عبد السلام فاروق
أعترف، وقد اعتدت أن أبدأ اعترافاتي في مستهل ما أكتب لا في ختامه، أنني كلما هممت بالكتابة عن محمد عفيفي مطر تملكني إحساس غريب بالخوف. ليس الخوف من شبحه، فرحمه الله كان في حياته من أرق الناس وأودعهم، بل الخوف من ألا أوفيه حقه، من أن تخونني العبارة، من أن أبدو سطحيًا وأنا أحاول الغوص في أعماق إنسان كان الغوص في الأعماق مشروعه الوحيد.
واليوم، في ذكرى ميلاده الحادية والتسعين، أتشجع وأمضي. لا لأنني صرت أكثر ثقة، ربما لأن الصمت على هذا الرجل صار، في تقديري، ضربًا من ضروب العقوق الثقافي الذي لا يليق بأمة تدعي أنها تحتفظ بذاكرة.
خرج من الطين فصار فيلسوفًا
في قرية “رملة الأنجب” بالمنوفية، وفي عام 1935، ولد محمد عفيفي مطر. ولا بد لي هنا من وقفة، لأنني لا أستطيع المرور على هذا الاسم مرور الكرام. “رملة الأنجب” – يا للاسم! كأن القدر كان يدخر لهذا الطفل اسمًا على مسمى، كأن القرية نفسها كانت تعرف، بضرب من الحدس الغامض، أنها ستنجب شاعرًا استثنائيًا. نشأ مطر في ريف الدلتا، حيث الأرض السوداء التي لو غرست فيها حجرًا لأنبتته، وحيث الفلاحون الذين يعرفون قيمة الطمي أكثر مما يعرفها أساتذة الجيولوجيا في أعرق الجامعات. كان يمكن لهذا الصبي أن يصبح فلاحًا يزرع القطن والبرسيم، ويموت كما يموت ملايين الفلاحين، منسيًا في سجلات المواليد والوفيات. لكن شيئًا ما كان يختلف. شيئًا ما كان يتحرك في أعماقه كجنين لا يريد أن يولد فلاحًا.
ذهب إلى القاهرة. إلى جامعة فؤاد الأول التي صارت فيما بعد جامعة القاهرة. وهناك، حدث ما يشبه الانشطار النووي في روح هذا الشاب انقسم بين طين الريف الذي خرج منه لتوه، وفلسفة الإغريق التي كان يقرؤها لأول مرة. بين أرسطو وأغاني الحصاد. بين أفلاطون وطقوس الفلاحين. بين ابن عربي وأمثال الريف السائرة.
تصوروا معي المشهد، شاب ريفي، في يده اليمنى “جمهورية” أفلاطون، وفي يده اليسرى ذاكرة طفولته في الحقول. ماذا يمكن أن ينتج عن هذا التصادم؟ لا شيء أقل من زلزال شعري. وهذا بالضبط ما حدث.
لماذا تأخر مطر حتى السابعة والثلاثين؟
هناك سؤال يلح علي كلما قرأت سيرة محمد عفيفي مطر وهو لماذا أصدر ديوانه الأول “الجوع والقمر” في السابعة والثلاثين من عمره؟ في زمن صرنا فيه نرى شعراء لم يتجاوزوا العشرين ويصدرون دواوين تحصد الجوائز، يبدو مطر كائنًا من كوكب آخر. أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أنه كان شديد البطء إلى حد الشلل الإبداعي، وإما أنه كان شديد الاحترام للشعر إلى حد التقديس. وأنا أميل، وكل ما قرأته لمطر يؤكد لي ذلك، إلى أنه كان من الصنف الثاني.
لقد كان مطر يعرف، وأظنه تعلم ذلك من الفلاحين الذين عاش بينهم، أن الزرع الحقيقي يحتاج إلى وقت. فلا يمكنك أن تزرع اليوم وتحصد غدًا. لا بد من انتظار، من صبر، من ترك الحبة تحت الطين حتى تتشرب الماء وتتصدع قشرتها ويخرج منها البرعم على مهل. وهكذا كان يفعل بقصائده. كان يدفنها في أدراج مكتبه شهورًا وسنوات، يعود إليها كل فترة، يعدل، يحذف، يضيف، يغير كلمة هنا وكلمة هناك. كان ينتظر حتى تستوي القصيدة كما يستوي الثمر على الشجرة. لا قطف قبل الأوان.
