضاء الورق؛ لكن، عبث القدر أوقف خفقان أجنحتي على السرير وزفيرها البعيد يجتاح زوايايَّ المنسية…”. لتصبح الكتابة هنا الوجود الحقيقي والخلود الأسمى، بينما الواقع البيولوجي المريض المستلقي على السرير هو “العدم” الفعلي الذي يعيق الشاعر عن بلوغ المطلق: “آه، ياصديقي شيء ما يعيقني كي أكون لا نهائيًا…”.
يمضي الشاعر في تعميق مأساة هذا الاغتراب متوسلًا بصور التآكل والخراب المعماري والنفسي؛ فالغرفة والمدن تتبادل الأدوار في إعلان العزلة: “أغلق قلبي كما تغلق المدينة القديمة أبوابها؛ وروحي لم تعد ملكي في توقف الألحان…”. وتتحول الجدران المتشققة أمام عينيه إلى مرآة تعكس أزليّة الفقد والوحدة: “جدران متشققة لا تتهدم.. أشعر بوحدتها وكآبتها معًا… جدران لا تنتهي تقف أمامي”.
وفي قمة هذه الوحدة، تتلاشى الكائنات الحية وتتكاثف رموز الموت الوشيك؛ فالطيور تهاجر ولا يتبقى في فضاء الغرفة سوى الغربان الشاهدة على النزع الأخير: “وحيدٌ على الكرسي.. غادرت الطيور، وبقيت الغربان على أشجار نافذتي لتشيعني عند الذين يخافون الموت أكثر مني…”.. إنه إعلان صريح عن الموت الروحي والاغتراب التام عن عالم الأحياء الخائفين، تمهيدًا للعبور إلى الشاطئ الآخر دون طقوس تشييع مألوفة: “لا تنتظري عودتي أنا الميت بلا كفن…”.
تصل القصيدة إلى ذروتها الجمالية في مشهد الختام. فبعد أن يستسلم الشاعر للموت الروحي، وتتدلى ذاته من “عين الحبل” باتجاه تراب الحبيبة الغائبة: “تتدلى روحي من عين الحبل باتجاه التراب بين شاهدتي صدركِ”، يحدث انقلاب مشهدي خارق للمألوف السريالي يعيد تشكيل عناصر الطبيعة والجماد.
الكرسي الخشبي الميت، الذي أضناه العطش لدم الشاعر وجسده، يمتص طاقة الموت ويمد جذوره فجأة في “أدغال الإسمنت” ليتحول إلى كائن شجري حي ومتوحش: “يتفتح البنفسج ساقيًا خشب كرسي أضناه العطش كثيرًا… فجأة مد جذوره بأدغال الإسمنت”.
وفي المقابل، يُترك الشاعر (الإنسان الحقيقي والمثقف المعرفي) معلقًا كجثة معرفية باردة ومقصية: “وتركتني معلقًا بأغصان الكتب، وأجنحة فراشات الليل…”.. إنها نبوءة سريالية مرعبة تعلن انتصار المادة والجماد، وتلاشي الإنسان المعرفي وانطفائه؛ حيث ينمو الخشب والإسمنت وتتحول الكتب والثقافة من أدوات تحرر إلى مقبرة وأغصان مشنقة أبدية تعلن غياب الإنسان المبدع في عالم بات يقدس الأدوات ويهمش الوعي.
اقرأ أيضا:
قصيدة “غرفة من أربعة أرجل” للشاعر علي حافظ ف








