“يوميات صيدلانية”.. وثيقة في حب مصر والمصريين

كريمة الحفناوي

أسامة كمال أبو زيد

أهم ما في كتاب «مشوار الحياة.. يوميات صيدلانية» للدكتورة كريمة الحفناوي، أنه ليس مجرد استدعاء لأحداث مضت، ولا محاولة لتسجيل الوقائع كما جرت، بقدر ما هو رحلة إلى الداخل. استعانت فيها الكاتبة بالذاكرة لتعيد تشكيل ما عاشته من لحظات، وما مرت به من تجارب، وما تركته الأيام  من أثر فى روحها، فغدت حياتها الخاصة مرآة لزمن كامل، وصارت تجربتها الفردية تجربة إنسانية عامة لا تخصها وحدها. فالكتاب لا يقدم سيرة امرأة جمعت بين الصيدلة والمسرح والسياسة والعمل العام، بقدر ما يقدم صورة لجيل آمن بأن المعرفة لا قيمة لها إذا ظلت رهينة الكتب، وأن الفن يفقد معناه إذا ابتعد عن الناس، وأن السياسة لا تكون شريفة إلا حين تنحاز إلى الإنسان. ولهذا تبدو صفحات الكتاب أقرب إلى مرآة واسعة ينعكس عليها وجه مصر في عقود شهدت تحولات طفرية وحادة، رصدتها الكاتبة من خلال تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تصنع في مجموعها تاريخا يفوق قيمة التاريخ الذي سجلته الوثائق الرسمية، لأن الكاتبة لم تكتب عن حياتها بقدر ما كتبت عن حياة الذين مروا بها، ولا تتوقف عند محطات نجاحها أو إخفاقها، بل تمنح البطولة للناس البسطاء الذين شاركوها الرحلة، وتركوا في وجدانها ما لم تستطع السنوات أن تمحوه. وفي هذا النوع من الكتابة الإنسانية الحميمية يلتقي المؤلف والراوي والبطل في شخص واحد، فلا يعود هناك فاصل بين من عاش الحكاية ومن يرويها.

في بداية المشوار تعرفنا على طفلة تنقب عن الدهشة، ترنو وتفتش في كل ما يدور حولها، تنصت إلى الأغنيات وتحفظ كلماتها، وتنجذب بالغريزة إلى الإذاعة والمسرح، وكأن الفن وجد طريقه إليها قبل أن تبحث هي عنه. كان جزءا من تكوينها المبكر، وطريقتها الأجمل لفهم العالم والتعبير عنه.

وفي سنوات الدراسة الأولى بدأت هذه الموهبة تكشف عن نفسها. وقفت أمام ميكروفون الإذاعة وهي لا تزال تلميذة، ثم شاركت في أواخر عام ١٩٦٩ بالغناء في تتر البداية والنهاية لبرنامج «ماذا لو» بإذاعة الشعب، من إخراج محمد سمير حسني. وبعدها بعام واحد قامت ببطولة المسلسل الإذاعي «صندوق الدنيا»، من تأليف الشاعر سمير عبد الباقي، وألحان وغناء عدلي فخري، وإخراج محمد سمير حسني، ليذاع طوال شهر أبريل. كانت خطوات صغيرة في ظاهرها، لكنها كانت تؤكد أن الفن لم يكن ضيفا على حياتها، بل أحد ملامحها الأصيلة.

غير أن طفولتها لم تكن كلها مقصورة على الشغف بضوء الفن. فقد احتفظت الذاكرة بمشهد قاس ظل يرافقها سنوات طويلة. سقطت والدتها من أعلى «الصندرة» أثناء نزولها على سلم خشبي، وأصيبت إصابة بالغة في الرأس، بينما وقفت الطفلة تتابع الدماء وهي تنساب أمام عينيها، عاجزة عن فعل أي شيء. ومن تلك اللحظة بزغ داخلها حلم لم يفارقها؛ أن تصبح قادرة على مداواة الألم، وأن يكون لها دور في إنقاذ الآخرين من الوجع الذي عجزت يومها عن مواجهته.

لذلك جاء اختيارها لكلية الصيدلة. لم يكن قرارا فرضته درجات الثانوية العامة، ولا بحثا عن مهنة مستقرة، وإنما كان امتدادا طبيعيا لذلك الإحساس المبكر بالمسؤولية تجاه الإنسان. كانت ترى في الدواء أكثر من علاج للمرض، وترى في المهنة رسالة تقودها إلى الناس، لا وظيفة تمنحها مكانة اجتماعية.