وحين صدر “الجوع والقمر” عام 1972، كان عنوانًا صادمًا بكل المقاييس. “الجوع والقمر” – ليس “الحب والقمر” كما جرت العادة في الشعر العربي منذ امرئ القيس، وليس “الليل والقمر” كما عند الرومانسيين، بل “الجوع والقمر”. الجوع الذي يعرفه الفقراء معرفة شخصية، والقمر الذي طالما حلموا به من بعيد. بين هذين القطبين وضع مطر الإنسان، ممزقًا بين ضرورات الجسد التي لا فكاك منها، وأحلام الروح التي لا سبيل إلى تحقيقها. وكان هذا هو محور شعره كله.
الطمي يتكلم… والمثقفون يصمتون
ثم جاء ديوان “ويتحدث الطمي” عام 1977. وهنا، اسمحوا لي أن أتوقف طويلاً، لأن هذا الديوان، في تقديري المتواضع، هو أحد أهم ما كتب في الشعر العربي في القرن العشرين كله، وليس فقط في السبعينات. ما الذي فعله مطر في هذا الديوان؟ لقد حول الطمي- هذه المادة الصماء التي ندوسها بأقدامنا ولا نلقي لها بالاً – إلى شاهد على التاريخ. إلى راو عليم. إلى ذاكرة جمعية. الطمي عند مطر ليس مجرد استعارة بلاغية، الطمي هو شخصية درامية بكل ما في الكلمة من معنى. هو الراوي الذي رأى الفراعنة وهم يبنون الأهرام، ورأى الرومان وهم يدخلون مصر، ورأى الفتح الإسلامي، ورأى المماليك والعثمانيين والفرنسيين والإنجليز، ورأى هزيمة 1967. رأى كل شيء، وظل صامتًا، حتى جاء محمد عفيفي مطر فكسر هذا الصمت بقصائده.
الطمي عند مطر هو التاريخ الحي. هو الشاهد الذي لا يموت. هو الصوت الذي يروي ما حدث حقًا، لا ما كتبه المؤرخون المنتصرون. وفي هذا، يشبه مطر أولئك الكتاب الكبار- ماركيز، فوكنر، نجيب محفوظ- الذين جعلوا من مكانهم المحلي الصغير نافذة تطل على التاريخ الكوني كله. قرية “رملة الأنجب” عند مطر هي “ماكوندو” ماركيز، هي “يوكنا باتاوفا” فوكنر، هي “الحارة” عند نجيب محفوظ. هي المكان الصغير الذي يحتوي العالم كله.
واللغة في هذا الديوان… ماذا أقول عن اللغة؟ إنها لغة لا تشبه أي لغة أخرى في الشعر العربي. لغة مكثفة إلى أقصى حد، كأنها قطعة ألماس مضغوطة. لغة تستعيد كلمات نسيتها العربية منذ قرون، وتشتق من الجذور اللغوية فروعًا جديدة لم تخطر على بال أحد.
لغة تشبه الحفريات الأثرية، كلما تعمقت فيها اكتشفت طبقة جديدة من المعنى، وكلما أعدت القراءة وجدت ما لم تجده في المرة السابقة. وهنا، لا بد لي من سؤال صريح، وقد تعودت أن أكون صريحًا حتى لو أغضبت صراحتي البعض لماذا لم يقرأ أحد “ويتحدث الطمي” كما يستحق؟ لماذا ظل هذا الديوان حبيس أدراج النقاد والمتخصصين، بينما كان يجب أن يكون في كل بيت، في كل مدرسة، في كل جامعة؟ هل لأن مطرًا كان صعبًا إلى حد يستحيل معه الفهم؟ أم لأننا – وهذه هي الحقيقة المرة – أمة لا تقرأ، وإذا قرأت فإنها تقرأ ما لا يوجع رأسها؟
الفرح… الذي لا يشبه ما تظنون!
في التسعينيات، كان محمد عفيفي مطر قد صار عجوزًا. شعره أبيض، وتجاعيده صارت تشبه تضاريس الأرض التي طالما تغنى بها. وفي هذه الفترة، أصدر رباعية “الفرح” (1990) و”احتفالية المومياء المتوحشة” (1992).
