شاهر خضرة*
في هذا الأفق، لا يبدو الحديث عن الجسد في ديوان “أقدحُ شرر الكلام” للشاعرة هند زيتوني، الصادر عام 2024 عن دار التكوين – دمشق، ضمن سلسلة “إشراقات” التي يشرف عليها أدونيس، مجرّد اختيارٍ موضوعي أو انحيازٍ تعبيري، بل يكاد يكون مدخلاً ضرورياً لفهم بنيته العميقة. نحن هنا لسنا أمام كتابةٍ تتناول الجسد بوصفه مادةً أو موضوعاً، ولا بوصفه إثارةً أو كسراً للمحظور، بل أمام كتابةٍ تنطلق من الجسد نفسه، وتعيد تشكيله داخل اللغة بوصفه كينونةً كاملة، تتداخل فيها الرغبة بالمعنى، والحسّ بالفكر، واللحظة بالوجود.
ومن هذه الزاوية تحديداً، لا تعود القصيدة مساحة لوصف التجربة، بل تصبح امتداداً لها؛ حيث تتحول التجربة الحسية إلى شكل من أشكال الوعي، وتغدو اللغة نفسها جسداً آخر، لا يعكس الجسد بل يوازيه، ويتكوّن معه في لحظة واحدة، كأن الكلمة لم تعد وسيلة للتعبير، بل كياناً يشارك في إنتاج التجربة، لا في نقلها فحسب.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة هذا الديوان ضمن تلك الثنائية المريحة التي اعتادت عليها القراءات التقليدية: جسد مقابل روح، أو مادة مقابل معنى. ما يحدث هنا هو إلغاء صريح لهذه القسمة، أو بالأحرى تجاوزها من الداخل؛ حيث لا يعود الجسد أدنى من الروح، ولا الروح أسمى منه، بل يتداخل الاثنان في نسيج واحد لا يقبل الفصل.
وهنا تتبدى فرادة هذه التجربة؛ فالشاعرة لا تكتب الجسد لكي تكشفه، ولا لكي تدافع عنه، بل تكتبه بوصفه وعياً، بوصفه طريقة في الإدراك، وطريقة في أن يكون الإنسان داخل العالم. الجسد ليس موضوعاً خارجياً، بل هو مركز التجربة، وهو الوسيط الذي تمرّ من خلاله كل الأسئلة الكبرى: من الحب إلى الفقد، ومن الرغبة إلى الخوف، ومن الحضور إلى العدم.
وإذا كان بالإمكان الاستئناس ببعض التصورات التي رأت في الشعر الحديث محاولةً للخروج من ثنائية الجسد والروح، فإن هذه النصوص تذهب أبعد من ذلك؛ لأنها لا تكتفي بإعلان هذا الخروج، بل تمارسه فعلياً داخل اللغة.
الجسد هنا لا يُختزل في الحسّي، ولا يُرفع إلى المجرّد، بل يبقى في تلك المنطقة المتوترة بين الاثنين، حيث تتشكل التجربة الحقيقية: منطقة لا يكون فيها الجسد شيئاً نمتلكه، بل شيئاً نُختبر به، ونفكر من خلاله، ونكتب عبره. كأن الوعي نفسه لم يعد مستقلاً عن الجسد، بل أحد تجلياته، أو أحد أصدائه العميقة.
ومن هنا، يصبح من الصعب التعامل مع هذا الديوان بوصفه مجموعة قصائد منفصلة. ما يلفتني، على امتداده، أنه يُقرأ كجسد واحد يتنفس عبر أشكال متعددة. ليست هناك نصوص تتجاور، بقدر ما هناك حالات تتوالد من بعضها، كأن كل قصيدة ليست إلا وجهاً من وجوه هذا الكيان الأكبر، أو عضواً فيه لا يكتمل إلا بحضوره.
في هذا المستوى من القراءة، تسقط الفواصل بين الموضوع والأسلوب، بين التجربة والتعبير، بين ما يُقال وكيف يُقال؛ لأن الكتابة هنا لا تسبق التجربة، ولا تأتي بعدها، بل تتشكل معها، في اللحظة نفسها التي يُعاد فيها بناء الإحساس بالعالم، وكأن النص ليس نتيجة، بل هو حدوث مستمر، فعل يتجدد مع كل قراءة.
ولهذا أيضاً، أشعر أنني، وأنا أقرأ، لا أتنقل بين قصائد، بل أدخل في تجربة واحدة تتغير ملامحها باستمرار، من غير أن تفقد وحدتها الداخلية. كأن الديوان كله يُكتب من نقطة واحدة: من ذلك التوتر الحي بين ما نعيشه في أجسادنا، وما نحاول أن نفهمه في لغتنا.
