شوقي عبد الحميد يحيى
من الأمور التي تجعل القصة القصيرة أقرب إلى الشعر اعتمادها، في النماذج الجيدة منها، على الإيحاء والتكثيف، وأن لكل كلمة فيها وزنها ودورها في بناء الرؤية العامة للقصة، والتي غالبًا ما تكون غير مباشرة، لذا فهي تسهم في تعظيم دور القارئ في بنائها، والوصول إلى مراميها، والاقتناع بكاتبها أو رفضه، مثلما نجد في قصة “غبار قوس قزح”، والتي تأتي ضمن مجموعة “ما يشبه الظل”، التي استلهم كاتبها “حسام المقدم” من ظاهرة كونية نادرة الحدوث -في وقتنا الراهن، بعد تغيّر المناخ- تلقي بظلالها على جو القصة كلها، فتحوّلها من الإحساس المادي إلى الإحساس الروحاني المشبع بالفن والإبداع، فتحوّل الدنيا من الأبيض والأسود إلى تدرّج الألوان، بما يشيع البهجة في النفوس.
ففي جو الصيام، وما زال الوقت طويلًا على أذان المغرب، يدخل الإنسان إلى ذاته، ويستخرج منها ما يُبهج، فتمر الأوقات، ويهرب من التساؤل: لماذا نصوم؟ ألأننا نرى الأهل والجيران والشوارع والحارات في حالة صيام؟ فتأتيه من تعوّد أن تأتيه، وهي تحب القراءة وتمارس الكتابة مثل السارد، تجلس بعيدًا، لكن الشعر يقرّب بينهما، فتقرأ له، ويذكر أنها تحب لوحة معينة:
{كانت تحب هذه اللوحة، تتجمّد أمامها: “فیها حیویة نادرة، یوشك جسد المرأة أن یخرج من البرواز، توشك أن تلتفت لتُرینا وجهها. هذا الرسام شیطان، استطاع أن یُصور كل هذه الفتنة بالظهر دون إظهار ملامح الوجه.”}
{أضافت: “هذه المرأة أعتقد أنها صائمة.”
“وكيف عرفتِ؟ هل عندك معلومة أن الفنان رسمها في رمضان؟”
“لو سمحت، بدون سخریة، أقصد صائمة عن الرغبة، وقفتها فیها أنوثة محتاجة، لكن لا تفضحها رغبة، لا تعرض نفسها، جسد حار، وفي الوقت نفسه صائم عن الرغبة.”}
فهنا نستطيع أن نلحظ تمثّل المرأة من داخلها، فهي التي تطلب، لكنها لا تصرّح، توحي ولا تنطق مباشرة. ولما كانا قد تحدثا عن قوس قزح في حديثهما، وأنه ذهب ولن يعود -قوس قزح-، تقترب أكثر من حلمها بإعادته للحياة، أو إغواء قوس قزح بمعناه الإيحائي، فتعرض عليه عرضًا، قالت:
“ما رأيك في إعادة قوس قزح بنجاح؟”
“كيف؟”
“ممكن بمساعدة المرأة الصائمة الواقفة على السطح، مع امرأة الجنة والعسل في القصيدة، وأنا وأنتَ..”
{بدأ رأسي یفیق وینتشي: “جمیل جدًا، ویكون تعلیق قوس قزح الألوان في غرفة فان جوخ، بهذا نكون أهدینا إحساسًا بالجمال إلى روحه المُعذّبة.”}
ويضفي قوس قزح وبهجة اللقاء، ويحوّلان الأبيض والأسود إلى عديد من الألوان المبهجة، فيخرج السارد من حالة الصيام والمغرب البعيد إلى بهجة اللقيا:
{لم نتكلم بعدها. قمتُ واقتربتُ منها، عیناي مغمضتان وشفتاي منفرجتان، أخذتُ نَفَسًا طویلًا حتى امتلأ صدري، فتهادت شهقتي.. شهقة ذوبان في قصیدة الألوان، وغیاب مع النعیم الدافئ بوجودنا معًا، وجود فني لم نُحسّه من قبل.}
فيتحول الفعل الروحاني البحت إلى لقاء فني مشبع بالبهجة والروحانية معًا.
