محمد الفخراني
“ماذا تختار؟ أن تعيش للأبد، الخلود، لكنك لن تعيش قصة حب، أم تعيش عُمرًا عاديًّا، وتموت، لكنك ستعيش فيه قصة حب؟”، سألَني، وقال: “لو اخترْتَ الخلود يمكنك أن تدخل علاقات مع أيّ عدد من المرأة”، هكذا قالها: “أيّ عدد من المرأة، وستكون علاقات لطيفة، ورائعة، فيها المتعة والجمال، لكن أيًّا منها لن تكون قصة حب، لن تسمع كلمة ‘أحبك’ من امرأة، وأنت لن تقول ‘أحبك’ لامرأة”.
وأفكر في عَرْضه: أعيش الخلود، لا أموت، وأُجَرِّب أيّ عددٍ من.. المرأة، وأرى كيف يكون العالم بعد ألف سنة، آلاف السنين، لكني لن أقول “أحبك” لامرأة، لن تقولها لي امرأة، لن أعيش قصة حب، لكن.. هل تستحق قصةُ الحب أن أُضحِّي بكل هذه القصص و”أيّ عدد من المرأة”؟
قال لي: “لو اخترْتَ عُمرًا عاديًّا، ستعيش قصة حب لا تُنسى، وأقصد هنا أنك أيضًا ستتألم فيها، لن يكون كل شيء رائعًا، تتشاجر مع حبيبتك، ربما تنفصلان وتعودان، بعد دقيقة أو ساعة أو يوم أو سنوات، لكنكما ستَظَلّان معًا، وتكون هي المرأة الوحيدة، قصة الحب الوحيدة في حياتك، وأنت رَجُلها الوحيد، قصة حبها الوحيدة”.
أفكر، قصة واحدة حقيقية راسخة، وامرأة واحدة، أسمع منها كلمة “أحبك”، وأقول لها “أحبك”، يمكنني أن أقولها لها آلاف المرَّات، وأسمعها منها آلاف المرَّات، أو حتى مرَّةً واحدة، “أحبك” لمرَّةٍ واحدة في العمر ستكون كافية.
لكن، إلى متى يمكن أن تستمرَّ قصة الحب؟ 50 سنة؟ 70؟ 100؟ وفي المقابل أخسر كل القصص الأخرى، وأخسر الخلود؟ وربما في قصة الحب يُصاب أحدنا بالزهايمر أو الخَرَف أو أيَّ كارثة؟ ويضطرُّ الآخر للاعتناء به، لكن.. أليس من الرائع والممتع الاعتناء بشريك قصة الحب؟
قال لي: “لو اخترْتَ الخلود، يمكنك أن تتنقَّل في العُمر، فتكون في الخمسين والأربعين والسبعين والعشرين خلال اليوم الواحد”.
امممم، أتنقُّل في العمر، فأكون اليوم مع فتاةٍ في العشرين، وغدًا مع امرأة في السبعين، لطالما أحببتُ أن أدخل قصة مع امرأة في السبعين، وفي اليوم التالي أكون مع امرأة في الأربعين، لطالما أحببت الأربعينيَّات، ولن أتنازل عن الخمسينيَّات، ولن أنسى الستينيَّات، ولن أُفوِّت الثلاثينيَّات، أو.. لماذا أنتظر أيامًا، يمكنني الحصول عليهن في اليوم نفسه، وأقضي ساعاتٍ مع كل واحدة، لكن.. أيًّا منها، مع جمالها، لن تكون قصة حب.