وفي هذه المسافة الدقيقة، بين الإحساس والفهم، بين الجسد واللغة، تولد القصيدة لا بوصفها نصاً، بل بوصفها حدثاً؛ تجربة لا تُروى بقدر ما تُعاش، ولا تُفسَّر بقدر ما تُختبر، كأنها تمرّ في القارئ بقدر ما يمرّ فيها.

ما يحدث هنا لا يمكن اختزاله في قراءة للنص، بل هو نوع من التداخل بين جسدين: جسد يُكتب، وجسد يقرأ.
أنا لا أواجه هذه القصائد من الخارج، ولا أكتفي بتأملها، بل أدخلها كما يدخل الجسد في تجربة لا تبقى خارج أثره.
كأن النص، وهو يُبنى من داخل جسده الخاص، يبحث عن جسد آخر يكمّله، جسد القارئ، لا ليعكسه، بل ليشتبك معه.
في هذه اللحظة، لا تبقى القراءة فعلاً ذهنياً خالصاً، ولا يبقى الجسد مجرد موضوع مكتوب، بل يتولد بين الاثنين شيء ثالث: جسد القراءة نفسه.
وهذا الجسد الثالث لا يولد بوصفه فكرة نظرية، بل بوصفه احتكاكاً حقيقياً؛ احتكاكاً تتبدل فيه وظيفة اللغة من وسيط إلى عضو حيّ في التجربة. هنا، لا أعود قادراً على التمييز بين ما أقرأه وما أشعر به، بين الجملة التي تمرّ في عيني، والأثر الذي يستقر في جسدي. كأن القراءة نفسها تتحول إلى فعل حسيّ، لا يقل كثافة عن الكتابة، بل يكملها.
وفي هذه الحالة، لا يصبح القارئ متلقياً، بل شريكاً في إنتاج المعنى، شريكاً في بناء هذا الجسد الذي لا يكتمل إلا به، ولا يُفهم إلا من خلاله.
هذا الجسد ليس النص وحده، ولا القارئ وحده، بل هو المنطقة التي يلتقيان فيها، حيث يتحول الإحساس إلى فهم، والفهم إلى إحساس، في حركة لا يمكن فصل أحد طرفيها عن الآخر.
من هنا، لا أقرأ الجسد في هذه القصائد بوصفه دلالة، بل أعيشه بوصفه تجربة؛ ولا أتعامل مع اللغة كوسيط، بل كامتداد لهذا التداخل الذي يجعل القراءة نفسها حدثاً جسدياً، لا يقل كثافة عمّا يُكتب. وهنا تبدأ القراءة في التحول من تأمل عام إلى اختبار ملموس؛ إذ لا يعود ممكناً الاكتفاء بالنظر إلى الديوان ككلٍّ مجرّد، بل يصبح من الضروري التوقف عند لحظات محددة فيه، عند قصائد بعينها، لا لأنها تمثل الديوان، بل لأنها تكثّفه، وتكشف عن آليته الداخلية.
هناك، في تلك اللحظات، يمكن أن نرى كيف يتجسد هذا الوعي بالجسد داخل النص نفسه، لا كفكرة عامة، بل كخبرة حيّة تتشكل أمامنا، وتبلغ ذروتها حين تُقرأ من الداخل، لا من الخارج. وعند هذه العتبة، لا تبقى القراءة في مستواها العام، بل تفرض على نفسها أن تختبر هذا الجسد في لحظاته الأكثر كثافة، عبر التوقف عند نماذج بعينها، لا بوصفها أمثلة، بل بوصفها تكثيفاً للتجربة.
*
أولاً: “عزف” – حين يفقد الجسد حدوده
في “عزف”، لا أقرأ قصيدة عن الحب، بل أدخل في تجربة يبدأ فيها الجسد بالتخلي عن نفسه، لا بوصفه فكرة، بل بوصفه مادةً كانت تقاوم، ثم قررت أن تستسلم.
أشعر أنني لا أتابع نصاً، بل أعيش لحظةً يتحول فيها الجسد إلى نهر، لا لأن الشاعرة قالت ذلك، بل لأن اللغة نفسها بدأت تفقد صلابتها وتسيل.
حين يتساقط الياسمين، لا أراه صورةً، بل ألتقطه كشيء يحدث في داخلي.
وحين “تهبط الغابة من الجسد”، لا أفسر العبارة، بل أشعر أن الجسد لم يعد مكاناً مغلقاً، بل صار فضاءً تخرج منه الطبيعة نفسها.
هنا تحديداً، لا تعود الرغبة موضوعاً، بل تصبح حالةً كاملةً تُعاش.