وهنا، حدث ما لم يكن متوقعًا، المبدع الذي ظل طوال عمره يكتب عن الجوع والطين والموت، بدأ يكتب عن الفرح! لكن الفرح عند مطر ليس الفرح الذي نعرفه نحن. ليس فرح العيد، ولا فرح النصر، ولا فرح الحب. إنه فرح تراجيدي، فرح يخرج من قلب الألم كما تخرج الزهرة من شق في جدار متهدم. إنه فرح نيتشه الذي يقول نعم للحياة رغم كل مآسيها. إنه فرح المتصوفة الذين يضحكون وهم يصلبون لأنهم رأوا وجه الحقيقة. هل يمكن أن تفرح وأنت تعرف أن النهاية هي الموت؟ هل يمكن أن تضحك وأنت ترى العالم من حولك ينهار؟ مطر يقول نعم. بل إن الفرح الحقيقي- في رؤيته- لا يولد إلا من هذه المعرفة. الفرح الذي لا يعرف الألم ليس فرحًا، بل سذاجة. الفرح الذي لا يعرف الموت ليس فرحًا، بل غفلة. أما فرح محمد عفيفي مطر فهو فرح العارف، فرح الذي رأى القاع وابتسم في وجه الهاوية.
ثم جاءت “احتفالية المومياء المتوحشة”. وهنا، اسمحوا لي أن أقول إن هذا العمل هو واحد من أكثر الأعمال الشعرية العربية جرأة وإدهاشًا. المومياء- تلك الجثة المحنطة الراقدة في المتحف – تنتفض وتقوم. لا لترويع الناس كما في أفلام الرعب الهوليودية، بل لتحريرهم. المومياء تصير ثائرة. تصير رمزًا للإنسان العربي الذي حنط في توابيت التخلف والقهر والاستبداد، ثم رفض أن يظل ميتًا، فقام من قبره يبحث عن حياة. ألا تشعرون، ونحن نعيش هذه الأيام التي نعيشها، أن عفيفي مطر كان يكتب عنا؟ ألا ترون المومياء المتوحشة تنتفض في شوارع المدن العربية، ترفض أن تظل حبيسة التوابيت، تبحث عن هواء، عن حرية، عن كرامة؟ لقد كان مطر، بضرب من النبوءة الشعرية، يرى ما هو آت.
إشكالية الشاعر الفيلسوف!
من أكثر الأسئلة التي حيرت دارسي محمد عفيفي مطر هو هل كان شاعرًا فيلسوفًا، أم فيلسوفًا شاعرًا؟ والسؤال ليس لغوًا ولا ترفًا فكريًا، السؤال هو مفتاح أساسي لفهم هذا المبدع . الفرق دقيق لكنه حاسم. الشاعر الفيلسوف هو الذي يكتب شعرًا ثم يضيف إليه بعض الأفكار الفلسفية كما يضيف الطباخ البهارات إلى الطعام. أما الفيلسوف الشاعر فهو الذي يفكر كفيلسوف ويكتب كشاعر. الذي يمتص الفلسفة في دمه وعظامه وأعصابه، ثم حين يكتب الشعر، تخرج الفلسفة من بين أصابعه بشكل طبيعي، كما يخرج العرق من المسام.
ومطر، في رأيي الذي لا أزعم أنه صواب مطلق، هو من الصنف الثاني. لقد درس الفلسفة في جامعة القاهرة، وقرأ أفلاطون وأرسطو وهيجل ونيتشه، وتأثر بابن عربي والحلاج والسهروردي. لكنه لم يضع هذه الفلسفة على شعره كما توضع الكريمة على وجه الحلوى. لقد هضمها. حولها إلى جزء من نسيجه. ثم حين كتب الشعر، كانت الفلسفة حاضرة لا كأفكار مجردة، لكن كرؤية للعالم، كطريقة في النظر إلى الأشياء، كأسئلة وجودية كبرى تطل من بين سطور القصيدة.
