عبد السلام فاروق
1.
الغريب أن المرء حين يبلغ الخمسين، أو حين تقترب روحه من بوابة المجهول، يشعر فجأة أن كل ما عاشه كان ضرورياً، حتى لحظات الخوف والهزيمة. ضرورياً لكي يجلس هكذا، في ليلة صيفية هادئة، ويروي ما حدث، لا ليفهمه، بل لكي يتخلص منه، لكي يضعه أمامه كما توضع صورة قديمة على طاولة، ثم ينهض ويمضي.
أنا فلاح من صعيد مصر. لم أختر ذلك، لكني قبلته. قبلته كما يقبل المرء وجهه في المرآة، بلا حماس، لكن بلا إنكار. تعلمت القراءة في كتاب الشيخ مخلوف، فوق حصير من الخوص، على يد شيخ ضرير كان يمسك العصا بيد والمصحف باليد الأخرى. كان صوته رخيماً وهو يردد: “اقرأ باسم ربك الذي خلق”. وكنت أقرأ، لا لأني أفهم، بل لأن الصوت كان يملأ الفراغ، والفراغ كان مخيفاً.
في العاشرة من عمري، حدث شيء غريب. لا أعرف كيف أفسره حتى الآن. دخلت إلى غرفة صغيرة خلف المسجد، غرفة كانت مخزناً للكتب القديمة التي لا يريدها أحد. كانت رائحة العفن تملأ المكان، والغبار يطفو في شعاع الشمس الذي يتسلل من نافذة مكسورة. مددت يدي إلى كتاب، أي كتاب، فتحته، فإذا بي لا أستطيع التوقف. كانت الكلمات تأخذني إلى مكان لا أعرفه، ناعم وغريب، كأني أغرق في نهر لا قاع له.
منذ ذلك اليوم، وأنا أغرق. لم أتوقف. صرت أقرأ كل ما تقع عليه عيني. لم يكن عندنا مكتبة، لكن الكتب كانت تأتي، لا أعرف كيف. كأن ثمة يداً خفية ترسلها إلي. في العشرين من عمري، كان عندي ثلاثون كتاباً. كنت أنام على كنبة خشبية، وأصحو فأجد الكتب تنظر إلي من على الرف، كأصدقاء صامتين لا يسألون عن شيء.
ثم جاءت الكتب الأربعة.
جاءت في وقت كنت فيه على حافة اليأس. ليس اليأس من الحياة، فالحياة كانت قاسية لكنها مقبولة، لكن اليأس من المعنى. كنت أسأل نفسي لماذا تقرأ؟ ماذا ستفعل بكل هذه الكلمات؟ هل ستظل هكذا طوال عمرك، فلاحاً يقرأ الفلسفة في الحقل، ويخفي الكتب تحت قميصه إذا مر أحد، لأن الناس هنا تخاف من الكتب كما تخاف من الجن؟
الكتب الأربعة كانت: “العلم الجديد”، و”التاريخ والوعي الطبقي”، و”الوجود والعدم” ، وكتاب آخر للفيلسوف ميرلوبونتي. قرأتها بالترتيب. لا أدري لماذا بدأت بفيكو، ربما لأن اسم الكتاب كان جميلاً: “العلم الجديد”. كان يوحي بأن ثمة باباً سيفتح، وكنت أحتاج إلى باب.
بعد سنوات، عرفت أن رجلاً اسمه إدوارد سعيد قرأ هذه الكتب الأربعة أيضاً. قرأها في العمر نفسه تقريباً. وكانت هذه الكتب هي الأساس الذي بنى عليه كل أفكاره. كان سعيد فلسطينياً، ومات بعيداً عن وطنه، كما يموت الغرباء. حين عرفت ذلك، شعرت بشيء غريب. ليس حزناً، ليس حسداً، بل شعور بأني كنت أسير في طريق، وفجأة اكتشفت أن شخصاً آخر سبقني إليه، وأن آثار قدميه لا تزال على التراب. لكن الفارق بيني وبينه كان كبيراً، كبيراً جداً. هو خرج من هذه الكتب بأفكار غيرت العالم. أما أنا، فخرجت منها بشيء آخر، بشيء أصغر، بشيء لا يراه أحد. خرجت منها بنفسي. وهذا ليس قليلاً، في زمن يفقد فيه الناس أنفسهم كل يوم.
2.
قرأت فيكو أولاً. وقع في يدي صيفاً، في حقل الذرة. كنت أجلس تحت شجرة جميز عجوز، أقرأ بين رية وأخرى. الدنيا من حولي ساكنة، لا تسمع إلا صوت الماء في التراب، وصوت الطيور، وأحياناً صوت بقرة من بعيد.
قال فيكو شيئاً قلب رأسي. قال إن البشر الأوائل لم يكونوا فلاسفة ولا علماء، كانوا شعراء. كانوا ينظرون إلى العالم فلا يرونه، بل يتخيلونه. يرون الرعد فيظنونه إلهاً غاضباً، ويرون البرق فيحسبونه سيفه، ويرون المطر فيتوهمونه دموعه. من هذا الجهل، من هذا الخيال الخصب، خرج كل شيء: الأساطير، الآلهة، الشعر، الحضارة نفسها.