وقبل أن تبدأ الدراسة الجامعية بأيام قليلة، كانت الحياة تفتح أمامها بابا آخر. ففي السادس من أكتوبر عام ١٩٧١ تزوجت من الإعلامي والمخرج محمد سمير حسني، الذي جمعتهما محبة الفن والإيمان بأن الثقافة قادرة على أن تصنع وعيا جديدا. لم تكن تلك الشراكة مجرد حياة زوجية، بل كانت رفقة عمر في المسرح والإبداع والعمل العام، رحلة أثمرت أسرة صغيرة ظلت حاضرة في معظم صفحات الكتاب، كأن الطريقين، طريق الفن وطريق الحياة، قد التقيا منذ البداية ليكملا بعضهما بعضا.

ولم يكن دخول كريمة الحفناوي إلى الجامعة مجرد انتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى، بل كان عبورا إلى زمن يموج بالأسئلة الكبرى. كانت مصر لا تزال تحمل آثار هزيمة يونيو ١٩٦٧، بينما كان جيل كامل يبحث عن طريق يسترد به كرامة الوطن، ويعيد للإنسان ثقته في قدرته على التغيير. وسط هذه الأجواء، لم تكن الجامعة مكانا لتلقي العلوم وحدها، بل كانت مدرسة مفتوحة لتكوين الوعي، تتجاور فيها قاعات المحاضرات مع ساحات الحوار، وتصبح الممرات، وصحافة الجامعة، والندوات، جزءا من المنهج الذي يصنع شخصية الطالب.

كانت السياسة تمر من صفحات الجرائد إلى النقاش اليومي بين الطلاب. هناك تعلمت الحفناوي أن الفكرة لا تولد مكتملة، وإنما تنضج بالحوار، وأن الدفاع عن الرأي لا يقل أهمية عن امتلاك الرأي نفسه. كتبت في صحافة الجامعة، وشاركت في الندوات والأنشطة الطلابية، وانضمت إلى جمعية أنصار الثورة الفلسطينية، ثم إلى نادي الفكر الاشتراكي، حيث كان الشباب يحاولون أن يفهموا ما يجري حولهم، وأن يبحثوا عن مستقبل أكثر عدلا وكرامة.

وجاء يناير ١٩٧٢ ليضع هذا الجيل أمام أول اختبار حقيقي. شاركت كريمة الحفناوي في اعتصام الطلبة بقاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة، حين خرج الطلاب يطالبون بتحرير الأرض، والدفاع عن الحريات، والانحياز إلى مصالح الناس. لم تكن تلك المطالب منفصلة عن هموم المجتمع، بل كانت امتدادا لها، ولهذا التقى صوت الطلاب بصوت العمال والفلاحين، واختلط الحلم الوطني بالحلم الاجتماعي، حتى أصبحت العبارة التي ظلت عالقة في الذاكرة: «كل التفاني للوطن، وكل الديمقراطية للشعب»، عنوانا لمرحلة كاملة.

ولم يطل الوقت حتى دفعت ثمن هذا الانحياز. ألقي القبض عليها خلال الأحداث، وعاشت تجربة الاعتقال، متنقلة بين مديرية أمن الجيزة وسجن القناطر، لتفقد عاما دراسيا كاملا، وتضطر إلى إعادة الدراسة من جديد. غير أن السجن، كما ترويه في مذكراتها، لم ينجح في كسر يقينها، بل زادها إيمانا بأن الحرية ليست شعارا يردد، وإنما مسؤولية يتحملها من يؤمن بها، مهما كانت العواقب.

ومن أكثر الصفحات إنسانية في تلك المرحلة حديثها عن مجموعة «أهالي المعتقلين». لم تكن تنظيما سياسيا بقدر ما كانت شبكة من المحبة والتضامن. كانت تتولى التواصل بين المعتقلين وأسرهم، وتنظم الزيارات، وتجمع الملابس والكتب والأدوية، وتتابع القضايا مع المحامين، حتى لا يشعر من وراء الأسوار أنه ترك وحيدا. وفي هذه التجربة اكتشفت أن النضال الحقيقي لا تصنعه الهتافات وحدها، وإنما تصنعه أيضا الأيدي التي تمتد في صمت لتساند الآخرين وقت الشدة.