اسألوا أنفسكم كم شاعرًا عربيًا قرأتموه فشعرتم أنه يطرح أسئلة حقيقية عن معنى الحياة والموت والوجود؟ كم شاعرًا جعلكم تتوقفون في منتصف القصيدة لتسألوا أنفسكم: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وما معنى كل هذا؟ هذا هو الفرق بين مطر وغيره. مطر لا يمنحك إجابات، يمنحك أسئلة. يربك يقينياتك. يهز قناعاتك. يجعلك تشك في كل ما كنت تظنه ثابتًا. وهذه، في رأيي، هي مهمة الشاعر أن يربك لا أن يريح.
اللغة… المغامرة المجنونة
لا يمكن أن أكتب عن محمد عفيفي مطر دون أن أتوقف عند علاقته باللغة العربية. فعلاقته بالعربية كانت علاقة عاشق بمعشوقة. حيث كان يتعامل مع اللغة العربية كما يتعامل النحات مع الرخام؛ يحفر فيها، يكتشف عروقها، يستخرج منها أشكالاً لم تكن متخيلة، يعيد تشكيلها حتى تصير شيئًا جديدًا تمامًا. إنه يستخدم مفردات لم تسمع بها من قبل. يستعيد كلمات ماتت منذ العصر الجاهلي. يشتق من الجذور اللغوية ألفاظًا جديدة على النسق الذي تتيحه العربية بطبيعتها الاشتقاقية. يركب الجمل على نحو غير مألوف يكسر أفق التوقع. يخلق إيقاعات خاصة به تنبع من أعماق النص لا من قوالب العروض الموروثة.
وقد قيل الكثير عن صعوبة لغة الشاعر محمد عفيفي مطر. قيل إنها معقدة، إنها غامضة، إنها نخبوية. وأنا لا أنكر هذه الصعوبة. نعم، مطر صعب. نعم، قراءة مطر تحتاج إلى قاموس وإلى معرفة بالتاريخ والأسطورة والفلسفة وإلى صبر طويل. لكن السؤال الذي أود طرحه هو منذ متى كانت السهولة معيارًا للقيمة الفنية؟ هل “ألف ليلة وليلة” أسهل من “عوليس” جويس؟ بالتأكيد. فهل هذا يعني أن “ألف ليلة وليلة” أعظم من “عوليس”؟ ليس بالضرورة.
صعوبة محمد عفيفي مطر ليست صعوبة مجانية ناتجة عن عجز عن التعبير أو خلط في الأفكار. إنها صعوبة تأتي من الكثافة، من تعدد طبقات المعنى، من الطموح إلى أن تقول القصيدة أكثر مما تقوله عادة. إنها صعوبة الجبل الذي لا يمكنك تسلقه وأنت ترتدي حذاءً جلديًا أنيقًا. تحتاج إلى أدوات، إلى تدريب، إلى جهد. لكن المنظر من القمة يستحق كل هذا العناء.
وهنا، أتوجه بسؤال إلى المؤسسات الثقافية والتعليمية في عالمنا العربي لماذا لا يدرس محمد عفيفي مطر في المدارس والجامعات؟ لماذا يحفظ طلابنا قصائد المتنبي وأبي تمام ويجهلون تمامًا أن شاعرًا بحجم المتنبي وأبي تمام عاش بيننا ومات منذ سنوات قليلة؟ أليس هذا تقصيرًا؟ أليس هذا جريمة ثقافية؟ إن جيلاً كاملاً من القراء العرب نشأ وهو لا يعرف شيئًا عن محمد عفيفي مطر. وهذا ليس ذنبه. هذا ذنبنا نحن. ذنب مناهجنا التعليمية التي لا تعترف إلا بالأموات، والتي تنتظر حتى يموت الشاعر بمئة عام لتبدأ في تدريسه.
الاعتراف الذي جاء متأخرًا
حصل محمد عفيفي مطر على جوائز: التشجيعية (1989)، العويس (1999)، التقديرية (2006). وصدرت أعماله الكاملة عن دور نشر كبرى. لكن السؤال الذي يلح علي هو هل كان هذا كافيًا؟ هل اعترفت به المؤسسة الثقافية العربية حقًا؟ أم أنها منحته جوائزها وأبقت شعره حبيس الأدراج؟
أنا، عن نفسي، لا أعتقد أن الجوائز وحدها تكفي. الجوائز شيء، والحياة في وجدان القراء شيء آخر. وشتان بين الشيئين. كم من كاتب حصل على جوائز الدولة التقديرية ثم مات ونسيه الناس تمامًا؟ وكم من كاتب لم يحصل على شيء وبقي اسمه متداولاً على الألسنة؟ الجوائز قد تكون اعترافًا من المؤسسة، لكنها ليست بالضرورة اعترافًا من القراء.
