شوقى عبد الحميد يحيى
من الأمور المتعارف عليها. أن ما من عمل إبداعي إلا وكانت ذات الكاتب حاضرة داخل العمل، لذا عندما سُئل نجيب محفوظ لماذا لم يكتب سيرته الذاتية، فأجاب بأن رواياته تحمل الكثير من سيرته الذاتية. ومن هنا نشأ التفريق بين أنواع الرواية، فإما هى رواية أو سيرة روائية، أو سيرة ذاتيه، ويتم التفريق بينها بما تحمله من واقع وخيال، كما أن الرواية السير ذاتية، تعتمد كثيرا على تواريخ محددة لها تأثيرها على سير احداث الرواية ووقائعها. وهذا ما نستطيع أن نجده في رواية “كف المسيح”[1] للدكتورة أمنية صلاح المتخصصة في الشأن المسيحي. فنجد على سبيل المثال:
{استمر الحال سنتين حتى حلول ربيع عام 1965 م؛ حيث تُوفِّيت أم “حَنةَّ”}ص174.
أحد أيام عام 1954 م قام جدُّه بزيارةٍ لأحد المرضى من أقاربه}ص192.
{وذلك للتفريق بينها وبين “سنة الهدامة الأولى” عام 1934 م}ص192
{وفي 2005 م كان من ضمن الحملة الانتخابية؛ لترشيح مبارك.}ص199.
{في مساء السابع من سبتمر لعام 2005 م وبعد أن كان قد أمضى نهاره في الاقتراع للانتخابات} ص200.
فإذا كنا نجد أن غالبية هذه التواريخ ترتبط بالشخصيات فى حد ذاتها، ولا تخرج لتكون دليلا على إشارة إجتماعية إلى حادث معين، يمكن التأريخ به. لتوسيع الرؤية. وإنما نجد أن أبرز الوقائع التى حدثت فى السابع من سبتمبر 2005 هو الانتخابات الرئاسية المصرية، إلا ان ذلك ليس له أى تأثير على مجريات الرواية. وهو التاريخ الذى يمكن التأويل معه على المستوى الجمعى، أو الاجتماعى، بينما التواريخ الأخرى تعنى كلها على تصنيفات شخصية مؤثرة فى تكوين الشخصية التى هى الأساس فى الرواية. والتى نرى معها أن الرواية ليست رواية بمعناها المعروف، ولكنها أقرب إلى السيرة الروائية، وهذا للعلم لا يقلل من قيمة العمل، ولكنها فقط عملية التصنيف، فكل الأنواع الروائية تحتوى على الواقع المعيش، إلى جانب الخيال، ومزجهما بطريقة فنية هو ما يجعلها تحمل صفة (الرواية) بشكل عام. فضلا عن أنها تتحدث بالأساس عن رحلة أحد الشخصيات فى العمل، وإن كان شخصا عاديا. ولكن الكاتبة تتجاوزها لتثير قضية عامة، تؤرق المجتمع، وتسير معه فى أزمنة مختلفة، وإن كان أغلبها – وهذا حقيقى- فى السنوات الأخيرة، حين أصبحت الديانات هى المطية الأولى التى يعتمد عليها حكام البلاد العربية، ووسيلة النفاذ إلى تلك الدول من جانب الدول الاستعمارية، لأسباب ليس هذا أوانها. ولكن فى روايتنا سنجد “سُوسِنة” المسيحية التى تعيش مع الكنيسة وتجعلها تلعب دورا رئيسا فى العمل.