ثم جاءت أحداث يناير ١٩٧٧ لتضيف امتحانا جديدا. صدر قرار بفصلها من كلية الصيدلة، استنادا إلى تحريات اتهمتها بقيادة المظاهرات، لكن القرار لم يكن نهاية الطريق. لجأت إلى القضاء، الذي أنصفها وأوقف تنفيذ قرار الفصل، فعادت إلى مقاعد الدراسة، مؤمنة بأن الإيمان بالحق لا يكتمل إلا بالصبر عليه، وأن الطريق قد يطول، لكنه لا يغلق أبوابه أمام من يملك إرادة مواصلة السير.

وحين تخرجت في كلية الصيدلة، لم تكن تحمل شهادة جامعية فحسب، بل كانت تحمل رؤية كاملة للحياة. كانت قد أدركت أن العلم لا ينفصل عن المجتمع، وأن الثقافة ليست ترفا، وأن الانحياز للإنسان قيمة واحدة تتعدد صورها، لكنها لا تتغير. تلك القناعة سترافقها بعد ذلك في المسرح، وفي الصيدلية، وفي العمل العام، وستصبح الخيط الذي يجمع بين كل محطات رحلتها.

ورغم انشغالها بالدراسة والعمل السياسي، ظل الفن يسكنها، كأن المسرح كان دائما نافذتها الأخرى على الحياة. ففي أواخر صيف عام ١٩٧٣ اجتمع عدد من الفنانين والأصدقاء لتأسيس «جماعة الدراما» بالتعاون مع المركز الثقافي السوفيتي، إيمانا منهم بأن الفن قادر على أن يقول ما تعجز عنه الخطب والشعارات.

وجاء ارتباطها بالمسرح طبيعيا، كما جاء ارتباطها بالصيدلة والسياسة. لم تكن هذه العوالم متنافرة في نظرها، بل كانت تتكامل داخل رؤية واحدة، ترى أن خدمة الإنسان يمكن أن تتم بجرعة دواء، أو بمشهد مسرحي، أو بكلمة صادقة تدفع الناس إلى التفكير.

وفي فرقة بني سويف المسرحية التابعة للثقافة الجماهيرية، وجدت هذه الرؤية طريقها إلى الواقع. هناك شاركت في عدد من العروض التي أخرجها زوجها الراحل محمد سمير حسني، وقدمت نصوصا لعدد من أبرز الكتاب، منهم مجدي الجلاد، ومحفوظ عبد الرحمن، والدكتور عبد العزيز حمودة، في تجربة لم يكن هدفها تحقيق النجاح الفني وحده، بل الوصول إلى الناس في المدن والقرى، حيث يصبح المسرح فعلا ثقافيا يحمل رسالة قبل أن يقدم عرضا.

كانت تؤمن بأن المقاومة لا تكون دائما على خطوط النار. ففي الوقت الذي يحمل فيه الجندي سلاحه دفاعا عن حدود الوطن، يحمل الفنان كلمته دفاعا عن وعي الوطن. ومن هذا الإيمان أطلقت على مجموعتها المسرحية اسم «كتيبة المقاتلين في مسرح الثقافة الجماهيرية»، في تعبير يكشف كيف كانت تنظر إلى الفن؛ رسالة جماعية يشارك في حملها الكاتب، والمخرج، والممثل، والراقص، والناقد، وكل من يؤمن بأن الثقافة قادرة على تغيير الإنسان.

ولذلك لم يكن غريبا أن يعمل معظم أفراد هذه التجربة بإخلاص يفوق ما تمنحه لهم الظروف المادية. كانوا يدركون أن ما يقدمونه لا يقاس بالأجر، بل بالأثر الذي يتركه العرض في نفوس جمهوره، وبقدرته على فتح نافذة جديدة أمام عقل شاب، أو إشعال سؤال في قلب مشاهد، أو كسر فكرة متطرفة قبل أن تتحول إلى يقين.

وحين يسدل الستار على كل عرض، كانت تعرف أن عرضا آخر ينتظرها في صباح اليوم التالي. ليس فوق خشبة المسرح، وإنما في قرية مصرية صغيرة، حيث ستكتشف أن الحياة نفسها تكتب أجمل النصوص، وأن الريف الذي ذهبت إليه صيدلانية سيمنحها من الحكايات ما يكفي لتكتب سيرة وطن بأكمله.