اليد التي “تعزف” ليست يداً في النص، بل تتحول إلى امتدادٍ لحسٍّ يتشكل داخل القراءة نفسها.
في هذه اللحظة، أفقد القدرة على الفصل:
هل أنا أقرأ الجسد؟
كأن ما يحدث هنا لا يمكن تسميته قراءة،
بل دخولاً كاملاً في جسدٍ لم يعد خارجَه.
كأن القصيدة لا تصف لقاءً، بل تخلقه؛ لا بين شخصين فقط، بل بين جسدين:
جسد النص… وجسدي أنا كقارئ.
*
ثانياً: “ثقوب” – الجسد حين يتجاوز حدوده الفردية
في “ثقوب”، لا نغادر تجربة الجسد التي بدأت في “عزف”، بل نراها وهي تتسع وتتحول من حالةٍ حميميةٍ فردية إلى حالةٍ وجوديةٍ أكثر تعقيداً. هنا، لم يعد الجسد مساحةً للرغبة وحدها، بل أصبح مجالاً مفتوحاً تستقبل فيه الشاعرة اختلالات العالم كله.
لا أقرأ هذه القصيدة بوصفها تعداداً لموضوعات مختلفة، من خيانةٍ وحربٍ وفقر، بل بوصفها انتقالاً في وظيفة الجسد نفسه؛ إذ لم يعد الجسد مغلقاً على تجربته الخاصة، بل صار حساساً لكل ما يحدث خارجه، كأن ما يصيب العالم يمرّ عبره مباشرة.
حين تتحدث الشاعرة عن “ثقوب” في القلب، أو في المدينة، أو حتى في طبقة الأوزون، فإنها لا تفصل بين هذه المستويات، بل تضعها في خطٍ واحد، حيث يصبح الألم الإنساني متصلاً، لا يتجزأ. الجسد هنا لا يصف هذا الألم، بل يحمله، ويتورط فيه، ويصبح وسيلةً لالتقاطه.
وهذا ما يمنح القصيدة قوتها؛ فهي لا تكتفي بتشخيص الخلل، بل تحاول أن تقاومه من داخل اللغة نفسها. فمحاولة “رتق الثقوب” ليست مجرد صورةٍ شعرية، بل تعبير عن دور القصيدة بوصفها فعلاً أخلاقياً أيضاً، تسعى من خلاله الشاعرة إلى إعادة ترميم ما يمكن ترميمه، ولو على مستوى الرؤية.
في هذا السياق، يتحول الصوت الشعري إلى محاولة اختراقٍ حقيقية، لا على مستوى التعبير فقط، بل على مستوى الفعل؛ كأن الكتابة نفسها تصبح وسيلةً لمواجهة هذا التمزق، لا مجرد انعكاسٍ له.
*
ثالثاً: “وصية” – الجسد حين يواجه مصيره
في “وصية”، تصل تجربة الجسد في هذا الديوان إلى لحظةٍ مختلفة، حيث لا يعود السؤال متعلقاً بالرغبة أو بالألم فقط، بل بالمصير نفسه. هنا، تضع هند زيتوني الجسد في مواجهة نهايته، لكن من دون أن تتعامل مع الموت بوصفه قطيعةً نهائية، بل بوصفه امتداداً آخر للتجربة.
لا أقرأ هذه القصيدة كوصيةٍ بالمعنى التقليدي، بل كإعادة تعريف لما يبقى من الإنسان بعد غيابه. حين توصي الشاعرة أن تُدفن بـ “ثوب شعري”، فإنها لا تقدم صورةً جمالية فحسب، بل تؤكد أن ما كتبته لم يعد منفصلاً عنها، بل أصبح جزءاً من تكوينها، يرافقها حتى في لحظة التحول الأخيرة.
في هذا النص، يتداخل الجسد مع الأرض بطريقةٍ لافتة؛ فالمطر الذي ترجوه الشاعرة ليس مجرد تفصيلٍ عابر، بل محاولة لإعادة الحياة إلى ما تسميه “يباس العمر”. كأن الجسد، وهو يتهيأ للغياب، لا ينطفئ، بل يدخل في دورةٍ أخرى، تتحول فيها التجربة إلى أثرٍ قابلٍ للاستمرار، ولو في شكلٍ مختلف.
القصيدة هنا لا تتعامل مع الموت كفقدان، بل كتحولٍ في الشكل، حيث تصبح الدموع مادةً للكتابة، وتتحول القصائد إلى ما يشبه الأغصان التي تنمو تحت الجلد. هذا التداخل بين الجسد والطبيعة يمنح النص بعداً هادئاً، لكنه عميق، يجعل من النهاية لحظة تأملٍ أكثر منها لحظة انكسار.