فإذا بحثنا عن معنى “سُوسِنة” اللغوى، سنجد أن المعنى الأقرب لها -إشارة إلى الرواية، كدلالة دينية وتاريخية: أصله عبري (شوشانة) ويعني زهرة السوسن، وهو اسم لشخصية نسائية وردت في التاريخ الديني تُعرف بـ “سوسنة العفيفة”، بالإضافة إلى وجود شخصية أخرى بهذا الاسم كانت تخدم السيد المسيح، وحيث أن هذا المعنى هو الأقرب للشخصية الرئيسة فى العمل. حيث لم يُعرف عنها أنا حادت عن الإحساس الروحى، سواء فى علاقتها مع د على المسلم، او علاقتها مع الكهنة والباباوات فى الكنيسة. فإذا كانت “سُو” الصغيرة كفتاة مسالمة، إلا أنها خضعت لجدتها التى أسمتها باسمها ذاته، محاولة أن تجعل منها عجينة تشكلها وفقما شاءت، حيث كانت جدتها “سُوسِنة” أشبه ب{ رجُلة الرأى مثل أبيها، ولم يلبث “أرمانيوس” أن يدرك تلك الحقيقة أيضا، قام بعمل إحلال وتبديل داخل قلبه لكليهما، فأصبح “صبحى” هو الفتاة وأصبحت “سُوسنة” هى الفتى، إذ تُكلف بالمهام الصعبة.. فتذهب إلى السوق وتملأ المياه من الزير العمومى ولاحقا ستنظف المنزل وتستذكر دروسها، أما “صبحى” فارتضى دور الفتاة وارتضاه له أبوه}ص35. لنجد أنفسنا منذ البداية أمام قوة مسيطرة، هى الماضى الممثل فى “سُوسنة الجدة، وسُوسنة الحفيدة المسالمة. لنتوقع أن هناك سطوة من الماضى، واستسلام من الحاضر. ولكن المسالمة تعلن الثورة على السطوة. لتحقق بذالك أحد أدوار (الرواية) وهى إزاحة الظلام، ليحل محله النور.
وعندما وصفتها إحدى الجارات بأنها كالقمر ليلة الرابع عشر من الشهر، غضبت “سُوسنة” وأصابها {بالمهانة والسخرية! ذلك لأنها كانت تمقت القمر.. فما الذى يفعله هذا الشيء فى العالم؟ ينير الظلام؟ كيف ينيره وهو لا حول له يستقى ذاته من الشمس، ويظل هناك متربصا فى السماء حين تغيب، ليعلن عن وجوده، كم هو ضعيف! ثم، هو استغلالى.. يستغل انشغال الشمس فى التحضير للمغيب ليظهر على استحياء ظهورا باهتا مثل حضوره}ص40. وقد وضح ذلك جليا فى الموقف النهائى عندما أرادت أن تزوج “سُو” من شخص لا تعرفه، ورفضها لهذة الزيجة، فكانت ثورتها الحادة، وأنها هى فقط من يحدد ما يجب فعله، وإن كانت تحت تأثير تلك النبوءة – والتى سنعود إليها لاحقا-.
وتتعرف “سُو” والتى رأت أن تختصر اسمها إلى هذا المقطع، للتفريق بينها وبين جدتها التى تتولى السيطرة عليها، لذا فهى تُكن لها الكراهية. تتعرف “سُو” على أستاذها “على الوايلى” المسلم، ليس حبا -فى البداية، ولكنه شعور داخلى للخروج مما هى فيه من انطوائية {و كانت “سُو” نفسها تعلم في قرارتها بأنها – فعلًا – منفصلة، وإن كانت لا تدري ما الذى يجب عليها فعله بالضبط؛ لتكون مثل الأخريات، تندمج معهن فتثرثر، وتغتاب، وتهتم بالماكياچ وبأحدث صيحات الموضة. لعل انجذابها “لعليّ” ما كان إلا وسيلةً تثبت بها لنفسها بأنها مثل الباقيات؛ فهناك من يصارحها بحبه.. ويُغرم بها أيضًا.}ص94