وفي عام ١٩٧٨ بدأت الرحلة التي لم تكن تعرف أنها ستغير حياتها كلها. حملت شهادتها، ومضت إلى قرى لم تكن تعرف عنها إلا أسماءها؛ زيدين، ثم مزغونة، ثم برنشت، حيث امتدت إقامتها حتى عام ٢٠١٢. أربعة وثلاثون عاما كاملة، لم تكن مجرد سنوات عمل في وظيفة حكومية، وإنما عمر آخر عاشته بين الناس، حتى كادت الحدود تختفي بين الصيدلانية وأهل القرية.

في البداية كانت تحمل الدواء، ثم اكتشفت أن الدواء وحده لا يكفي. كان المرضى يأتون إليها وهم يحملون أمراضا لا توجد لها وصفات في كتب الطب؛ امرأة أنهكها الفقر، وأم أنهكتها الخسارات، وشاب أرهقته الغربة، وفلاح يخشى على أرضه كما يخشى على أبنائه. كانت تصغي إلى همومهم قبل أن تصرف دواءهم، حتى أصبحت الصيدلية مكانا يودع فيه الناس شيئا من همومهم، قبل أن يغادروها بما يحتاجونه من علاج.

شيئا فشيئا تبدلت العلاقة. لم تعد «الصيدلانية» الغريبة القادمة من المدينة، بل صارت واحدة من أبناء المكان. تشاركهم أفراحهم، وتحزن لأحزانهم، وتنتظر أخبار الغائبين كما ينتظرها أهلهم. كانوا يدخلون عليها بلا حواجز، يحكون ما لا يقال إلا لقريب، ويطلبون رأيها في أمور تجاوزت المرض والدواء، لأنها أصبحت بالنسبة إليهم صديقة، وأختا، وأحيانا أما، بقدر ما كانت صيدلانية.

وخلال هذه السنوات الطويلة، كانت ترى الريف المصري يتغير أمام عينيها. رصدت هجرة الشباب بحثا عن الرزق، ورأت كيف حملت النساء أعباء الأسرة في غياب الأزواج، وكيف ظلت القرى، رغم قسوة الظروف، متمسكة بما بقي فيها من دفء وتكافل وإنسانية. كانت تتابع التحولات الاقتصادية والاجتماعية من داخل البيوت، لا من وراء الأرقام والإحصاءات، ولذلك جاءت شهادتها أقرب إلى نبض الحياة منها إلى لغة التقارير.

لم تكن تنظر إلى الناس من عل، ولا باعتبارهم موضوعا للكتابة. كانت واحدة منهم، ولهذا خرجت الحكايات صادقة، بلا ادعاء، وبلا رغبة في تجميل الواقع أو إدانته. تركت الحياة تتحدث بنفسها، وتركت الإنسان البسيط يقول كلمته كما هي، بكل ما فيها من ألم، وسخرية، وحكمة فطرية.

وفي صيف عام ١٩٧٩، حين استأجرت صيدلية الأمل الجديدة في مزغونة، لم تكن الرحلة إلى العمل سهلة. كانت المسافة الطويلة بين بولاق الدكرور والقرية تبدأ بأتوبيس، ثم سيارة «بيجو» تحمل الركاب إلى الريف، بينما تحمل هي كراتين الدواء فوق كتفيها، بعد أن تحصل عليها من فرع الشركة المصرية للأدوية في جاردن سيتي. رحلة شاقة تتكرر يوما بعد يوم، في الحر والبرد والمطر، لكنها لم تسمع منها شكوى، لأن ما كانت تراه في عيون المرضى عند الوصول كان يهون كل مشقة الطريق.

