كتابة حوار: أسعد الجبوري
لم نوفَّق بالعثور عليه في حقول الإسفنج الممتدة على طول ذلك الساحل الرملي المليء بأكوام الحجارة، فقد قيل لنا إنه غادر المكان للرعي بحيوانات الـ”غيسابو” ذات الأجنحة الرباعية، مما شكّل عندنا قلقًا بشأن نجاح مهمة العثور على الشاعر المصري محمد عفيفي مطر لإجراء هذا الحوار.
إلا أن الأمور سرعان ما انقلبت رأسًا على عقب، عندما هبط علينا الشاعر بمظلة، وصار بيننا مع الشاعر صلاح عبد الصبور الذي سلّمنا إياه مخفورًا، وسارع بالهرب من المكان، مخلفًا وراءه كتلة من الغيوم الحمراء.
حاولنا فك قيود عفيفي ونجحنا في ذلك، بعدئذٍ قهقه الشاعر، ثم أخذ بالصراخ وهو يرمي صلاح عبد الصبور بسيل من الكلمات النارية التي تعبر عن مدى الأسى والحرقة والسوء.
وما إن هدأ عفيفي، منهيًا ملاحم غضبه، حتى جلس يحتسي شراب “البوتا” الشبيه بخلطة الليمون مع الصودا. ومن بعد ذلك سألناه:
س: ما الرابط الجامع ما بينك وبين الأرض؟
ج: الرحم. فقد ولدتني أمي ذات يوم بين حلفاء الحقول، عندما جاءها المخاض فجأة هناك، ونزلت من بطنها دون مساعدة من ممرضة أو امرأة من نساء القرية.
س: هل كل ولادة تحمل خوفًا؟
ج: لا خوف لدى نساء الأرياف، لأنهن فلذات التراب الذي عادةً ما يمنح المواليد البروتين والشمس والهواء الطلق.
س: والتأليف، أليس من الفلذات التي يمنحها النيل لتراب مصر؟
ج: أنا مع هذا الرأي. فالنيل ليس ماءً زلالًا وحسب، إنما هو عضلات أرض مصر المسكونة بالأحلام وبالأساطير.
س: ما هي صور الأحلام التي كانت عالقة برأس محمد عفيفي مطر؟
ج: هي المطر بالذات، كأن النيل وحده لا يكفي الشاعر في تربية قصائده، في حياته مهما قصرت أو طالت.
س: أتؤمن بزراعة الشعر على الورق، مثله مثل زراعة القمح في الحقول؟
ج: أشك بذلك، إلا أنني لست سورياليًا لأؤمن بتلك الطريقة. فالشعر عندي زرعٌ في الأنفس، لا في الغيطان أو على جداريات الشوارع.
س: وكيف تُحصد القصائد برأيك؟
ج: حصاد الآهات من صدورنا العارية المشتعلة بحرائق الزمان.
س: من أين تبدأ رحلة الشاعر المصري، كما تعلم؟
ج: من رئاسة تحرير الطين بالتأكيد.
س: أنت تنحو جهة الشعر الزراعي المتحرك بالطاقة الرومانسية، فيما آخرون يتفادون ذلك الاتجاه.
ج: ربما قد يحدث ذلك الانسلاخ للشاعر المصري، فيتغرب عن الرومانسية باعتناق توحش المدارس الشعرية الأخرى، إلا أنه عادةً ما يجني الخسائر، ويصبح من شعراء الفراغ.
س: وهل أقانيم محمد عفيفي مطر في غير ذلك؟
ج: لم أتمكن من الانفكاك عن الأرض أبدًا، ولذلك بقيت ذلك الخيط الواصل ما بين الليل والنهار. أصلي للأديم الذي أشم رائحته بلحمي وعظمي وأفكاري المتساقطة على أسطح القصائد.
س: تساقط الدم على ورق الكتابة؟!!
ج: أجل. لم تخلُ وريقة من أوراق جيلنا إلا وكان عليها للدم صدمةٌ مؤلمة.
س: تعني جيل هزيمة حزيران؟
ج: بالضبط. كنا ننتمي إلى فضاءات الحلم القومي، وفجأة وجدنا أنفسنا حطامًا متناثرًا على رمال سيناء.
س: هل تعتقد بأن تداخل الشعري بالسياسي لا تنجم عنه سوى الأيديولوجيات اللغوية الفاشلة في تصنيع الشعر المنتمي؟
ج: لا أظن ذلك صحيحًا. فداخل الشاعر الكثير من الفلاتر التي قد تمكنه من اصطفاء المفردات وضخها في أعضاء جسم القصيدة، للتخلص من التحلل المباشر بعوالم السياسة ومستنقعاتها وطقوسها اللعينة.
س: هل لأن العوامل السياسية تصبح دافعًا لتكرير الشاعر وتكراره لنفسه؟
ج: ربما، ولكن ثمة من ينجو من ذلك التكرار بخصام التسطيح والمباشرة.
س: أكنت من هؤلاء الذين وضعوا حائطًا ما بين شعرهم وبين الشعبوية القاتلة للشعر؟
ج: إلى حد ما نعم، ومع ذلك يمكنني القول بأن الشعر في مصر لم يكتشف نفسه بعد.
س: تقصد أنه شبيه بمومياء فريدة، لم يتم الاستهداء إلى اكتشافها في باطن أرض الفراعنة؟
ج: أجل. لم يكتشف الشعراء المصريون الجانب الأسطوري من اللغة الشعرية المحروسة بالسحر والأبطال المجهولين.
س: أنت عششت مستغرقًا بالفلسفة وبالفلاسفة، فمن كان له الأثر الكبير في تكوينك الأدبي؟
ج: لم يكن لواحد منهم ذلك التأثير. أنا وضعت الجميع في بوتقة شمولية، وأخذت الرحيق منهم بالقطارة لبناء قصائدي كي تدوم كلماتها تحت الشمس، ولو بقليل من النور.
س: متى يمتزج اللغوي بالكيميائي برأي محمد عفيفي مطر؟
ج: يحدث ذلك حينما تنشط في الرأس غريزة التخيل.
س: هل تعتبر المخيلة بمثابة العمود الفقري للشعر؟
ج: ليس بشكل كامل.
س: لماذا؟
ج: كنت أعتبر المخيلة عنصرًا خيانيًا للوجود الشعري ولموجودات اللغة القاموسية، بحكم قدرتها على إبعاد الواقع ومسخ الوقائع الحيوية على الأرض، واستبدال كل الأشياء بتصاوير القواميس المستحدثة من لغة الخيال.
س: كيف تبرر خوفك من المخيلة؟ هل لأنها تفك ارتباطك بالتراب الذي ولدت ذات يوم عليه؟
ج: بالضبط. لا أريد أن ينتزعني شيء من هناك.
س: حتى الموت؟
ج: لا. الموت هو الشيء الوحيد الذي عزز ارتباطي بالأرض، لأنه من أحالني إلى طين، ولأكون من بعد ذلك على هيئة (قنبرة الغيط) لأصل إلى هذه السموات.
س: كيف اجتمعت مع الموت؟
ج: جاءني الموت مقنعًا بمومياء مزينة بأشعة اجتمعت فيها ألوان قوس قزح، وفتح على نفسه وضمني حتى تبخرت، ونز من جسدي حبر التكوين الصوفي.
س: هل يعتقد الشاعر محمد عفيفي مطر بمكونات التصوف في جسد الشعر الذي كتبه هو بالذات؟
ج: أظن أنني دخلت ذات يوم في مجرى التصوف دون قصد، وربما حظي بعض شعري بذلك النوع الروحاني داخل اللغة التي كنت أكتبها.
س: تعني إنك كتبت قصائد تحت أجنحة الأبوة الشعرية؟
ج: أعترف بذلك، على الرغم من أنني وقفت بالضد من الأبوة الشعرية، ولكن في مجال التصوف فلا بد أن تقفز الأرواح السياج لترتاح في طقوس العوالم الإلهية الفسيحة.
س: ما نسبة الدمع في مكونات شعرك؟
ج: تقارب نسبة النيل في جسم مصر.
س: وأين وقف النهار منك، على سطور القصائد أم في ممرات الأوردة والشرايين؟
ج: لم ينقشع النهار عني وعن جسدي إلا بمساحات قليلة جدًا. كنت أعتبر النهار سيدًا، والليل مكرمة ربانية لي كشاعر.
س: هل تعتبره ثروة لغوية؟
ج: الليل لغة تفوق حجم كل لغات التاريخ. هكذا كنت أعتقد، مثلما أنا الآن.
س: ما الشيء القادر على تخليص الشاعر من عذاباته، برأيك، كمعذب؟
ج: أنا تعذبت بسبب الحرية منذ ولدت في قرية “رملة الأنجب” في المنوفية، عندما تخيلتها عشيقة لا يمكن التفريط بحبها، ولو كان الأمر تحت ظلال السيوف أو البنادق أو وراء قضبان السجون. وقد دفعت ثمن ذلك التناغم الغرامي مع تلك الحرية، تلك العنقاء.
س: مع أي عنصر من عناصر الوجود كنت ترى الحرية، هل مع الماء أم النار أم التراب أم الهواء؟
ج: مع قلبي مذ يوم منحته لأطفال القرية كرةً للعب به بين الحقول. ومع أنني غادرت الحياة قبل رؤية الثورة المسروقة، أصبحت أطيل النظر إلى الأرض من نافذتي السماوية، وأشتعل بالحسرات.
س: أكنت مؤمنًا بالتقمص يا محمد عفيفي مطر؟
ج: إلى حد ما نعم. لقد رغبت أن يتقمصني أبو الهول بعد موتي، لأكتب معلقة الطين المصري، وها أنا أنتظر وصوله إلى السموات لنخطط للشعر وكيف ينهض بشعوب الأهرامات وأحجارها، فتكون دعائم تسند أضلع ميثولوجيا الحرية المصرية.
س: هل ما تزال معارضًا سماويًا كما كنت على الأرض في قديم الزمان؟
ج: أنا حملت معي قيودي من القبر إلى الله. فهنا لا أحد يهمش أحدًا، حتى إنك تجد الرئيس أنور السادات يجلس تحت شجرة “التونيا” مع كلب ضخم، وهو يقرأ على جموع من العابرين أفكارًا من كتاب صدر له عن ناشر مطابع جهنم، متحدثًا عن رماد كامب ديفيد وجمرة الذات الخبيثة.
س: أنت رفعت قبضتك بالضد من سياسة السادات في مصر، ولجأت إلى ديكتاتورية صدام في العراق. كيف نفهم تلك البوصلة لشاعر حداثوي ثوري رافضي؟
ج: لقد أسأت التقدير، عندما هربت من ترعة السادات، لأقع في بحر دماء الحروب التي خاضها نظام المقابر الجماعية. أجل. هكذا تبادلت الأدوار من قبضة الريس المؤمن في مصر، لأقع نهشًا لطلقات المدفع العملاق.
س: يُؤخذ عليك ممارسة مهنة كتابة التقارير الأمنية للوشاية بالكتّاب والأدباء العراقيين عند أهل السلطة، خاصة بعد أن أطلقت مقولتك الشهيرة عن شرف «مسمار حذاء صدام حسين» الذي يعلو الرؤوس. ما ردك؟
ج: أنا أول من تلقى رأسه ذلك المسمار، في وقت لم يكن للمواطن في العراق من خيار سوى الانضمام إلى حروب النظام المختلفة، أو مواجهة السحق حتى العظم. لذا أعتذر من العراقيين عن مقولتي الوقحة تلك.
س: كيف رأيت الدين على الأرض هناك؟
ج: ما لا يراه المؤمن الحق.
س: وكيف كان ذلك يا محمد عفيفي مطر؟
ج: حينما رأيت كتاب الله مكبلًا بتفاسير جائرة، وشرائع لا تُقاس بمنطق، وفتاوى بمعانٍ أبعد ما تكون عن الصواب.
س: وما المدى الذي بلغته تجربتك الشعرية وفقًا لرؤيتك؟
ج: لقد جمعت مختلف الأدوات في قصيدتي الدراماتيكية لمحاكاة الخلق والخليقة، وأظن بأنها كانت تجربة أفقية المعمار، عمودية السرد الروحي، المتصل فلسفيًا مع التاريخ.
س: هل كنت تخاف قصيدة النثر؟
ج: كان الوجع أجمل بالوزن والقافية. هذا كل ما يمكنني التعبير عنه.
س: ألا تعتقد بأن الشعر رفيق المغامرة أكثر من الاهتمام بالزراعة وتربية النحل والحمام، على سبيل المثال؟
ج: وأيضًا هو شقيق العمود الكلاسيكي وزنًا وقافية، دون تردد أو مواربة. أنا تعلمت الطمأنينة بالشعر الطفولي من أمي، وليس من المدارس الشعرية.
س: وما هي الطفولة بنظرك؟
ج: هي سيرة طير يتزحلق على لسان النيل ببراعة ودون خوف.
س: هل كنت في القصيدة صوتك الداخلي وحده في «الجوع والقمر» و«كتاب الأرض والدم»، زمانًا ومكانًا؟
ج: أجل. بالإضافة إلى أصوات الحقول والكتب والمقابر والقطارات والدم والعشاق والأسلحة التي تسببت بمقتلنا على دفعات من الزمن العربي.
س: هل اجتمعت هنا بأرملتك السيدة نفيسة قنديل، التي قُتلت وسط بيتها في قريتك “رملة الأنجب” وحيدةً على يد اللصوص؟
ج: لم تصل إلى السماء بعد، ربما بسبب ربط القتلة لقدميها.
س: وهل يصعد الموتى إلى السموات مشيًا كما ترى؟
ج: أجل. فالقتلى يصعدون إلى الرب مشيًا، لثقل أرواحهم بالدم والصبر والنحيب، وأخلاق قرى الصعيد تسوست بشراسة الذئاب.
س: هل تنتظر هنا أحدًا؟
ج: أجل. أنتظر الشاعر عبد المعطي حجازي لتكريمه بجائزة “طوق الحديد”، قبل أن يخطفه منا، ويتنعم به في جهنم، وبئس المصير.