وتتدرج معه فى العلاقة حتى تصل إلى موضوع الزواج، فيسألها “دعلى الوايلى” إن كانت مستعدة للمواجهة مع أهلها مثلما هو مستعد للمواجهة والحرب التى ستقوم إزاء هذا الزواج، إلا ان “على الوايلى”، يتخذ موقفا تجاهليا، وكأنه يريد قطع العلاقة معها. الأمر الذى يثير التساؤل هنا، إذا كانت هى كفتاة مكمشة على نفسها، وتأبى أن تخوض المعارك والتمسك بهذا الزواج، فماذا عنه هو، هل لم يكن يحبها بالفعل، أم أنه لم يرد هو الآخر أن يدخل معارك وآثر السلامة؟ ففى {المحاضرة الأخيرة لم يُعِرْها أيَّ اهتمام يُذكر، حينما طرقت الباب، وكانت المحاضرة قد بدأت بالفعل، أشار إليها بالدخول من دون أن يرفع عينيه عن جهاز الحاسوب، قالت في صوتٍ لا يكاد يُسمع: “صباح الخير” هزَّ رأسَه مُهمهمًا بكلماتٍ غير مفهومة أن صباح النور اتخذت مقعدًا لا يلاصق مكتبه مثلما اعتادت، وظلت صامتةً طوال الساعتين، وهو يتعمَّد تجاهلها تمامًا.}ص201. وحيث يتوقف دور على الوايلى عند هذا الحد، خاصة وأنها تتبعته فوجدته {- منذ موت أمي انتهى كل شيء.. حتى إن تقى أخبرته بالوفاة ولم يكترث.. بل ووضعني على البلوك أيضًا!}206. {فتحْتُ صفحته الخاصة؛ لأجد أنه قد حدَّث حالته منذ ساعة واحدة كاتبًا: من استغنى فنحن عنه أغنى!(ص207. لنعلم أن دوره ثانوى، ومرحلة فى عمر الشخصية الرئيسة فى حياة “سُو”، التى تنسحب من الحياة عموما، وتستغل فرصة تكليف جدتها للبابا بأن يبحث لها عن زواج من داخل الكنيسة. بينما هى {لم تحرص يومًا على حضور قداس سوى لعيدٍ أو اثنين سنويًّا، لا تحافظ على الصلوات اليوميَّة، ولم تعترف يومًا في كنيسةٍ بخطيئةٍ اقترفَتها، كان لديها فلسفتها الخاصَّة في هذا الصدد؛ إذا كان الرَّبُّ سميعًا يراها وهي تخطئ فلماذا لا تعترف له في صمت، دون أن تمنح الفرصة لبَابا، لبشرى أن يراها ضعيفة، محطَّ خطأ وندم، وربما دموع! كانت تحرص على ارتداءِ صليب كبير في السلسلة المتدلية من رقبتها، وفَّرت ثمنهمن جمعية نظمتْها خصيصًا لذلك، فإذا خرجَت وهي ترتديه، أحسَّت بأنها قد فعلَت كل ما يجب عليها فعله لإرضاء الرَّبّ.}ص73. لذا أحست بأنها وقعت فى صراع طويل مع نفسها، فآثرت الانسحاب. وبدأت اللجوء إلى البابا دانيال، لتسأله، أنها تريد الرهبنة، فيجيبها بأن عمرها تجاوز سن الرهبنة، ويعرض عليها العمل فى خدمة الإنسان فى دار المسنين تابعة للكنيسة، ولن تتزوج إلا وفق ما تريد هى. وتنتهى الرواية باستعادة موضوع النبوءة مثلما بدأت، وبها تكتمل الدائرة النصية، لينحصر النص فى عملية النبوءة.
التقنية الروائىة
عمدت الكاتبة إلى تسمية الحفيدة “سُوسنة” باسم الجدة “سوسنة”، تأكيدا للعلاقة الوراثية التى تجمع الأحفاد بالأجداد، كما أن إصرار الحفيدة على اختصار اسمها إلى “سُو” فقط وكأنها إعلان عن الانفصال، ورفض تلك الوراثة الجينية التى تربط بينهما، وكأنها تُعلن الثورة على تلك الصلة. فكانت منذ البداية تعلن الثورة الضمنية التى ستسير عليها الرواية.
كما أن إشارة عابرة، قد تمر مر الكرام، لكنها تحمل دلالة. تلك هى ذهاب الجدة “سُوسنة” مع “حِنة” إلى الشاطئ والبحر لتستمع إلى نبوء المرأة من أن نسلها سينقطع، تلك النبوءة التى غيرت حياة الحفيدة “سُوسنة”، بل غيرت فى الخلفية، حياة أمة بكاملها، أسمها الأمة العربية، حيث ينفتح البحر إلى عالم واسع لا تحده حدود، ولا تقيده قيود، كما أنه ينفتح زمانيا إلى أزمان مرت، وربما أزمان لا يعرف مداها إلا الله. وبأعماقها العديد والعديد من العوالم، التى يصعب حضرها. فانفتاح النبوءة يفتح آفاق الزمن بارتداداته السابقة واللاحقة، وهو ما تؤكده الرواية فى تفاصيلها، المباشرة، وغير المباشرة.