ولأن الخير كثيرا ما يأتي من حيث لا ننتظر، جاءها الفرج على يد صديق اقترح عليها وعلى زوجها الراحل محمد سمير حسني الذهاب إلى مزاد للسيارات المصادرة. وهناك اشتريا سيارة يابانية صغيرة من طراز «داتسون ١٠٠» بثمن لم يكن يتجاوز ألفا وخمسمائة جنيه. لم تكن السيارة بالنسبة إليها مجرد وسيلة انتقال، بل كانت استردادا لكرامة يومية، ونهاية لسنوات من حمل صناديق الدواء على الأكتاف. تعلم زوجها القيادة، ثم شجعها هي أيضا حتى حصلت على رخصة القيادة في أوائل عام ١٩٨٢، وظلت تستعيد تلك اللحظة بابتسامتها المعهودة، وكأنها ما زالت تنتظر من يطلق زغرودة احتفالا بهذا الإنجاز الصغير، الذي كان، في الحقيقة، بداية لحرية أكبر.

وفي الريف، كانت تكتشف كل يوم أن الأحكام المسبقة يمكن أن تنهار أمام حسن المعاملة. لم يكن اسمها المختصر المكتوب على أغلفة الدواء يكشف إن كانت مسلمة أم مسيحية، كما أن اسم زوجها لم يكن يدل على ديانته هو الآخر. ومع تصاعد الاحتقان الطائفي في أواخر السبعينيات، انشغل بعض أهل القرية بهذا السؤال أكثر مما انشغلوا بالصيدلية نفسها.

لكن الإجابة لم تأت من بطاقة شخصية، ولا من شهادة ميلاد، بل جاءت من السلوك اليومي. وجد الناس صيدلية تحترم تسعيرة الدواء، ولا تبالغ في الربح، وتتعامل مع الجميع بالقدر نفسه من الاحترام. ومع مرور الأيام أصبحت الثقة أقوى من الشائعات، وصار الانتماء الحقيقي يقاس بالأمانة، لا باللافتات التي يرفعها الناس عن أنفسهم.

وحين حاول البعض إلصاق تهمة «الشيوعية» بها، ظنا أن الكلمة وحدها تكفي لإثارة الخوف، كانت المفارقة أن أهل القرية أنفسهم هم الذين دافعوا عنها. لم يحتج أحد إلى مناظرات سياسية، بل كانت شهادتهم أبسط وأبلغ: «هذه سيدة محترمة، صاحبة ضمير، لم نر منها إلا الخير». وهكذا انتصرت المعاملة الحسنة على الاتهامات، وانتصر الإنسان على الصورة الجاهزة التي أراد الآخرون رسمها له.

لم تكن الصيدلية في تلك السنوات مكانا لصرف الدواء فحسب، بل نافذة واسعة تطل منها كريمة الحفناوي على حياة كاملة. كانت القرية تدخل إليها كل صباح، لا بأمراضها فقط، وإنما بأسرارها، ومخاوفها، وأحلامها الصغيرة، وحكاياتها التي لا تجد طريقها إلى الصحف ولا إلى كتب التاريخ.

من خلف منضدة خشبية بسيطة، رأت أمهات يحملن أبناءهن المحمومين بين أذرعهن، لا يملكن سوى الدعاء، وأطفالا يرحلون بعد أيام قليلة من الميلاد، لأن مصل التيتانوس لم يصل في الوقت المناسب، أو لأن سيارة الإسعاف تأخرت، أو لأن الفقر كان أسرع من العلاج. وكانت كلمة «مات» تتكرر على مسامعها حتى كادت تتحول إلى جزء من تفاصيل اليوم، بينما كانت تدرك في كل مرة أن الذي مات لم يكن طفلا فقط، بل فرصة جديدة للحياة.

ورأت نساء يحملن وجعا آخر، وجع الأمومة المؤجلة. سنوات من الحمل الذي لا يكتمل، وإجهاض يتكرر، وقلوب تخشى أن يأتي اليوم الذي يرضخ فيه الزوج أو العائلة لفكرة الزواج من أخرى. كانت تسمع شكواهن، وتحاول أن تمنحهن أملا، بينما كانت تعرف أن العلاج الحقيقي لا يحتاج إلى دواء وحده، بل إلى عدالة اجتماعية، ورعاية صحية، ووعي يحمي المرأة من أن تتحمل وحدها وزر ما لا يد لها فيه.