ومحمد عفيفي مطر، في رأيي، ظل محتاجًا إلى اعتراف القراء، إلى أن يمسك شاب في العشرين من عمره ديوانه ويقرأه بشغف، إلى أن تكتب عنه أطروحات جامعية بالمئات لا بالعشرات ، إلى أن يترجم إلى لغات العالم كما يترجم أدونيس ودرويش.
في سياق مختلف تمامًا
عندما نضع محمد عفيفي مطر في سياق الشعر العربي المعاصر، نكتشف أمرًا مدهشًا إنه لا يشبه أحدًا. وهذا هو مصدر قوته وضعفه . قارنه بصلاح عبد الصبور: كلاهما فيلسوف، لكن عبد الصبور أكثر سردية، أكثر اتصالاً باليومي، أقرب إلى الناس. ومطر أكثر تكثيفًا، أكثر انطلاقًا إلى الأسئلة الوجودية الكبرى، أكثر صعوبة وأقل شعبية. أو قارنه بأدونيس: كلاهما يحفر في التراث، لكن أدونيس أكثر جدلية، أكثر صراعًا مع الموروث، أكثر ميلاً إلى الثورة على الثوابت. ومطر أكثر تصالحًا، أكثر امتصاصًا للتراث وتحويلاً له إلى نسيج حي. ثم قارنه أخيرا بمحمود بدرويش ، ستدرك أن درويش هو شاعر القضية والحياة والموت اليومي. أما محمد عفيفي مطر فهو شاعر الوجود والتاريخ واللغة. درويش يقرأه الملايين، ومطر يقرأه المئات. وكلاهما عظيم، لكن بطرق مختلفة تمامًا.
إنه لا يشبه أحدًا. وهذا يعني أنه لم يرث جمهورًا جاهزًا من مدرسة شعرية سابقة، ولم يجد مكانًا محجوزًا له في الذائقة الجمعية. كان عليه أن يصنع كل شيء من البداية: لغته، جمهوره، مكانته. وهذا مشروع لا يكتمل في حياة شاعر واحد، بل يحتاج إلى أجيال.
كلمة أخيرة… أو ربما رسالة إلى المستقبل
في 28 يونيو 2010، مات محمد عفيفي مطر. مات الشاعر الذي أنطق الطمي وأحيا المومياء وجعل من الجوع والقمر ثنائية وجودية لا تنسى. مات كما عاش بهدوء، في الظل، بعيدًا عن الأضواء التي كان يهرب منها طوال حياته. لكن شعره لم يمت. لا يمكن أن يموت. إنه هنا، بين أيدينا، في دواوينه التي تنتظر قارئًا من طراز خاص. قارئًا لا يريد الشعر ليتسلى به، إنما ليغير حياته. قارئًا يقبل التحدي، يغامر في دروب اللغة الوعرة، يصعد جبل الصعوبة صابرًا محتسبًا، حتى يصل إلى القمة. هناك، في القمة، ينتظره محمد عفيفي مطر، بابتسامته الريفية الوديعة، ليهمس في أذنه: “أتعرف؟ لقد كنت أنتظرك. لقد كتبت هذا كله من أجلك.”
وهنا، في ذكرى ميلاده الحادية والتسعين، أوجه دعوة إلى كل من يقرأ هذا المقال ، اقرأ محمد عفيفي مطر. لا تقل إنه صعب، لا تقل إنه غامض، لا تقل إنك لا تملك وقتًا. فقط ابدأ. اقرأ صفحة، ثم صفحة أخرى. ثم سترى. سترى كيف تتغير علاقتك باللغة العربية. سترى كيف تصير القصيدة رحلة. سترى كيف يصير الشعر مغامرة في أعماق الوجود. وربما، بعد أن تنتهي، ستكتشف أنك لم تعد الشخص نفسه الذي بدأ القراءة. وهذا، بالضبط، ما كان يريده محمد عفيفي مطر.