وكما أن الكاتبة، أجادت فى صناعة التشويق الذى يمسك بتلابيب القارئ حتى النهاية، بتقطيع الأحداث على فصول غير متصاعدة، وإنما جاءت متوازية. وكأننا نقرأ حكاية من عدة فروع تجرى فى نفس الوقت، واستخدمتها الكاتبة فى سوق المزيد من الإضاءات الكاشفة حول الشخصيات والوقائع. وبما يمكن معه اختصار الرواية فى النبوءة وتأثيرها على الحفيدة. وليوسع القارئ من رؤيته للعمل برمته، وينظر حوله.
بالبحث عن النبوءة فى المسيحية، نجد أنها هي إعلان لكلمة الله بواسطة الروح القدس。تنقسم إلى “نبوءات العهد القديم” التي تمهد وتتنبأ عن مجيء “المسيح المخلص” (يسوع),و”نبوءات العهد الجديد” كأحداث مستقبلية أو مواهب روحية تُمنح للكنيسة للتقوية والتشجيع والتعزية.
فإذا كانت سُوسنة” الجدة قد سمعت هذه النبوءة.
{صاحت “سُوسْنةَّ”: هكذا إذًا. يمرُّ الماء من تحت قدميَّ وأنا لا أشعر!
“هذا ما كانت تقصده العرَّافة إذًا، لم تقصد الموت، بل التبتُّل” لمعَت الفكرة في رأسها فتوقفَت فجأة ثم التفتَت بحدَّةٍ إلى “حَنةَّ”: أرأيتِ؟ كنتُ على حق طيلة السنوات المنقضية، كانت العرَّافة على حق، ثم هزت رأسها بقوةٍ مراتٍ قائلة: ولكنني لن أسمح لها.. ليس بعد هذا كله}ص239.
{والحقيقة أن هذه الجلسة كانت في منتصف السبعينيات، أي أن السنة التي نحن فيها الآن هي آخر السنوات الأربعين}ص260. وبعدها بعامٍ مات ابنُها ثم بأعوامٍ ماتت ابنتُها لهذا ظلت لفترةٍ طويلةٍ مقتنعةً أنها السبب في موته. وهى لا تريد لحفيدتها أن تموت أيضا. كما أنها مؤمنة أشد الإيمان بالسيحية وما تدعو إليه. فكان الإصرار، وكان التمسك بأن تُزوج حفيدتها، ويستمر النسل، حيث قالت العرافة { أتذكَّر كلماتها حرفيًّا.. قالت: سينتهي نسلُكِ في العالم بعد أربعين.. وإلى العدم تذهبين! كانت تُنذرني بفقدانكم جميعًا.. واحدًا تلو الآخر..!}.
وإذا كانت “تقى” هى المسلمة الوحيدة التى لازمت “سُو” فى كل مراحلها، وكان لها أن تطلع على ما قالته الجدة “سُوسنة” عن عملية الزواج المدبرة لصديقتها “سُو” أثناء الرحلة، ثم راحت تحدثها بعد العودة لنجد الحوار يسير هكذا، ففى حوار بين “سُو” و”تقى” وسؤال الأخير عن العلاقة بين “سُو” وعلى”:
{هتفت بها تلك المرة:
– لا تستفزيني… أعلم ما تقولينه جيدًا. لمَ لا؟
– لأنك مسيحيَّة وهو مسلم. لمَ لا؟ لأن مثل تلك القصص لا يلاحقها سوى الدمار لأحدكما أو كليكما! لأن جدَّتكِ لن تسمح لهذا الأمر أن يحدث أبدًا، هل فهمتِ الآن لمَ لا؟ احتجَّت “سُو” هازَّةً رأسها:
– هُرَاء، وما شأن الدين بالأمر؟ لماذا لا نعيش في سلام، كل منَّا يتعبَّد إلى الله بطريقته! طالما أن كلينا مؤمن به، ما المعضلة في ذلك! –
– لأنكِ لا تعيشين بالمدينة الفاضلة.}ص149. وهنا أرى أنه كان من الواجب التركيز على تلك النقطة، للتآخى بين المسلم والمسيحى. وأن يصبح ذلك نقطة التنوير التى يمكن أن تنطلق منها، وإليها رؤية الرواية.