وفي الوقت الذي كانت فيه الصحف تتابع، يوما بيوم، أخبار حمل الأميرة ديانا، وتفاصيل رعايتها الطبية، كانت هي ترى أمامها نساء يحسبن تكلفة الكشف قبل أن يحسبن عمر الجنين، وأمهات يترددن بين شراء اللبن الصناعي أو شراء احتياجات البيت، وأطفالا يخسرون معركتهم مع المرض لأن الأسرة لم تستطع تحمل نفقات العلاج أو الانتقال إلى المستشفى. لم تكن تقارن بين عالمين بدافع السخط، وإنما كانت ترى المفارقة المؤلمة بين إنسان يحاط بكل أسباب العناية، وآخر يترك وحيدا في مواجهة قدره.

ولم يكن الفقر وحده هو الخصم. كانت الخرافة تنازع العلم في كل خطوة. أطفال يتأخر علاجهم لأن الجدة أقنعت الأم بأن الإسهال من علامات التسنين، ومرضى يحملون قصاصات ورق كتب عليها أحد المشايخ أسماء أدوية بعد أن «فتح الكتاب»، ونساء يفسرن الحسد أكثر مما يفسرن أعراض المرض. لكنها، وسط كل ذلك، لم تسخر يوما من الناس، لأنها كانت تعرف أن الجهل ليس خطيئة الفقراء، بل نتيجة سنوات طويلة من غياب التعليم، وغياب الثقافة، وغياب الخدمات التي تترك الإنسان فريسة لكل من يبيع الوهم.

حتى حين التقت بأحد هؤلاء المشايخ، واستمعت منه في لحظة صراحة نادرة إلى اعترافه بأن كثيرا مما يفعله قائم على الإيحاء أكثر من أي شيء آخر، لم يكن ما أثار دهشتها هو الحكاية نفسها، بل قدرة الإنسان على تصديق ما يبحث عنه قلبه، حين يعجز الواقع عن منحه أملا.

وهكذا اكتشفت أن الصيدلية لم تكن مجرد مكان للعلاج، بل مرآة تعكس المجتمع كله. فيها يلتقي العلم بالخرافة، والفقر بالأمل، والمرض بالصبر، والإنسان بإنسانيته العارية من كل الأقنعة. ومن هنا خرجت أجمل صفحات «يوميات صيدلانية»، لا لأنها تحكي عن الدواء، بل لأنها تحكي عن البشر، أولئك الذين علموا كريمة الحفناوي أن لكل وجه قصة، ولكل قصة وطنًا كاملا يختبئ بين سطورها.

ومن أجمل ما يميز كتاب «مشوار الحياة.. يوميات صيدلانية» أنه أفسح الطريق لعشرات الوجوه التي مرت بكريمة الحفناوي، حتى غدت جزءا من ذاكرتها وذاكرتنا نحن القراء. لم تكن هذه الشخصيات أبطالا صنعهم الخيال، بل أناسا عاديين، غير أن صدقهم الإنساني منحهم حضورا لا ينسى، وجعلهم من أجمل صفحات الكتاب وأكثرها دفئا.

عم عثمان

رجل من برنشت، اكتسب سمرته من شمس الحقول، وحفرت سنوات العمل الطويلة تجاعيدها على وجهه. لم يعرف من الدنيا إلا طريقين؛ طريق الغيط، وطريق بيته. وإذا اضطر إلى مغادرة القرية، فلكي يستخرج ورقة رسمية، أو يسجل مولودا، أو يودع راحلا.

في أحد أيام ربيع عام ١٩٨٠، دخل الصيدلية حاملا قطعة قماش بيضاء، أخفى بداخلها بضع ثمرات من الكوسة. ناولها للدكتورة كريمة قائلا إنها «البشاير»، وإنه أراد أن تكون من نصيبها لأنها مباركة عليهم. لم تكن الهدية تساوي شيئا في حساب السوق، لكنها كانت تساوي الكثير في حساب القلوب.

ومنذ ذلك اليوم أصبحت عادة لا تنقطع. كلما بشرت الأرض بمحصول جديد، كان عم عثمان أول من يحمل بشائره إلى الصيدلية؛ مرة كوسة، ومرة بامية، ومرة خيار، ومرة ملوخية. لم يكن يقدم خضروات، بل كان يقدم محبة خالصة لا تنتظر مقابلا، ولا تعرف حسابا.

وحين غاب عم عثمان عن الدنيا، لم تغب عادته. جاءت زوجته تحمل البشاير في موعدها، وهي تردد في بساطة أهل الريف: «العادة ما تتقطعش… الحاج عثمان وصاني».

