كتابة وحوار: أسعد الجبوري
تاريخ ومكان الميلاد: 28 فبراير 1909، كنسينغتون.
تاريخ ومكان الوفاة: 16 يوليو 1995، وستمنستر، لندن، المملكة المتحدة.
في تلك الليلة من الخريف الحار، شهدنا أول سقوط لقمر من السموات. لم نكن ندرك حجم الرعب الذي اجتاحنا ونحن نرى ذلك الحدث الغريب، المفجع لأحلام الشعراء. إلا أن نجاتنا من الاصطدام بحجارة من صخوره كانت من العجائب الفريدة، خاصة وقد كنا في رحلة بطولية من الطيران نحو الأعالي، هدفها إجراء هذا الحوار مع الشاعر الإنكليزي ستيفن سبندر، الذي قيل لنا إنه بات متخفيًا بقناع، ومن الصعوبة بمكان التعرف على شخصيته من بين صعاليك الفردوس الثاني.
ومع استمرارنا بشق الطريق في مجرى الهواء مع الدليل، طائر الحنين ((تاسوفي)) صاحب الأعين الثلاثة، دخلنا المجال المغناطيسي لمنازل السماء، حيث أشارت البوصلة إلى وجود الشاعر ستيفن في أحد مقاهي الرصيف.
كانت الأغاني أشبه بموجات من البخار، تتصاعد من أنابيب ضخمة نُصبت في أغلب أزقة المدينة، فيما ازدحمت الشوارع بدرّاجات هوائية غريبة الأشكال والتصاميم تمتطيها فتيات بقمصان من النايلون الشفاف.
لم تستمر فرجتنا على ما كان يحدث طويلًا، إذ سرعان ما رفع طير ((تاسوفي)) الغطاء عن رأس أحد المقنعين، ليظهر أمامنا الشاعر ستيفن سبندر، الذي راح يقهقه وهو يعانقنا. دخلنا شارعًا فرعيًا، لينتهي بنا المطاف في خمارة تشبه كهفًا، وهناك جلسنا نتبادل الأنخاب والأسئلة.
س: هل ثمة أزهار تنبت برأس الشاعر؟
ج: لا أظن الرأس حديقة تناسب نمو الأزهار، ولم أكن أشم رائحة عطر ما تأتي من رأسي المقفل منذ سنوات.
س: لمَ يستبعد شاعر مثل ستيفن سبندر حدوث ذلك؟
ج: لأن العقل ليس من أصول ترابية، وذلك ما يحول دون التفكير حتى بمثل تلك الصورة.
س: والأفكار، أليست بروائح على حد علمك؟
ج: ليس للأفكار سوى الأفران، أما أن تكون مشتعلة أو خاملة بكامل البرودة.
س: هل أنت معادٍ للعطر كرائحة للجذب والإثارة، على سبيل المثال؟
ج: ليس في الشعر بالتأكيد. فعندما تتدخل الروائح العطرية في الشعر، قد تمنع الشاعر من الانشغال باللغة، فتصبح المعاني أقل قدرة على صيد القارئ إلا بالوسائل الشبقية.
س: وما المانع الذي قد يحول دون ذلك يا ستيفن؟
ج: الحساسية بالطبع. فبمجرد أن تستغرق الكلمات بأجواء العطور، تبتعد أو تتباعد عن الشؤون الأكثر التصاقًا بالشعوب، كالجوع والألم والقمع وإدمان الحريات.
س: أنت تتحدث كيساري متطلب لتطبيقات نظريات خاصة بالأيديولوجيا، أليس كذلك يا سيد ستيفن سبندر؟
ج: لا بد للشعر أن يرفع على ظهره بعض حمولة أنقاض السياسة وأطلالها الأيديولوجية، وإلا فيصبح خارج حلبات المصارعة.
س: وكيف تنظر أنت إلى تلك الصراعات – المصارعات – ما بين الأدبي والسياسي؟
ج: نظرة الميت إلى الجريح.
س: وهل كانت نظرة ((شعراء البرج)) التي كنت منتميًا إليها نظرة تشاؤمية بالقدر الذي يوجع اللغة؟
ج: لا، فقد كانت فترة الثلاثينيات من القرن العشرين منتشية ببعض الجماليات.
س: تقصد جماليات كهربة الريف الإنكليزي؟
ج: بالضبط. فقد كانت أبراج التوتر العالي بمثابة سيقان نساء عاريات تضخ النشوة نحو الفضاءات، وفي كل عين ترمي ببصرها نحو تلك الأبراج.
س: هل شعرت يومًا بوجود أبراج للكهرباء في الشعر؟
ج: بالتأكيد، حتى يمكن رؤية ذلك بالعين المجردة.
س: رؤية الكهرباء تقصد؟!!
ج: أجل. فمن يتلامس مع تلك الأسلاك، سيشعر بوجود طاقة ذلك النوع من الاحتراق.
س: هل وجدت نفسك يومًا داخل مصباح على الطريق؟
ج: أجل. كثيرًا ما كنت أشبه بمصباح مطفأ تتدلى رقبته على هذه الطريق أو تلك.
س: وما الذي كان يبعثه في نفسك مثل ذلك الوضع، كأن ترى نفسك مصباحًا أعمى؟
ج: يشعرني بالفخر طبعًا.
س: كيف! وما القصد من وراء ذلك؟!!
ج: أفخر بذلك، لأنه مشهد يؤدي إلى عدم منافسة الشمس.
س: وهل تشرق الشمس ليلًا بإنكلترا يا ستيفن؟
ج: وهل وجدت في نهارات العالم سوى المصابيح النائمة على أكتاف أعمدة الكهرباء، أو تلك التي يأكلها العمى في الشوارع والأزقة والموانئ والأنفس؟
س: ألا تعتقد بأن الشعر يطهر بعضًا من ظلام الجسد؟
ج: بالتأكيد، ولكن ليس كل جسد. فقد يتمكن النور من تطهير التوحش عند هذه الفئة أو تلك من الحيوانات، فيما لا يقدر هو نفسه أن يفعل ذلك مع أجساد آدمية تحجر فيها الظلام، وصار جزءًا من مكوناتها البيولوجية التي لا انفكاك منها أو عنها، حتى باستعمال مشارط الجراحة.
س: والسياسة في الشعر، هل تعمل فعل الظلام يا ستيفن؟
ج: عندما يقع الشاعر في طواحين السياسة والأيديولوجيات، فيكون كمن يأكل لحم جيفة في صحراء.
س: هل هذا كل ما تعلمه الشاعر السياسي اليساري ستيفن سبندر من جامعة أكسفورد؟
ج: في لندن، يمكن أن تولد أخرسًا، ولكنك تكتب بخمس لغات: لغة النقد، ولغة السياسة، ولغة الحب، ولغة الموت، ولغة البرد.
س: والشعر، لمَ أخرجته من سياق تلك اللغات؟
ج: الشعر ليس لغة كما أرى، هو حجر الزاوية في عمارة الوجود كله، لذلك لا تعويل في الحياة إلا عليه، وينطبق ذلك المفهوم عليه في الموت أيضًا. إنه منقذ نفسي، يخفف من وطأة الجحيم الملتهب على الأسطر التي تهيم عليها الكلمات.
س: كيف يمكن التعويل على الشعر في موضوع الموت؟!!
ج: لا تستغرب، فالموت أقرب الأصدقاء للشعراء على مر التاريخ. فهو صديق العاشقين والصعاليك والمتصوفة والسورياليين والتائهين والمهاجرين بين السطور والغارقين في منابع البلاغة وغبار طواحين الرومانس ونيران الإيروتيك وجماعات الغابة الحمراء.
س: لا نريد العودة بك إلى مرحلة شغفك بالماركسية، ولا إلى تعلقك بالمبادئ الليبرالية. نحن نريد توضيح كيف يمكن أن تكون الرومانسية وعاءً أو حضنًا لاحتواء الشعر وترسيخه في جغرافية الذهن والروح على حد سواء.
ج: ثمة رومانسية تشبه سطل اللبن، وأخرى تشبه بيتًا من الورق، وهناك ثالثة تلبس الشاعر كفراء ((المنك)) لتدفئته بالكبرياء الصناعي.
س: هل يعتبر ستيفن سبندر أن للموسيقى دمًا في جسد الشعر أم عطرًا؟
ج: الشعر مركب عطري أحمر من الموسيقى. كل نوتة موسيقية هي ثمرة في قصيدة.
س: وفيما لو فرغت القصيدة من تلك الثمرة؟
ج: تصبح جثة مرمية على كثبان رمل.
س: كانت والدتك ناتاشا سبندر عازفة بيانو، هي من وضعت تحت جلدك أولى أنفاس الأنغام. أيمكن التوكيد على صحة تلك المعلومة؟
ج: تمامًا. الموسيقى ليست حقيبة أسطوانات وحسب، بقدر ما هي تنقيط عطري للأرواح التي تختارها الآلهة، فتتنزل فيها بالموسيقى لتشع وتستمر في الدوران كالهالة حول الشاعر المختار.
س: يبدو إنك وقعت في أسر آخر غير الموسيقى: حب ((لوسيان فرويد))، كما كشفت رسائله حامية الوطيس العاطفي إليك. هل ثمة صدق في تلك الرسائل التي تحدثت عن انغماسك الإيروتيكي بذلك الفتى الذي كان يصغرك بـ13 سنة؟
ج: كان ذلك فخًا عاطفيًا صاعقًا لم أتمكن من تلافيه، ومع ذلك فقد ينفلت عقال الفؤاد ويخرج من السري إلى العلني، وربما بمرارة زائدة.
س: هل بسبب تعقيد تلك العلاقة الجنسية، كون الشاب لوسيان كان حفيد الطبيب سيغموند فرويد؟
ج: أعترف بأن الشاب لوسيان كان شهيًا، وكنت متحمسًا في اندفاعي نحوه. فكثيرًا ما أقلقني برسائله الغرامية الملتهبة التي كتبها لي، وقد يكون قد تأثر بأساليب عمل جده سيغموند فرويد في التواصل مع نزعات الآخرين الجنسية والسيطرة على ميولهم من أجل التشبع والإشباع.
س: كأنك لم تعتبر المثلية عارًا اجتماعيًا؟
ج: بالطبع. إنها لا تشكل عارًا بالنسبة لي، بقدر ما هي قفزة بيولوجية ربما لا يمكن تصحيحها حتى بالتحول الجراحي.
س: حتى لو كان لوسيان فرويد مصابًا بالزهري، كما أثبتت مجموعة الرسائل التي أصبحت بحوزة عائلة سبندر، والتي نظمت لها دار ((سوذبي)) مزادًا للبيع؟
ج: اللعنة. بعد أكثر من سبعين عامًا تظهر تلك الرسائل، وكان المأمول من العائلة أن ترمي بها إلى النيران، لتحترق الذنوب وتسكت وقائع ذلك التاريخ الشهواني.
س: كأنك تعتقد بأن الجنس دنس! أليس كذلك يا ستيفن سبندر؟
ج: تمامًا. ولكنه دنس لذيذ جدًا.
س: هل يمكن تحويله إلى طاقة شعرية؟
ج: بالضبط. فأنت إن رأيت قصيدة تمشي على الأرض، فتذكر بأن في كلماتها الكثير من زنا العاشقين والعوانس والمجانين. لكن، فيما لو رأيت قصيدة طائرة، فاعرف أنها منتشية بالطاقات الشهوانية، وتحلق عاليًا دونما اكتراث لسبات أهل التراب.
س: هل كنت شاعرًا قويًا؟
ج: لا. لم أفكر بالتراتبيات والمراتب والرتب. كنت سيرورة شعرية تفوح برائحة الآخر الذي استعمل أدواتي وترك لي ظله مندمجًا بظلي.
س: متى يمكن أن تعتبر الشعر طفليًا؟
ج: عندما ينزع عن جسده الأزرار الديالكتيكية، ويدخل الحمام، فيأخذ دشًا، ثم يغير ملابسه بالريش، ويخرج للطيران.
س: من أجل أن تعيد صياغته طيرًا؟!!
ج: أجل. فما من شاعر بصفة كاملة لشيطان. تلك وصفة لا قيمة لها عندي.
س: بعد انكشاف ارتباطك بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، التي كانت تقوم بتمويل مجلة ((إنكاونتر)) التي رأست تحريرها في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، على غرار تورط توفيق صائغ في رئاسة مجلة ((حوار)) اللبنانية؟
ج: أجل. كنت وحشًا يتضور جوعًا، وعندما تسللت إلى معدته وكالة تحمل اللحوم والأموال والوظائف، لم يجد في نفسه رفضًا لتلك الأطعمة، حتى لو كانت سامة، على سبيل المثال.
س: هل تعتبر ذلك فخًا؟
ج: بالطبع نعم. ولكنني لم أشغل رأسي بالذنوب كثيرًا. أمريكا وزعت الكثير من الفخاخ للإيقاع بالكتّاب حول العالم.
س: وهل بهدف التكفير عن ذنوبك ذهبت إلى دعم المقاومة اليسارية في إسبانيا، ومساندة الثورة ضد فرانكو وموسوليني وحروب النازية؟
ج: كنت كمن يمشي داخل نفق تملؤه الألغام، وليس ثمة من يقدم له النصائح بأفضلية الانتحار على الاستمرار في متابعة المسير.
س: كم كانت نسبة القلق في دمك آنذاك يا ستيفن سبندر؟
ج: لا أعرف بالضبط، لأن جسدي كان مِحرارًا مكسورًا.
س: مكسورًا بفعل أي شيء يا سبندر؟
ج: ربما بفعل الضوضاء التي تسكن أعماقي. فنادرًا ما أكون وحيدًا دون تلك الضوضاء المتفاعلة مع ثيابي وكتبي وأسطوانات الموسيقى وكتل الذكريات التي عادة ما تستيقظ في الليل.
س: كيف تتفاعل معك ذكرياتك؟
ج: بل قل: كيف أتفاعل أنا معها، لو لم أترك نوارسها تسبح في بحيرة ذهني وتتجلى بالصخب البحري؟
س: متى يتمكن الشاعر من الهرب بعيدًا عن شعره؟
ج: عندما يقيس نفسه بالمسطرة.
س: هل سبق أن تعرفت على نفسك ضائعًا في القصيدة؟
ج: أجل. فكثيرًا ما افتقدت أثرًا لنفسي بين الكلمات، وتحولت بفعل ذلك إلى سراب على صفحة من التيه.
س: وكيف كان طعم التيه ذاك؟
ج: شهيًا. فقد أحسست بأن جسمي تبخر مني كمنطاد بين خطوط الريح.
س: أليس الشعر تبخرًا عاطفيًا خياليًا نبوئيًا، برأي ستيفن سبندر؟
ج: أجل. ففي الشعر نقطة تجتمع فيها كافة مكونات العالم. شيء غريب!
س: ولكن ما من شيء يدعو إلى التفاؤل بفكرة الاندماج بالنقطة، أليس كذلك يا مسيو سبندر؟
ج: إذا كان الاندماج البشري يولد نارًا جنسية تخص الخصب، فإنه في الشعر قد يعني ذوبانًا للجماليات في القصائد التي تجتمع بنقطة الارتكاز تلك.
س: متى رأيت المرأة سبورة؟
ج: عندما كنت إصبع طبشور قبل أن ينكسر ويتبدد كغيمة من الغبار.
س: من رأيت من الشعراء في هذه السموات يا ستيفن سبندر؟
ج: اجتمعت في حفلة مع المتنبي وبول إيلوار وبافاروتي وسيلفيا بلاث. تمتعنا بالكلام والخمر والحزن والأكاذيب من كل نوع. كانت الحانة مليئة بالأسماك واللصوص وقراء الكف وباعة أوراق اليانصيب. مضى الوقت بيننا ناعمًا وطويلًا مثل ذيل طويل لثعلب من ثعالب اللغة.
س: هل شهدت الحفلة مفاجأة ما؟
ج: نعم. فقد قال المتنبي بحق سيلفيا بلاث قصيدة غزلية، حركت الشهوات بجبال ذهب السماء الرابعة. بعد تلك المعلقة حملها على ظهر حصانه، وانطلق دون أن يترك أثرًا أو عنوانًا، فيما غطى بافاروتي انسحاب الاثنين بصوته الأوبرالي العملاق.
س: وماذا فعلت أنت؟ هل ثملت فنمت في الخمارة مع الشياطين؟
ج: تمامًا. فذلك ما حصل بالفعل، عندما أقفل علينا طائر العنقاء باب الخمارة، تاركًا لنا الكثير من أكياس الرماد، لنستعيد خلق مفقوداتنا الاستراتيجية.
س: ولماذا من الرماد تحديدًا؟
ج: لأنه ابن النار التي تفني وتعيد تكوين المخلوقات.