وهنا يجب الإشارة إلى شئ- أستطيع معه أن أشير إلى المبالغة التى أضفتها على “تقى” بشأن البهرجة فى المكياج، ,أنها لم تطن جميلة، فضلا عن تحيثهما حوا الحجاب، وما أدى إلى أنه لم يكن الهدف منه هو الخوف من الله أو الثارة الفتنة، الأمر الذى أدى إلى تشويه للمسلمة الوحيدة التى ظلت بجوارها. فضلا عن موقف “على الوايلى، والحب الذى تم بتره، وانصراف على عما كانا فيه. الأمر أيضا الذى يشير بطرف خفى إلى سلبية المسلم، وأنه لم يكافح مثلما هى كافحت. كما أن الكاتبة أشارت إلى إلى رؤية البابا، والذى هو عماد الديانة المسيحية فى الكنيسة، والتى اعترفت أمامه “سُو” عن علاقتها بالوايلى فكان الحوار يسير بما يكشف ويشير بغير ذلك، حيث أن الكاتبة، التى كرست حياتها العلمية لدراسة الآثار والفنون القبطية، قد أتاحت للقارئ غير القبطى أن يطلع على الكثير مما يدور فى العالم المسيحى. فكان رأى البابا عن الحب أنه ليس إلا مرض، حيث قالت “سُو,” {اعتقدْتُ أنني قد شُفيت منه في تلك الأيام القلائل التي غبتُها، ولكني ما إن عُدْت حتى وجدتُني في حالةٍ أسوأ من ذي قبل. فيرد عليها الباب:
– طبيعي.. المرض بداخلكِ أنتِ.. ليس لل Facebook علاقة} ص207. حيث يَعتبر الحب مرضا.
وفى الحوار بين “سُوسنة عطية” و” والبابا دانيال {ثم فجأةً خطر له سؤال عما إذا كان “عليّ” هو الدكتور نفسه الذي ناقشها في أمر الرهبنة من قبل، أجابته وقد أشاحت بوجهها أن نعم، أومأ برأسه قائلًا: توقعْت.. كان يريد أن يُدخل الشكَّ في قلبكِ بالتدريج}ص229. حيث يزرع البابا الشك فى قلب “سُو” تجاه الأستاذ الذى شعرت ناحيته بالحب. حتى وإن كان -فى رؤية أخرى- يُرغم “سُو” على الارتداد إلى ذاتها، دون الالتفات إلى رؤية الآخر. فى الوقت الذى يسعى فيه البابا، رمز الديانة المسيحية، إلى تجاهل الآخر. وهى النقطة التى يمكن أخذها على الرواية، التى تسعى للثورة على الماضى، فكأنها طائر يطير بجناح واحد.
الهروب
إذا نظرنا إلى موقف د على الوايلى، ومواقفه التى تأرجحت بين القبول المبرر، والهروب إلى الابتعاد والصمت {لا تعرف بالضبط متى أصبحا يتعاملان بوصفهما صديقين، لكنه بات يتحدث إليها أطوَل من بقيَّة الطلبة، جذبَت انتباهه بأناقتها وبساطتها وقلَّة حديثها وخجلها وعفويتها. كانت نمطًا من الفتيات ظنَّه في طريقه للانقراض}ص59.أى أن هناك دوافع مادية أثارت اهتمامه وإعجابه بها، لكنه عندما وجد أن هذه العلاقة ستؤدى إلى القلاقل والمشاكل التى لاقبل له بها، فضل الهروب إلى عالم الصمت والابتعاد، الاختيارى.
وهو ذات الموقف الذى اتخذته “سُو” عندما فشلت العلاقة الوجودية مع د على الويلى، فكان هناك موقف متاح، تستطيع أن تهرب إليه وهو الرهبة، أو حتى الخدمة التابعة للكنيسة، فنجد أن أهم ما لفت انتباهها
{ كان أكثر ما جذبها في كتاب بلاديوس، هو قصة السيدتين اللتين تزوَّجتا من أخوين، ثم سلكتا مسلك الرهبنة، فكانتا تقضيان يومهما في الصيام وليلهما في الصلاة، منقطعتين عن الدنيا خالصتين لكمال المحبَّة الإلهيَّة}227. وكذلك عندما تواجه جدتها تقول لها {- اسمعيني.. للمرة الأخيرة اسمعيني، سأذهب من وجهكِ الآن، وعندما تقررين إنهاء تلك التمثيلية السخيفة، لن تجديني في البيت. انسيني، وأعدكِ أنني سأحاول نسيان طموحاتكِ الزائفة.}ص265.