في جملة واحدة اختصرت المرأة معنى الوفاء الذي لا يحتاج إلى خطب ولا شعارات.

لكن أكثر المواقف تأثيرا لم يكن في موسم حصاد، بل في موسم حزن. عندما توفي والد الدكتورة كريمة، لم يكتف عم عثمان بكلمات العزاء، بل ظل يسأل حتى عرف عنوان بيتها في البدرشين، ثم قطع المسافة حاملا سبتين؛ أحدهما فيه طعام جاهز لأهل البيت، والآخر ممتلئ بما تيسر من سلع واحتياجات، وكأنه أراد أن يقول إن المواساة ليست كلمات تقال، بل عبء يحمله المحب عن أحبته، ولو قليلا.

ومثل عم عثمان، يفيض الكتاب بشخصيات أخرى لا تقل جمالا وإلهاما.

فتحية.. بائعة الخضار

فتحية واحدة من تلك الشخصيات التي يصعب نسيانها. زوجة لرجل أنهكه المرض، وأم لستة أبناء، تحمل على كتفيها عبء الأسرة كلها. كانت تقطع المسافات إلى سوق الفيوم لتشتري الخضار، ثم تعود ليلا محملة بما سترتزق منه، قبل أن تجلس مع أولادها تحت ظل شجرة بجوار الصيدلية تبيع ما رزقها الله به. لم تكن بطلة في كتاب تاريخ، لكنها كانت بطلة في كتاب الحياة.

سيدة علي درويش

أما سيدة، فقد كانت نموذجا آخر للمرأة المصرية البسيطة. لا تعرف القراءة والكتابة، لكنها تحفظ أماكن الأدوية وأسعارها، وتتعامل مع الناس بمحبة فطرية جعلتها تكسب قلوب أهل القرية جميعا. لم تكن مساعدة في الصيدلية فحسب، بل أصبحت رفيقة للدكتورة كريمة، وشريكة لسنوات طويلة، حتى رحلت عن الدنيا، تاركة وراءها ذكريات لا تمحى.

الست أم عبده

ومن أكثر المشاهد تأثيرا زيارة السيدة العجوز التي كانت تجمع للدكتورة كريمة البيض والطماطم من رزقها القليل، وترفض أن تتقاضى ثمنا، قائلة إنها هدية ومحبة. وحين غابت عن الصيدلية، علمت الدكتورة أنها رحلت عن الدنيا، لتبقى ذكراها واحدة من تلك الوجوه التي لا تغادر القلب.

أم سعيد

أما أم سعيد، القابلة أو «الداية»، فقد حملت وجها آخر من وجوه الريف المصري. امرأة تحفظ أسرار البيوت، وتؤمن أن الستر عبادة، فتخفي الفضائح قبل أن تتحول إلى مآس، وتساعد النساء مدفوعة بما تراه واجبا إنسانيا. وقد يختلف القارئ مع بعض ما كانت تفعله، لكن الكاتبة تترك الحكم له، مكتفية بنقل الشخصية كما عرفتها، بكل ما فيها من تناقضات وتعقيدات.

ومن بين هذه الحكايات، تروي الكاتبة قصة سيدة جاءت تشكو حرمانها من الإنجاب. وبعد أن اطلع أحد الأطباء على نتائج الفحوصات، أخبر الزوج بأنه لا توجد لديه حيوانات منوية، وأن سبب عدم الإنجاب يعود إليه. لكن الزوجة لم تتوقف أمام الحقيقة الطبية، بل مضت تحكي بمرارة كيف تحملت سنوات طويلة من المعاناة، قبل أن يطلقها زوجها ويتزوج بأخريات، وظلت، كما تقول، تؤمن بأن المرأة هي التي تتحمل الذنب دائما، حتى عندما تكون الحقيقة على النقيض من ذلك. ومن خلال هذه الواقعة تكشف الكاتبة عن واحدة من أكثر الأفكار رسوخا في الريف، حيث كثيرا ما تدفع المرأة وحدها ثمن أحكام المجتمع.

ولا تخلو اليوميات من لحظات خفيفة تبتسم لها وأنت تقرأها. ففي فصل «البرشام اللي بيشخلل» تحكي عن فتاة بدوية جاءت تطلب منها «البرشام اللي بيشخلل». وبعد لحظات من الدهشة، أدركت أنها تقصد أحد أنواع الأقراص الملينة التي كانت تعبأ في علبة بلاستيكية تصدر صوتا مميزا عند هزها، فكان الاسم الشعبي أكثر حضورا في الذاكرة من الاسم العلمي.