وتتجلى عظمة القصة القصيرة في قصة “قلب المتحف” من ذات المجموعة، التي يتصور القارئ، فور قراءة العنوان، بأنه سيدخل متحفًا مليئًا بالآثار أو الأنتيكات، لكنه يجد نفسه أمام رجل يحمل المتحف بداخله، معبّأ بما لا يبوح به، ويكتمه داخل نفسه، فلم يلبث أن وجد صاحب المقهى الصغير القريب من الميدان الكبير لا يذيع في مقهاه سوى أغاني وقصائد أم كلثوم، فيجدها متنفسًا لآهاته المحبوسة، فتظل محبوسة، لكن دخانها يتصاعد، فيراه الآخرون في كلمات من يجيد الإخفاء، ويترك الباقي للقارئ، حيث يقول الرجل -صاحب المقهى-:
{“أم كلثوم ماتت في الخارج، في أمزجة الناس والبیوت وغالبیة المقاهي الجدیدة، لكنها تحیا هنا، لم أدفنها حتى الیوم!”
“- معك حق، أم كلثوم لن تموت.”
“- لا، ماتت. لا تضحك على نفسك، مَن یسمع (رباعیات الخیّام) مثلك یتقطَّع قلبه لحقیقة أنها ماتت.”
“یتقطَّع قلبي على أشیاء كثیرة، مثلما هو الآن.”}
فيردد السارد:
{عرفتُ أنني وجدتُ جزءًا من نفسي في كلام الرجل.}
ولتتحول القصة إلى ذلك المكبوت في أعماق السارد، إلا أنه وجد ما ينفث به عن ذاته. وهنا تقترب القصة القصيرة من الذات الساردة، ويتحول السرد إلى التعبير عن مكنون النفس.
ويتواصل السرد الشعري في قصة “شرارة سوداء”، والتي تعبّر عن الإحساس الذاتي تجاه الآخر.
فمن عادات المصري -والعربي- أن يلجأ إلى نظرية المؤامرة ليخفي خطأه، ففي قناعته أنه لم يخطئ مطلقًا، ودائمًا ما يتيقن مما يراه، متجاهلًا قول الإمام الشافعي: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)، أي أن نظرة الإنسان تحتمل الوجهين.
فيكتب الكاتب عن شعوره تجاه زميله “علاء”، ويتحدث عن شعوره تجاهه، والذي يحمل الكثير من الكراهية، ويتصور أن “علاء” يبادله الشعور نفسه. فلم تقدم القصة أسباب ذلك، فهي حالة شعورية يحملها الإنسان العربي لشقيقه أو زميله دون إبداء الأسباب، فيعمد الكاتب إلى وصف تلك الحالة العامة التي تمثل خاصية في سلوك الإنسان العربي.
وكم كان الكاتب موفقًا حين سمّى القصة “شرارة سوداء”، فالشرارة هي بداية النار، أو بالتحديد الحرائق، والسوداء لا تحتاج إلى تعريف. وصدق المثل العربي القائل: (معظم النار من مستصغر الشرر).
أوقات للعظام
وإن كان الرصاص والقتل المجاني أصبحا سمة العصر، فإن المبدع لا يمكن أن يرى ذلك مثلما يراه الآخرون، وعندما تقترب المأساة من الذات، وفي فلسطين، فلا بد أن يحمل المبدع قلمه ويسجل صرخته.
فعندما تنهال القنابل والموت على المخيمات الفلسطينية، ويفر أمامها الأحياء، تخرج العظام من المقابر، وكأنها ثورة على الأحياء؛ من يقذف القنابل والموت، ومن يتلقاها: افعلوا شيئًا. لتبحث لها عن قبور جديدة، فقد خرجت العظام والجماجم تبحث عن قبور جديدة بعدما ضاقت القبور بمن فيها، وكأننا أمام “إروين شو” ومسرحيته الشهيرة “ثورة الموتى”، والتي يرفض فيها الموتى دفنهم، وكأننا أمام احتجاج على ما يدور بين البشر من قتل ودمار.