أى انها وجدت طريقا للهروب من الزواج، والحياة عموما. فتشبث الأمل فى أعماقها، وكان الهروب الذى تحدت به جدتها التى منحتها ذات الاسم ولتجد من الشجاعة ما تقوله لها {هل كنتِ قبلها تعتقدين أنك ستُخلَّدين مثلًا؟ لماذا لا تتركي للرب مهمة تصريف أمورنا! أتعرفين شيئًا؟ كنت في السابق أكرهُكِ، ولكنني اليوم حقًّا أحتقرُكِ.}ص251. فبتأمل تلك الكلمات، نجد أن الجدة سُوسنة، تسعى لتعمير الحياة، وإطالة الذرية، بينما سُوسنة الحفيدة تجرى إلى الآخرة والسعى والهروب إلى الله. وهو ما يقودنا إلى فهم أن الدين =-بصفة عامة – ليس إلا هروب إلى المجهول، والأمل الذى يقول أنه أفضل من هذه الحياة، وإن كان يقف فى عالم الغيب. لذا نرى أن الرهبنة، والصوفية، موجودان فى المسيحية والإسلام، بل وفى اليهودية أيضا، حيث التصوف العقلى الذى يتبعد الحاخامات، وكلها لا يبتعدا عن الهروب من الدنيا، والهروب إلى الآخرة. حيث فى حوار ل”سُو” مع البابا دانيال نجد {قالت وهي تجلس بجانب الأب في رحلة العودة إن لديها تحفظًا بخصوص كلمته عن الرهبنة، استحثَّها على المُضيّ في الحديث، فقالت إن الرهبنة لم تكن – فقط – بغرض التقرُّب من الرَّبِّ والزُّهد، بل كان دافعها الأول هو الهروب من الاضطهاد الرومانيّ للمسيحيين الأوائل، وهو ما لم يَقُله في كلمته}ص140. –{ ما أردت قوله يا سُوْسَنَّة أن الزهد، أو التبتُّل بوصفها أفعالًا، يأتيها المؤمنون أيًّا كانت انتماءاتهم الدينية، إذًا المسيحية لم تبتدع الرهبنة أو الزهد من بعد الاضطهاد مثلًا، هل تفهمين ما أقصده؟}ص143. {وقلت أنا إن الرهبنة هي الصوفيَّة في الإسلام}ص145.وهو الأمر الذى يؤكد وجهة نظرناحول الرهبنة والصوفية. وهذا ما أضفته الكاتبة من خيال إلى السيرة الروائية، ضمن ما أضافته لتحول السيرة الروايئة إلى الرواية التى تبحث عن فهم الحياة من حولها، وإضافىة التنوير إلى أهداف الرواية.
ومن ضمن ما أضافته أيضا، مسألة الأحلام وخاصة إلى “سُوسنة -الجدة. ففى أحد الأحلام تبنت الكاتبة عناصر الحلم من عناصر الحياة المعيشة. فبينما ظهر الكلب، دون أن يكون له دور فى الرواية، فيظهر الدور فى ذلك الحلم، حيث ترى الجدة فى حلمها، انها رأت جسم الكلب، ورأسها هى. أى انها تريد بذلك أن ما تعيشه الجدة، من اقتناع بنبوءة العرافة، التى ترسخ فى رأسها، ليس إلا أوهام وخيال تعشش فى فكرها. لذا انقلبت الحفيدة على الجدة، وأعلنت أنها تكرهها، ليقول الواقع أنها لم تكره الجدة فى حد ذاتها وإنما تكره أفكارها، بدليل أنها فى أول الرواية تتحدث إليها عن تلك النبوءة { تناولَت كفِّي يا “سُو” بيدٍ متعرِّقة، مضيِّقةً عينيها ومُتفحِّصة، أخذَتني قسَماتُ وجهها العجوز.. كانت ممتلئة بالتفاصيل، لا زلت أذكرُها للآن، تأتيني في منامي}ص7. حيث يظهر الحلم -وفق رؤية سيجموند فرويد –على هيئة “لغز” أو شفرة تستخدم حيلتين نفسيتين:
التكثيف: دمج عدة أشخاص أو أحداث في شخصية واحدة أو رمز واحد.