وفي فصل آخر بعنوان «اللبوس الأحمر بيجيب الولد»، تدخل امرأة تطلب نوعا بعينه من اللبوس المهبلي، لا لأنه أكثر فاعلية، وإنما لأنها تؤمن بأن جارتها حملت بعد استعماله وأنجبت ولدا. وبين دهشة الصيدلانية وإصرار السيدة، ترسم الكاتبة مشهدا يجمع بين الطرافة والبراءة، ويكشف كيف تمتزج المعتقدات الشعبية بالحياة اليومية، حتى في أكثر الأمور ارتباطا بالطب

لا يكتفي كتاب «مشوار الحياة.. يوميات صيدلانية» بسرد سيرة كاتبته، وإنما يتحول، صفحة بعد أخرى، إلى وثيقة اجتماعية ترصد ملامح الحياة في الريف المصري، وعادات الناس التي صنعتها سنوات طويلة من التكاتف والمشاركة.

ومن بين هذه الطقوس ما يعرف بـ«ليلة الحنة». غير أن الحنة هنا لا ترتبط فقط بليلة زفاف العروس، كما هو شائع، وإنما تتجاوز هذا المعنى لتصبح شكلا من أشكال التكافل الاجتماعي. فمن يحتاج إلى تجهيز ابنته، أو شراء قطعة أرض، أو بقرة، أو جاموسة، أو بناء منزل، أو السفر طلبا للرزق، يقيم «ليلة حنة» يلتف خلالها أهل القرية حوله، يقدم كل منهم ما يستطيع، على يقين بأن الدور سيأتي عليهم يوما، فيجدون الأيدي نفسها تمتد إليهم.

ويظهر هذا المعنى الإنساني أيضا حين تنفق بقرة أو جاموسة، خاصة إذا كانت حاملا. فالخسارة هنا لا تعني فقدان حيوان فحسب، بل تهدد مصدر رزق أسرة كاملة. لذلك لا يتركون صاحب المصيبة وحيدا، وإنما يتوافد الجيران والأقارب لتقديم العزاء، ثم يبدأ الجميع في جمع المال لمساعدته على تجاوز محنته. إنها صورة لمجتمع ما زال يؤمن بأن الشدة لا تهزم من يتقاسمها مع الآخرين.

وفي أوائل أبريل عام ٢٠١٢، تصل الرحلة إلى واحدة من أكثر محطاتها شجنا. بعد أربعة وثلاثين عاما قضتها بين قرى زيدين ومزغونة وبرنشت، تطوي الدكتورة كريمة الحفناوي صفحة من عمرها المهني، تاركة وراءها مكانا لم يكن مجرد مقر للعمل، بل بيتا آخر امتلأ بوجوه الناس، وحكاياتهم، وأفراحهم، وأحزانهم. ولم يكن الوداع مجرد نهاية لوظيفة، بل كان فراقا لعائلة كبيرة صنعتها الأيام، ورسختها المحبة، حتى غدا الرحيل نفسه امتحانا للمشاعر، لا للذاكرة.

وقد نجحت الكاتبة في أن تجعل اللغة امتدادا طبيعيا للعالم الذي تكتبه. فلم تنحز إلى الفصحى وحدها، ولا استسلمت للعامية، وإنما مزجت بينهما في توازن منح السرد صدقه وعفويته، وجعل الحوارات تنبض بالحياة، وكأن القارئ يجلس بين أبطالها، يسمع أصواتهم، ويرى تعبيرات وجوههم.

ولهذا تبدو «يوميات صيدلانية» أكثر من سيرة ذاتية؛ إنها شهادة محبة للحياة، ووفاء للناس، واحتفاء بالمصري البسيط الذي يصنع التاريخ دون أن يطالب بأن يكتب اسمه في صفحاته. أما الدكتورة كريمة الحفناوي، فقد مضت في رحلتها مؤمنة بأن قيمة الإنسان لا تقاس بما يحققه لنفسه وحده، وإنما بما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين. وهذا الأثر هو ما يبقى، حتى بعدما تمضي السنوات، ويغادر القطار محطته الأخيرة.

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع