نور الهدى سعودي
أغمض إدغار موران عينيه بأبدية في باريس، مساء التاسع والعشرين من مايو، فانطوت معه صفحة من ذلك القرن الذي عبره شاهدا وناجيا ومصغيا إلى تصدعاته الكبرى، قرن دخل جسده كما فكره، وترك في نبرته شيئا من رماد الحروب، ومن حيرة المذاهب، ومن انكسار الوعود التي رفعت الإنسان إلى سماء الخلاص ثم أعادته إلى تراب الأسئلة الأولى. بلغ مئة وأربعة أعوام، رقم يبدو في الظاهر امتدادا بيولوجيا نادرا، وفي سيرته أقرب إلى مقام طويل من مقامات العيش، أعوام حياها بطبقات من تجربة ملهمة، وعاشها كما يعيش المفكر امتحان الزمن في الجسد والذاكرة والمعرفة.
ولد إدغار ناهوم في باريس سنة 1921، من أسرة يهودية سفاردية ذات جذور سالونيكية، فكان اسمه الأول محمولا على ذاكرة متوسطية تتقاطع فيها المرافئ مع اللغات والهجرات مع القرابات البعيدة. وفي تلك البداية ما يضيء جانبا من حسه اللاحق بالتعدد؛ فالهويات العابرة للبحار تمنح صاحبها، شعورا بأن الإنسان أوسع من موطنه الأول، وأن كل أصل يحمل داخله ظلال التجذر. ثم فقد أمه في العاشرة، فاستقر الغياب في أعماقه كطبقة راسخة، وستعود هذه الطبقة، بعد سنوات طويلة، في انشغاله بالموت والطقوس والأساطير، كأن الطفل الذي خبر الفقد مبكرا صار يقرأ، بلغة الباحث، ما تفعله الجماعات كي تمنح الفناء هيئة قابلة للحكي.
الحرب العالمية الثانية دخلت حياته من جهة الجسد والخوف والاسم، حيث التحق بالمقاومة ضد الاحتلال النازي، واتخذ اسم موران في السرية، ثم خرج الاسم من عتمته الأولى حاملا معنى الولادة الثانية. هذه المحطة يمكن أن تقرأ بوصفها تجربة وجودية أكثر من كونها واقعة سياسية في سجل طويل؛ ففي الأزمنة القاسية يختبر الإنسان هشاشته على نحو مباشر، ويصير الاسم، والحركة، والصمت، والاختيار، عناصر في امتحان داخلي عميق. ومن ذلك الامتحان بدا أن موران احتفظ بحساسية تجاه العنف المنظم، وتجاه المعرفة التي تنسى وجه الإنسان، وتجاه كل بنية كبرى قادرة على تحويل الكائن الفرد إلى رقم داخل نظام بارد.
وفي ما بعد، مر بالتجربة الشيوعية كما مر بها كثير من أبناء جيله الذين رأوا في الأفق الجماعي جوابا ممكنا على خراب الفاشية، ثم حملته التجربة ذاتها إلى المراجعة، وإلى ذلك الموضع الدقيق الذي يكتشف فيه الفكر حاجته إلى مسافة من حماسته الأولى. الحديث عن هذه المرحلة يحتاج إلى حذر، لأن المقال التأبيني يضيء الأثر دون أن يحاكم المسار؛ يكفي القول إن موران خرج من القرن وفي داخله حس خاص بقابلية الأفكار للانغلاق على أصحابها، وبما تمنحه المراجعة من خفة ضرورية للعقل كي يستعيد قدرته على السؤال.
شهد عام 1950 دخوله المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، ومن هناك اتخذ مساره هيئة باحث كثير العبور والبينية، يمشي بين علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والسينما والثقافة الموسعة والتربية والبيئة، كأنه يقترب في كل مرة من الوجه نفسه عبر مداخل مختلفة: الإنسان بوصفه كائنا مركبا، له جسد وذاكرة ومخيلة ورغبة في النظام وخوف من الفوضى، وله قدرة عجيبة على صناعة الرموز ثم الإقامة داخلها. ومن بعيد، تبدو كتبه مسالك متجاورة في أرض واحدة، تبدأ من اليومي والشائعة والصورة والطقس، وتصل إلى سؤال المعرفة في علاقتها بعالم يفيض عن خرائطه.
يكفي، في مقام كهذا، استحضار كتابين يفتحان قوسا واسعا حول تجربته: “الإنسان والموت”، حيث يقترب من الفناء بوصفه عتبة ثقافية وروحية، و“المنهج”، ذلك العمل الممتد في ستة أجزاء، حيث تتبلور فكرة الفكر المركب. وخارج القاموس الأكاديمي، يمكن النظر إلى هذا الفكر كطريقة في الإصغاء إلى العلاقات الخفية بين الأشياء، وإلى ما يتسرب من بين الفواصل التي تضعها التخصصات، بحيث يصير الحدث أكبر من ظاهره، والإنسان أكثر اتساعا من تعريفه، و تصيرالمعرفة أقل قدرة على الادعاء كلما اقتربت من كثافة الواقع.