حسام المقدم مبدع يعيش الحياة ويتفاعل معها، ويدرس أسباب تخلفها، فيجد أن الكثير منها يعود إلى ما ورثناه في سلوكنا، فيبحث عن التنوير للأذهان المظلمة، على أمل الخروج من الظلام.
ففي قصة “تشكيل طيني يشبه حبة القمح”، يذهب الكاتب إلى فترة الصبا، عندما يتسع الخيال، ويكبر التساؤل، ويبحث عما يريحه. ففي هذه القصة يعود الكاتب إلى مصدر الفتنة الإنسانية، إلى مصدر مجيء كل الكائنات الحية، فيبدأ من الطفولة عندما تتعرى أمه، ويرى ما لا يجده عنده، فيتساءل، لكن التربية التي تربّى عليها العربي -عمومًا- تمنعه من السؤال، وإن سأل فلا يجد من يجيبه، فيصبح الكبار هم الذين يحرّمون عليه النظر إلى ذلك المصدر، وكأنهم بذلك يحرّمون عليه التطلع والتساؤل.
فيخبئ الأب ذلك الشيء الذي رسمه بالطين، وخبأه بين العديد من الأشكال التي صنعها بالطين، وكأنه يلقي بالمسؤولية على التقاليد التي تمنع الإنسان العربي من التفكير والتساؤل، وكأن الكاتب ألقى بالمسؤولية على الموروث والتقاليد التي ورثوها عن الآباء والأجداد، فحصرت الأبناء عن التطلع والبحث عن سر وجودهم.
استدراج النور
وتتواصل المعايشة، وتحويل كل ما يعانيه الإنسان المصري إلى فن مبدع، دون التصريح بذلك. ففي فترة من فترات مصر، أصبح قطع النور لساعات معدودة يوميًا، وقد أصبحت الظاهرة مثارًا للخيال والإبداع، ونظرًا لتكرارها وتواليها يوميًا، فقد صنع الكاتب منها متوالية قصصية، جمعها جميعًا في قصة عامة تعبّر عن المعايشة والمعاناة في ذات الوقت، وعنون بعضها بمداخل تُعد تمهيدًا للدخول إلى القصة (الوحدة)، وكاشفة عن المستتر داخل الأعماق.
فنجد في افتتاحية قصة “أصابع الظل”، والتي حوّل فيها الكاتب الإنسان المصري إلى “ما يشبه الظل”، وكأن الظل الواضح المعالم كان كثيرًا عليه، فتبدأ الوحدة الأولى بمقتطع يقول:
نتسلق ضحكاتنا
لأن صراخنا شاهق جدًا
…. (وديع سعادة)
حيث تعبر الكلمات عن المعاناة التي تكتنزها كلمة “نتسلق”، إذ إن التسلق يحمل من المجاهدة ما فوق طاقة البشر، إضافة إلى أنه مصحوب بالصمت. لتأتي بقية المعنى، والتي تفصح عن أن الصراخ (شاهق جدًا)، فقد علا الصراخ، ولا من مجيب، فرحنا نتسلق الضحكات، أو نتسولها، على ما تحمله من سخرية ورجاء لا يُستجاب له.
ثم تأتي الخيالات التي ترتسم في ذهن المبدع، حيث يتصور أن اثنين يتحاوران بالضوء من التليفون المحمول، فيرتسم الحصان، بما له من إيحاء جنسي، لترتسم في الأذهان صورة اثنين يتناجيان، فيفكر السارد أن يستدعي الزوجة، لكنه تذكر (لسانها المسنون)، حيث يستدعي الموقف استدعاء الزوجة، فينتهزها السارد ليذكر إحدى صفات الزوجة في مثل هذه الأفكار. ثم يأتي النور:
{نظرتُ هنا وهناك، لاحظتُ أن الغالبیة بدأت في الدخول……… دخلتُ أنا أیضا}.
فهي هنا قصة مكتملة.
وفي القصة الفرعية الثانية “حقول النجوم”، يبدأها بالمفتتح التالي:
{وعندئذٍ أرسلَ المُنادین إلى شتّى أنحاء السُّهوب بنداء: كل مَن یروي للخان أربعین حكایة كاذبة دون توقُّف، وبلا كلمة صدق واحدة، فسیحصل على كیس مملوء بالذهب..”}
“بستان البدائع، حكايات شعبية قازاخية”
ترجمة: أبوبكر يوسف.
فإذا ما تأملنا تلك الكلمات، فسنجد أن الكذب هو السيد في ذلك المقتطف، وأصبح الذهب هو الجائزة، وقد خبأ الكاتب مَن أرسل المنادين، حيث إنه معلوم ضمنًا، وكأنه يحيل إلى كذب المسؤولين عن إطفاء النور، وكذبهم في الوعود التي يقطعونها.
فنجد القصة تدور حول قصة خرافية، ولكنها تتستر على تلك الرؤية التي ترى أن غياب التفكير العلمي والتخطيط السليم هو السبب، ويقول باستخدام الطاقة الشمسية، لكن المسؤولين لا يفكرون. فهناك ارتباط بين المقدمة والمتن، وكأن المقدمة تقول ما يخبئه المتن.
ثم تبدأ القصة (الفرعية) الثالثة، وتبدأ بكلمتين اثنتين تُضمران الكثير، وتُبعدان الكاتب عن السؤال والتساؤل:
{“والله رجل نحس”..}
ثم تتحدث القصة (الفرعية) عن هروب الرجل من الحرارة العالية (تحت السرير) ليهرب من العلاقة الحميمة، وعندما أرادت الزوجة أن تنظر إليه تحت السرير، سمعت شخيره.
وتأتي القصة الرابعة لتبدأ بذلك المقتطف:
{“كان هناك نور، وهناك الآن ظلام. كنتُ هنا، والآن ذاهبٌ إلى هناك! إلى أين؟”}
تولستوي، “موت إيفان إيليتش”
ترجمة: مها جمال.
ولتأتي القصة في شهر ديسمبر، حيث الشتاء القارس، ليقول بائع الجرائد ما يفيد بأن الجرائد لم تعد محل ثقة، وأن ما يُنشر فيها ليس ذا أهمية سوى تنظيف الزجاج:
{قال الرجل الملفوف في بالطو رمادي: “الجرائد في اللیل للمسح، وبالنهار للقراءة”.
رأى العجب على وجهي، فأضاف: “نبیع القلیل بالنهار، وما یتبقى یأخذه الناس لمسح الزجاج، أو تشتریه محلات الفسیخ بالكیلو”.}
ويعبر الكاتب عن مرارة قراءة الجرائد في هذه الفترة:
{بعض الصور المنشورة لأشخاص رفضَت النزول إلى بلعومي، قاوَمَت حتى اضطررتُ إلى لفظها. مرّت عيناي على مانشيت: “الأزمة مؤقتة ونعمل على..”. تذكرتُ ما قالوه في الصيف عن الحرارة الشديدة ووجوب تخفيف الأحمال بقطع الكهرباء لساعات، وما لم يقولوه عن استمرار الوضع في الشتاء. واصلتُ المضغ والبلع، بعد قليل أحسستُ بتقلصات متتالية، بطني تتلوى، قمتُ وملتُ على الجدار، طرشتُ الكلمات والحروف، توالت انقباضات معدتي العصبية، خرجت عصارات الحبر المخلوطة بعجينة السطور، في بقعة انفرشت على الرصيف القديم.}
فإذا كانت كل قصة من القصص الأربع تمثل قصة منفصلة في حد ذاتها، فإنها في مجملها تمثل قصة قصيرة تتحدث عن انقطاع الكهرباء، وأنها بصفة عامة تؤكد كذب المسؤولين. فهي وحدة واحدة، تنوعت فيها المواقف، من الحرارة في الصيف إلى البرد في الشتاء، فلجأ الكاتب إلى تقسيمها إلى أربع قصص منفصلة، لكنها تكون قصة قصيرة في النهاية، يلخصها ما قاله تولستوي:
{“كان هناك نور، وهناك الآن ظلام. كنتُ هنا، والآن ذاهبٌ إلى هناك! إلى أين؟”}
فيبرز التساؤل الأكبر: إلى ما نحن ذاهبون؟!
وإذا كانت القصة القصيرة تُعد أقرب الأنواع الأدبية إلى الشعر، الذي يُعد أقرب الأنواع الأدبية إلى النفس أو الذات، فإذا ما تأملنا القصة الأولى “أصابع الظل” سنلحظ:
{متابعتي لما یحدث أخذَتني قلیلا من الضیق والنّفخ وصبّ اللعنات على رؤوس الجمیع، بعد ساعتین على غیاب الكهرباء}.
فسندرك على الفور، أولًا، أن قطع الكهرباء استمر ساعتين، وثانيًا أن ذلك سبب الضيق و(الخنقة) التي يشعر بها السارد، وهي الأساس في القصة (العامة)، والتي انتهت بالاستفراغ، لعدم قابلية المعدة لحروف الجرائد (الكاذبة)، والتي تسير عكس ما يشعر به المواطن المصري، حيث تحول قطع النور إلى تجسيد حالة الكذب التي يعيشها المصري، وهي الحالة التي صورتها القصة الثانية “حقول النجوم”، والتي تقوم كلها على ذلك المعنى.
وفي القصة الأخيرة “حكاية عجينة”، نقرأ:
{العاشرة في لیل دیسمبر. الكهرباء مقطوعة، ولولا القمر المكتمل، المراوغ وسط السّحب الغامقة، ما رأیت مكان قدمي في الشارع الصغیر}.
حيث نجد أن الإحساس ذاته ما زال موجودًا وساريًا بين الوحدات الأربع.
فإذا ما أخذنا كل وحدة على حدة، فسنجد أنها تشكل قصة في حد ذاتها. ففي الوحدة الأولى “أصابع الظل”، سنجد أنها تتحدث عن الخيالات التي ترتسم في ذهن الإنسان عندما ينقطع النور، وتنتهي بعودة النور، فالحركة هنا واضحة، وهي الأساس الذي يشكل القصة بصفة عامة.
وفي الوحدة الثانية، يلعب المقتطف الذي استعان به الكاتب دورًا رئيسًا في سير القصة، حيث بدأ المنادون بالمناداة، وانتهت بوقوف (الكاذب) أمام الخان، بما يفيد الحركة في القصة.
وفي الوحدة الرابعة، والتي تبدأ بـ:
{أحملُ لفّة جرائد، وكل عدة خطوات أرفعها لأشم صفحاتها وخطوطها المطبوعة}.
وتنتهي بأنه لم يتحمل أيًّا من هذه الجرائد، وهو ما يشكل -أيضًا- الحركة التي تشكل القصة.
وهو ما نستطيع أن نقول معه إن الكاتب قدم، عبر هذه القصة، متوالية قصصية تدور في فلك معاناة الإنسان المصري من مشكلة اجتماعية، الأمر الذي يعني أن الكاتب قادر على أن يحيل تلك المشاكل إلى عمل إبداعي، يجمع بين المعايشة والأساليب الإبداعية الأخرى، من صياغة لغوية سليمة، واستعمال المجاز، وإيهام القارئ الذي يجد نفسه في القصة.