رفعت عيني من الكتاب ونظرت إلى عم جمال، جارنا. كان رجلاً عجوزاً، أمياً، لم يدخل مدرسة في حياته. كان يجر بقرته ويغني لها. سألته مرة: لماذا تغني للبقرة يا عم جمال؟ فضحك وقال: لأنها تحبني إذا غنيت، وتمشي أسرع. كان الرجل يتكلم إلى بقرته كما يتكلم إلى زوجته، ويربت عليها كما يربت على كتف صديق. كان فيلسوفاً دون أن يدري. كان يمارس ما قاله فيكو دون أن يسمع باسم فيكو.
فكرت في أمي. أمي كانت امرأة بسيطة، لا تعرف القراءة ولا الكتابة. لكنها حين كانت تسمع الرعد، كانت تقول بصوت هامس: “الملائكة تسبح”. لم تكن تخاف. كانت تؤول الصوت المرعب إلى شيء مقدس، شيء جميل. كانت تفعل بالضبط ما قاله فيكو: تحول العالم بالمخيلة، تصنع من الفزع طمأنينة. هذا ما خرجت به من فيكو. لم أخرج بنظرية في الثقافة والإمبريالية كما خرج إدوارد سعيد. خرجت بشيء صغير: أن أمي فيلسوفة. أن عم جمال فيلسوف. أن هؤلاء الناس البسطاء، الذين لا يقرؤون ولا يكتبون، يعيشون الفلسفة ولا يعرفون اسمها. وهذا، في حد ذاته، كان كنزاً.
3.
أما لوكاتش، فكان أمره مختلفاً. كان كتابه ثقيلاً، ثقيلاً جداً. أحسست وأنا أقرؤه أني أجر محراثاً في أرض صخرية. لكني استمريت. لا أدري لماذا، ربما لأني شعرت أن هذا الرجل يقول شيئاً يخصني، شيئاً عن حياتي أنا، لا عن حياة عمال المصانع في أوروبا الذين يكتب عنهم.
تكلم لوكاتش عن “التشيؤ”. قال إن الإنسان يتحول إلى شيء، إلى سلعة، حين يفقد السيطرة على ما يصنع. العامل في المصنع لا يصنع شيئاً كاملاً، بل قطعة صغيرة، فيفقد المعنى، ويفقد إنسانيته مع المعنى. وأنا، وأنا أقرأ هذا الكلام تحت شجرة الجميز، فكرت في حالنا. نحن الفلاحين. ألسنا “متشيئين” أيضاً؟ كنا نزرع الطماطم، ولا نأكلها. كانت تذهب إلى المصنع. والمصنع يصنع منها صلصة، تذهب إلى مدن بعيدة، إلى أناس لا نعرفهم. كنا نزرع ولا نملك ما نزرع. كنا نبيع أجسادنا للشمس، كما يبيع العامل جسده للآلة.
لكن الفارق، كما قال لوكاتش، هو الوعي. أن تعرف أنك عبد، أن ترى السلاسل في قدميك. هذا هو بداية الحرية، أو بداية الجنون. العامل في المصنع قد يعرف، وقد لا يعرف. أما الفلاح، فالغالب أنه لا يعرف. يعيش ومعه شعور غامض بالظلم، لكنه لا يسميه، لا يستطيع أن يمسكه ويضعه أمامه. أنا، لأني قرأت، عرفت. ورؤية السلاسل مؤلمة، مؤلمة جداً.
خرج إدوارد سعيد من هذا الوعي بنظرية عن المثقف الفلسطيني، المربوط إلى قضيته، الذي يحول المنفى إلى وطن بالكتابة. أما أنا، فخرجت بسؤال واحد، مرير ماذا أفعل بهذا الوعي؟ أنا فلاح، لا حزب لي، لا نقابة، لا أصدقاء مثقفين. أنا وحدي. والوعي وحده لا يكفي. الوعي وحده يمكن أن يكون نقمة، أن يكون وحشة، أن يكون كمن يستيقظ في غرفة مظلمة ولا يعرف أين الباب.
4.
ثم جاء سارتر.
قرأت “الوجود والعدم” في شتاء طويل. كان البرد قارساً، وكنت أجلس في غرفتي الصغيرة، أقرأ علي ضوء مصباح قديم . كان سارتر يقول لي: “أنت حر”. في البداية ضحكت. ضحكت بصوت عال. أنا حر؟ أنا الذي لا أملك ثمن زجاجة جاز أحياناً؟ أنا المديون لدكان الخال ؟ أنا الذي إن مرضت أمي لا أجد ثمن الدواء؟
لكن سارتر لم يكن يتكلم عن تلك الحرية. كان يتكلم عن حرية أخرى، داخلية، عميقة. كان يقول: حتى وأنت مقيد، أنت حر في طريقة نظرك إلى القيد. حتى وأنت في السجن، أنت حر في اختيار معنى السجن. هذا كلام صعب. صعب جداً على نفس منهكة.
أغلقت الكتاب. قلت: هذا الرجل لا يفهم. لا يفهم ماذا يعني أن تكون فلاحاً في صعيد مصر. لكن الكلام بقي في رأسي. لم يغادرني.
في الصباح، وأنا في الحقل، تذكرت كلامه فجأة. كانت يدي في الطين، والعرق على جبيني، فشعرت بشيء غريب؛ شعرت أني أستطيع، رغم كل هذا، أن أختار. أستطيع أن أرى هذا العمل عقاباً، أو أراه مشاركة في خلق الحياة. أستطيع أن أرى فقري لعنة، أو أراه امتحاناً. أستطيع. هذا الاختيار الصغير، الذي لا يراه أحد، هو حريتي. حريتي الوحيدة. تلك الحرية التي لا يستطيع أحد أن يسلبها مني، لا الدكان ولا الحكومة ولا الدنيا كلها.
خرج إدوارد سعيد من سارتر بموقف سياسي، بموقف المثقف الذي يقول لا للسلطة. أما أنا، فخرجت بقدرة صغيرة على قول لا للقدر. بصوت خافت. لا يسمعه أحد. لكني أسمعه. وهذا يكفي.
5.
ميرلوبونتي كان آخرهم. وكان مختلفاً. كان كالنسمة بعد عاصفة. كان يتكلم عن الجسد. عن أن الجسد ليس مجرد آلة تحمل الرأس، بل هو أساس المعرفة نفسها. نحن نعرف العالم بجلدنا، بأيدينا، بأنوفنا، قبل أن نعرفه بعقولنا. الطفل يعرف أمه من رائحتها. والفلاح يعرف المطر من رائحة التراب. حين قرأت ذلك، توقفت. نظرت إلى يدي. يدين خشنتين، متشققتين، أظافري مملوءة بالطين. كم كرهت هاتين اليدين! كم تمنيت لو كانتا ناعمتين نظيفتين كأيدي الأفندية في المدينة! وها هو رجل من بلاد بعيدة، فيلسوف كبير، يقول لي إن هاتين اليدين هما كنز. إنهما تعرفان ما لا تعرفه الكتب. إنهما تلمسان الحياة نفسها.
بكيت. لا أخجل من البكاء. في مدينتنا، البكاء ليس عيباً. نبكي في الأفراح والأحزان. نبكي لأن الدموع تريح. بكيت لأني تصالحت مع جسدي فجأة. مع هذه الأقدام التي مشت في الطين، مع هذا الظهر المنحني، مع هذه الرائحة التي لا تفارقني، رائحة التراب والعرق والشمس.
إدوارد سعيد استعمل ميرلوبونتي حتي يفهم المنفى كتجربة جسدية. أما أنا، فاستعملته لأفهم شيئاً أبسط: أن لفلاح صعيدي الحق في أن يكون. أن لجسده قيمة. أن الطين الذي يملأ أظافره ليس قذارة، بل شهادة.
6.
الآن، وبعد كل هذه السنين، أجلس في غرفتي. الليل هادئ. أسمع صوت الصراصير من بعيد. الكتب الأربعة أمامي، أوراقها صفراء، أغلفتها ممزقة. أفتح أحدها، فأجد سطراً بالأزرق. إدوارد سعيد كان هنا. مر قبلي. جلس حيث أجلس، وقرأ ما أقرأ.
شعور غريب. ليس حزناً. ليس حسداً. أشبه بشعور من يمشي في صحراء فيجد آثار أقدام، فيعرف أنه لم يكن أول العابرين، ولن يكون آخرهم. سعيد حمل قضية شعب. أنا حملت قصة رجل واحد. هو أراد أن يغير العالم. أنا أردت أن أفهم نفسي. مشروعه كان كبيراً، بحجم فلسطين. مشروعي كان صغيراً، بحجم مدينة لا يعرفها أحد. لكن لكل منا طريقه. لكل منا بئره التي ينظر منها إلى السماء. هو رأى في دائرته الزرقاء غيمة تمطر على أرض بعيدة. أنا رأيت فيها وجه أمي، ووجه عم جمال، ووجهي أنا. وهذا يكفي. أكثر مما يكفي.
في النهاية، ما الذي يبقى؟ لا نظريات، لا أفكار كبيرة، بل هذا الصوت الداخلي الهادئ الذي يقول: عشت. قرأت. فهمت قليلاً. أحببت الحياة رغم كل شيء. وحين آن وقت الرحيل، سأرحل وأنا أعرف أني كنت هنا، أني مررت، أني تركت أثراً صغيراً، خفيفاً، كأثر قدم في حقل بعد المطر.
وهذا، يا أصدقائي، هو كل شيء. هذا هو كل ما أردت أن أحكيه لكم.