الإزاحة: تحويل المشاعر أو الرغبات المرتبطة بشخص معين إلى شيء آخر يبدو غير مؤذٍ في الحلم.
وهنا نستطيع الولوج إلى عالم المعلوماتية التى تسربها الكاتبة خلال روايتها، والتى لم تأت عفوا، وإنما تحيل الرواية إلى عنصر من عناصر الحداثة الروائية. فأن نقرأ على سبيل المثال ذلك الحوار بين “تقى” و “سُو” فتقول سو لتقى بعد الإفطار:
– { أتعليمن، اليوم خميس العدس.
– العدس؟
– خميس العهد.. ألا تتذكَّرين؟
تذكر “تقى” جيدًا ما حكته لها “سُو” منذ عامٍ عن واحدٍ من لقاءاتها ب “علي الوايلي” في نفس هذا المكان، حين رشف رشفةً من قهوته السادة وقال بوجهٍ خالٍ من الانفعالات:
– أتعلمين أن خميس العهد كان يُسمَّى خميس العدس عند الفاطميين؟
قالت ضاحكة بمرح:
– عدس؟ ولمَ؟
أخبرها أن المصريين كانوا – مسلمين وأقباطًا – يأكلون العدس المصفَّى. فيه! ثم أعقبها فقال إنه لم يهزَّ عرش إيطاليا من بعد هانيبال سوى كليوباترا المصريَّة، ناظرًا إليها نظرةً أذابتها، إلا أنها لم تفهم الرابط ما بين الحديث عن عرش إيطاليا وخميس العهد!. يومها علَّقت “تُقى” على هذا الموقف وهي تلوي شفتيها قائلةً: “لماذا يحب استعراض معلوماته دائمًا؟!”. }ص 46. حيث يجمع عنصرى المجتمع، المسلم والمسيحى.
وأن نقرأ أيضا ذلك الحوار بين “على ” و “سُو” فى معرض الكتاب وطلب منها قرءاة جزء من رواينه الجديدة، فتسأل “سُو” عن “تشيرو”:
{بصوتٍ عالٍ مستسلمًا: حسنًا، تشيريو هذا أقدم وأعظم من قرأ الكفّ، حتى إن اسمه جاء نسبةً للفظة خيرومانديا اليونانية، خيرو تعني اليد..هذا الرجل دَرَسَ الحِكمة المنسيَّة من الهنود والتِّبِت، ويُقال إنه توقَّع تاريخ وفاة الملكة فيكتوريا، كما توقَّع آخر سنة لحكم ابنها الملك إدوارد السابع وكذلك الشهر الذي سيموت فيه!.}ص129. {- أما عبد الكريم فهو خادم الملكة الهندي المسلم، ويُقال إن هناك علاقة وطيدة، تأرجحت بين الحب والصداقة، كانت تجمعهما. الرواية أصلًا يا سُو معنيَّة بقضيَّة التعصُّب الدينيّ، وكيف أننا نمنح دائمًا الحق لأنفسنا في الحكم على معتقدات الآخر بوصفها شريطةً لأن ينال شرف حبنا!}ص130.
فمن هنا نستطيع أن نستنتج أن أحد أهم العناصر التى تسعى إليها الرواية، وفق كلمات دعلى الوايلى، أننا { نمنح دائمًا الحق لأنفسنا في الحكم على معتقدات الآخر بوصفها شريطةً لأن ينال شرف حبنا!}. وهو ما بنطبق على تصرفات الجدة سُوسنة. وإن لم يبدو كذلك على الحفيدة التى تمثل هنا الثورة على التقاليد البالية، مثلما فى تلك المقابلة {حينما ذهب “عم أرمانيوس”؛ لسحب أوراقها من “المدرسة الراقية” بعد نجاحها بتفوُّق، قالت له الموظفة:
– لماذا تريد سحب أوراق الفتاة؟
– ستتزوَّج.
– حرام عليك، البنت متفوقة جدًّا، وأحرزَت تقدمًا على نظيراتها كلهن.
قال ببساطة:
– وحان الوقت لتُحرز تقدمًا في بيت زوجها.. أليس كذلك؟}. فالتقاليد هنا ممثلة فى تفكير العم أرمانيوس تتغلب على العقل الذى تمثله الوظفة، بل يمكن القول بأن الرواية بالأساس تسعى للثورة على تلك التقاليد.
الثورة
التطور سمة الحياة، والرواية لم تقف على قواعد فترات التعرف عليها، وأنها كانت للحكمة، أو الموعظة، وكانت تستخدم للاستنامة، بينما الرواية الحديثة لم تعد كذلك، حيث انضاف إليها – بالقدرة، والموهبة والاطلاع- انضاف إلهيا المعلوماتية، وزادت مساحة الانضغام، أو اتسعت مساحة المسكوت عنه. لذا سعت الكاتبة فى نهاية الرواية، أن تسوق خطابها دون أن تقع فى إطار المباشرة، فاعتمدت على الموروث من الأمثال الشعبية، التى تُضمر أكثر مما تقول. ففى نهايات الرواية تتحول “سوسنة” الجدة إلى رمز الماضى، وتتحول “سُوسنة” الحفيدة إلى رمز المستقبل، فكتبت الكاتبة بعد أن صرخت الجدة فى حلمها، وأتت الحفيدة لإيقاظها:
{تفتح عينيها دفعة واحده لتجد “سُو” أمامها تكبِّل يديها برفق، في حين تطلُّ من عينيها نظراتٌ غلَّفها القلق.
من بعد ذلك اليوم، أصبحَت “سُوسْنةَّ” كلما أبصرَت الكلب كوبر أطالت النظر إليه ساهمة، وكلما هلَّ الليل دقَّقَت النظر في القمر؛ لتتأكد أنه لايزال محتفظًا بلونه.}225. حيث نجد أنها أصبحت تنظر إلى “كوبر” الكلب، وتطيل النظر إليه، حيث أن الكلب يشير فى المخيلة الشعبية إلى الأمان، بينما هو هنا تحول إلى رمز للخوف. وتطيل النظر إللى القمر، الذى هو رمز الجمال والهدوء والرومانسية، إلى رمز للخوف المرتقب، حين يتغير لونه. وكأن كل الرموز الخيرية، أصبحت رمزا للشر المتوقع، وكأنها تستحضر المثل الشعبى القائل {حظ القبايح بالسما لايح، وحظ الملايح بالأرض طايح}. ثم تقول “سُوسنة” الحفيدة:
{- كل ما كنتِ تُكرهينني عليه، بات الآن يُكرِّهني فيكِ، يكفي صورتكِ المهترئة التي نراها الآن أمامنا، ويكفي سنوات أذقتِنِي فيها كآبةً ووحدة. كنتُ أخشاكِ كأنكِ الشيطان، وكنتُ أرى تلذُّذًا في عينيكِ بهذا، كنتُ أكرهكِ كالقمر، والنار، والبغضاء. بعد أن ماتت أمي التي هي ابنتكِ، توسَّمْتُ فيكِ خيرًا، لكنكِ أنتِ كما أنتِ، لن تتغيري أبدًا.} ص252. فاستحضار القمر هنا وربطه بالنار والبغضاء، يشير إلى تحول الجمال إلى القبح، وكأن الجدة بما تفعله، وعدم تحولها إلى ما يشبه الأم، بما تحمله من عواطف وأحاسيس، لم يكن بقدر المتوقع. لذا ثارت عليها وأعلنت أنها لن تتغير. وتستمر المحاولات، علها فى يوم ما.. تتغير، وتهجر البلاد التمسك بالماضى والوقوف عنده. وهنا يكمن خطاب الرواية كلها. أضمرتها الكاتبة، وتركتها للقارئ، الذى ربما يكون حاضرا، وربما يأتى بعد ذلك. لتستمر فى الثورة.
……………………………
[1] – أمنية صلاح- كف المسيح- رواية – دار العين – ط1 2023.