وما يلفت في هذه “الوصية” أن الشاعرة لا تطلب خلوداً رمزياً أو مثالياً، بل تكتفي بما يمكن أن يتركه الجسد من أثرٍ في العالم: قصيدة، صورة، إحساس عالق في ذاكرة من يقرأ. بهذا المعنى، تصبح الكتابة نفسها وسيلةً لمواجهة الفناء، لا لإنكاره، بل لفهمه والتعايش معه.
*
رابعاً: “أشواك النساء” – الجسد حين يواجه ذاته والآخر
في “أشواك النساء”، تدخل هند زيتوني منطقةً مختلفةً في هذا الديوان، حيث لا يعود الجسد منشغلاً فقط بعلاقته بالعالم الخارجي، ولا بمصيره الوجودي، بل يبدأ بمواجهة ذاته داخل فضاء الكتابة نفسها، وداخل علاقته بالآخرين، وبخاصة الآخر القريب: المرأة الأخرى.
لا أقرأ هذا النص بوصفه نقداً مباشراً، بل بوصفه مكاشفةً هادئةً لكنها حادة، تكشف طبقاتٍ من التوتر الإنساني داخل حقل الكتابة. القصيدة هنا تتحول إلى “غرفٍ للإيجار”، وهي استعارة لا تشير فقط إلى القارئ، بل إلى حالةٍ من الانكشاف؛ كأن النص لم يعد ملكاً لصاحبه، بل مساحةً مفتوحةً يدخلها الآخرون بما يحملونه من فراغاتٍ وخيبات.
اللافت في هذا النص أن الشاعرة لا تضع نفسها خارج هذا المشهد، بل داخله تماماً. حين تتحدث عن النساء اللواتي “يخلعن وجوههن قبل النوم”، أو اللواتي يكتبن بأسماءٍ مستعارة، فهي لا تدين بقدر ما تكشف، ولا تهاجم بقدر ما تضيء على منطقةٍ هشّةٍ ومعقدة في التجربة الإنسانية.
الجسد هنا لا يظهر بوصفه موضوعاً حسياً أو وجودياً فقط، بل بوصفه حاملاً لهذه التناقضات؛ فهو في الوقت نفسه مكان القوة ومكان الضعف، مكان الرغبة ومكان الغيرة، مكان الصدق ومكان التخفّي.
وما يمنح النص خصوصيته هو هذه القدرة على التعامل مع “الأشواك” لا بوصفها عيباً يجب إزالته، بل بوصفها جزءاً من التكوين نفسه. لذلك، لا تسعى الشاعرة إلى نزع هذه الأشواك، بل إلى فهمها، بل وحتى إلى ملامستها بحذر، كما في تلك الصورة اللافتة حين تعانق “أشواك المصابين بجنون العظمة” وتقرأ لهم “بالسر”.
في هذا المستوى، تتحول القصيدة إلى فعل تصالح مع التعقيد الإنساني، لا إلى محاولة تبسيطه. وهذا ما يضيف إلى الديوان بُعداً مهماً، إذ لا يكتفي بتفكيك علاقة الجسد بالعالم، بل يذهب أبعد ليكشف علاقة الجسد بنفسه، وبالآخر الذي يشبهه ويختلف عنه في آنٍ واحد.
*
خاتمة (أو ما يشبهها…)
وهنا، عند النهاية، كان يمكن أن أكتب خاتمة.
أن أقول إن هذا الديوان ينجح، أو يتجاوز، أو يرسّخ، أو يفتح أفقاً جديداً…
كل تلك الجمل التي يعرفها القارئ مسبقاً، حتى قبل أن أكتبها.
لكن المشكلة أن هذا النص لا يسمح بذلك؛ لأنني، بعد كل هذا،
لم أعد متأكداً أين ينتهي الديوان… وأين بدأت أنا.
ولا إن كنتُ قد قرأت هذه القصائد… أم أنها هي التي قرأتني.
شيء ما حدث هنا، لا يشبه القراءة.
شيء جعل الجسد الذي كان موضوعاً، يتحول إلى أداة، ثم إلى ساحة، ثم… إلى أثر.
ولهذا، لا أستطيع أن أختم.
لأن أي خاتمة الآن ستكون خيانة لما جرى.
ستعيد كل شيء إلى مكانه الآمن، بينما هذا الديوان لم يُكتب ليكون آمناً.
ربما الأفضل أن أترك هذا النص مفتوحاً كما بدأ:
جسدٌ يَكتب…
وجسدٌ يُقرأ…
وبينهما شيء ثالث…
لم يكتمل بعد،
وأخشى أن يكتمل.
…………………………….
*شاعر من سوريا يقيم في ألمانيا