الخلود؟ كل شيءٍ سيكون عابرًا بالنسبة لي، ومؤقَّت، لن يؤلمني الفَقْد، لكن.. هل هذا جيدٌ بالأساس، ألّا أشعر بالألم؟ أرى الجميع يَفْنون، وأنا خالدٌ، لا أُبالي، وأتنقَّل في العمر، أرى كل قصص الحب تَحْدُث حولي، تنشأ وتنهار أو تستمرّ، لها ملايين الحالات، ولا أعيش أيًّا من هذا، مع كل ما سأعيشه في العالم لن تكون لي قصةٌ في قصص الحب؟
سأعرف كل اللغات، وأقول كل كلامٍ رائع يمكن أن يقوله رجلٌ لامرأة بكل اللغات عدا “أحبك”، وأسمع كل كلامٍ رائع يمكن أن تقوله امرأةٌ لرَجُلٍ بكل اللغات عدا “أحبك”، أعيش كل أنواع القصص والعلاقات الجديدة التي ستظهر في المستقبل خلال عُمْر العالم، لكني لن أعيش تلك القصة القديمة “الحب”.
وقال لي: “في قصة الحب، يمكنكما أن تموتا معًا في سريرٍ واحد، أو تحت شجرة واحدة، وإن كنتَ تؤمن بحياةٍ بعد الموت ستنهضان معًا، تفتح عينيك عليها، وتفتح عينيها عليك، وتعودان إلى الحياة معًا”.
كأنها قصة واحدة راسخة ومستمرَّة، وبها شيءٌ حي لا ينتهي ولا يموت.
أنا الذي سألْتُ نفسي مرَّات، لو أنَّ الأمر بيدي فماذا أختار: أعيش قصة حب مع كل امرأة في العالم؟ أم أعيش قصة واحدة مع امرأة واحدة؟
والآن العَرْض يُقَدِّم لي، ويمكنني الاختيار.
أفكر، هل الخلود شيءٌ حقيقيٌّ أم وَهْم، هل الحب شيءٌ حقيقيٌّ أم وَهْم، وما الوَهْمي والحقيقي بالأساس؟
وأقول لي، لماذا لا أتجاهل هذا العَرْض وأعيش حياتي كما هي، بقصةٍ واحدة أو قصتين أو ألف قصة، لا يُهِمّ، لكن دون عروض، ولماذا اختارني ليُقدِّم العَرض لي؟ أنا أراه للمرَّة الأولى، كنت أجلس في المقهى ليلًا، وكان يجلس إلى طاولةٍ مجاورة، وعَلَّقَ أحدنا بكلمةٍ على شيءٍ عابرٍ في الشارع، ورَدَّ الآخر بتعليق، فجلسنا معًا إلى طاولةٍ واحدة، وفي آخِر الليل قدَّم لي العَرض، وأكَّدَ لي أنه حقيقي، أعرف أنه حقيقي.
سألْتُه: “لماذا أنا؟”.
قال: “لأني أعرف أنك تحب أن تعيش طويلًا، الخلود لو يُمكنك، وفي الوقت نفسه لا يُهِمُّك لو متَّ الآن، وأعرف أنك تقول إنَّ الحب موجود، وتقول إنَّ الحب غير موجود، يُعجبني هذا التناقض فيك، تُعجبني حيرتك”، ضحك، وقال: “ويعجبني أني لا أعرف ماذا ستفعل، ربما لن تختار، أو تختار على الفور”.
سألْتُه: “وماذا لو أني لن أختار؟”.
قال: “لن أكون تعيسًا، سأُقدِّم العَرض لغيرك، ربما حتى لشخصٍ أتوقَّع منه أن يختار على الفور، وأتوقَّع اختياره”، رشَفَ من قهوته، وأكمل: “كما ترى، أنا لا أغويك، ولا أخدعك، حتى إني لن أُنفِّذ العَرض إلّا بعد يومٍ كامل كي تُراجِع نفسك، لا مُقابِل من أيّ نوع تدفعه لي، لا أطلب منك أيَّ شيء، ولستُ طيِّبًا ولا شرِّيرًا، فقط لديَّ هذا العَرض لك”.
استرخَىَ في مقعده ينتظر رَدِّي، أو لا ينتظره.
وأنا…..