من هنا تبدو راهنية موران آتية من زمننا نفسه. عالم اليوم يعيش تشابكا يكاد يجعل كل حادثة صغيرة منفذا إلى شبكة أوسع؛ وباء يفتح أسئلة الجسد والشك والخوف، حرب توقظ الذاكرة وسؤال الحدود، تقنية تفتح أفق قدرة هائلة وتترك سؤال الغاية معلقا، وبيئة تجعل الأرض حساسية مشتركة يتردد ألمها في كل مكان. لذلك يحضر فكره، في لحظة رحيله، كإشارة إلى حاجة العقل المعاصر إلى التروي، وإلى عين ترى الصلات الدقيقة دون أن تتعجل امتلاك معنى وحيد.
ومع اليونسكو، في “المعارف السبعة الضرورية لتربية المستقبل”، اتخذ ادغار في هذا الانشغال وجها تربويا أكثر صفاء. هذه المرحلة ارتبطت بتكوين إنسان يعرف قابلية معرفته للخطأ، ويتدرب على احتمال المجهول، وينظر إلى الأرض كأفق مشترك، ويمنح التعليم معنى أوسع من جمع المعلومات. في هذا النص، يظهر موران قريبا من شيخ خبر القرن بما يكفي كي يتحدث بحكمة واعية عن هشاشة المعرفة وعن ضرورة إعداد الحس لرؤية العلاقات، حيث تصبح التربية فنا في تعلّم الإقامة المؤقتة داخل عالم معقد دون خسارة الرقة.
في أعوامه الأخيرة ظل حاضرا في قضايا عصره، الذكاء الاصطناعي، الحروب الجديدة، وتغير المناخ وغيرها، بنبرة بعيدة عن ضجيج النبوءة وعن يقين الخلاص. كان أقرب إلى شاهد يضيف هوامش متأخرة على كتاب مفتوح اسمه العالم، شاهد يعرف أن الزمن الذي عاشه لم ينته حقا، لأن القرن العشرين سيواصل الظهور داخل أزمات القرن الجديد بأقنعة مختلفة، ولأن الإنسان، مهما بدت أدواته أكثر تقدما، يبقى مشدودا إلى أسئلته القديمة حول الخوف والمعنى والمصير.
لم يكن موران مفكرا يقيم في صرامة المفهوم والمعرفة وحدها؛ كان في داخله رجلا محبا للحياة عرف أن الفكر، إذا جف عن الموسيقى والسينما والشارع والأدب، فقد صلته بما يجعله إنسانيا. قرأ، وسمع الموسيقى، وذهب إلى السينما، ووجد في بيتهوفن ودوستويفسكي والفنون الأولى ما يفتح في المعرفة منفذا إلى الرجفة الداخلية للكائن، ثم ظل، حتى شيخوخته، قريبا من نبض الأزمنة الحية؛ من أغاني الشباب إلى تظاهرات الغضب، من أسئلة التربية إلى قلق الأرض، فالعيش عنده لم يكن إقامة في الكتب فحسب، وإنما انفتاحا دائما على ما تصنعه الحياة في الناس حين يغنون، ويحبون، ويغضبون، ويحاولون، وسط عتمة التاريخ، أن يبتكروا لأنفسهم معنى قابلا للمشاركة والمعايشة.
رحيل إدغار موران وراءه أثرا يصعب القبض عليه من جهة واحدة؛ أثر رجل مر من الفقد إلى السؤال، ومن الانتماء إلى المراجعة، ومن البحث إلى بعد النظر.. حتى صار عمره الطويل شبيها بمصباح منخفض موضوع عند حافة الطريق، يضيء دون أن يدعي قيادة العابرين. وفي هذا الضوء الخافت شيء أعمق من الخلاصة وأكثر رهافة من الحكمة المعلنة؛ أن العالم، وهو يزداد تركيبا، يحتاج إلى عقول تؤمن بالروابط، و للغة تلامس الهشاشة دون أن تعلو عليها، و معرفة تحفظ للحيرة مقامها داخل الفهم.
قرن من الحياة، قرن من العيش؛ في الحياة مدة تسجلها الوثائق، وفي العيش أثر يتكاثف في النظرة واللغة والإنصات.هكذا لا ينتهي موران عند رقم المئة والأربعة، فالحياة التي امتدت في الجسد تنسحب الآن إلى أثرها، والعيش الذي راكمته التجربة يبقى في ذلك الاحتمال الممكن بين فكرة ونقيضها، كتاب وذاكرة، في مرافقة العالم وهو يبحث، وسط عتماته المتراكبة، عن معنى أوسع من قدرته على التسمية.