ومتوالية أخرى تتكون من ثلاث حركات، أو ثلاث مواقف، نجدها في قصة “أحوال من سيرة أخرى”، تلقي كلها بظلال كثيفة على الإنسان في مصرنا، وكيف أنه ليس إلا هباء أمام تلك الأبهة التي ينعم بها أصحاب السلطة، ومن بيدهم الأمر.
ففي الوحدة الأولى، نتعرف على استضافة السارد في إحدى دور الشرطة، حيث تم استدعاؤه، وهناك وجد:
{اثنان من الحراس الضخام سمحا لي بالدخول، مدخل أنيق خافت الإضاءة، أبواب أبنوسية ومقابض مذهبة، هواء مكيّف وسجاد أحمر، ما علاقتي بكل هذا؟ لماذا طلبوا حضوري؟}
ثم يتحدث أحد الضباط الكبار عن أنه يسمع نبض النملة، ولم يقل (دبة النملة)، ثم يطلب منه أن يتجه إلى الحجرة الأخرى، وهناك يتم قطع أصابعه، وبعدها ذراعه، وبعدها لسانه، وبعد تقطيع رجليه لم يستطع الذهاب، فأرسلوا من يُحضره، وتركوا له عينيه.
ولم يذكر الكاتب أنهم فعلوا ذلك، ولكنه ترك لفطنة القارئ أن يستنتج ذلك من افتتاحية القصة، ومن آخرها عندما كتب:
{لم یُریدوا أن یأخذوهما}.
وفي الوحدة الثانية يلتقي السارد بصديق قديم، لم يره منذ فترة، ولم يتغير فيه سوى أن شعره ابيضّ، فتواعدا على الاتصال، وانصرف كلٌّ إلى حاله. وكل ما دار بينهما، أو اتفقا عليه، أن كليهما أصبح كالترس يدور في ساقية، ليصف حال الإنسان المصري.
وفي الحالة الثالثة، يخرج السارد على المعاش، ويتعود الجلوس على قهوة تجمع أصحاب المعاش، يلعبون ولا يتحدثون كثيرًا، وكأن المسير في الحياة قد هدّهم، فلا يُسمع إلا خبطات النرد، الذي يسقط فجأة في جيب السارد، ولم يشأ أن يخبرهم عنه، رغم بحثهم الدؤوب عنه.
وفي الأحوال الثلاث، نستطيع أن نمر على حياة الإنسان المصري، الذي في صباح يصبح فريسة للشرطة، فيتعلم السكوت، وفي منتصف العمر تتفرق الجماعات، أو يلهيهم البحث عن لقمة العيش، وعند الشيخوخة يتأمل كلٌّ حاله؛ فمنهم من لا يصادفه النرد، وأصبح محظوظًا أو متعوسًا، بينما الآخرون يبحثون عن النرد فلا يجدونه.
ونظرًا لتباعد فترات مراحل الإنسان، سعى الكاتب إلى أن يشكل ثلاث حالات في الأعمار المختلفة، وكل وحدة تُشكل قصة قصيرة في حد ذاتها، بينما الوحدات الثلاث، والتي تشبه الرواية، غير أنها تظل في نطاق القصة القصيرة، إذا ما وقفنا معها عند (الشيخوخة)، فنستطيع أن نسترجع حياة الإنسان في اللحظة التي تمثل جوهر القصة القصيرة.
ولذا سمّى الكاتب قصته (أحوال)، وكأنها مراحل عمر الإنسان، بينما استمر العنوان (من سيرة أخرى)، وكأنه يقول إن هذه ليست سيرتي وحدي، وإنما هي سيرة كل بني آدم يعيش على الأرض العربية.
إلا أن الكاتب -في تصوري- لم يكتب هذه الثلاثية للنظر في مراحل عمر الإنسان فقط، وإنما -واستخدامًا للوحدة الأولى- للسعي نحو رؤية مجتمعية، وكأنه يقول: عندما يتم تقليم أعضاء الإنسان وهو في سن تسمح له بالفعل، فإنهم يقضون على مستقبل الأمة، ولتظل الرؤية التنويرية موجودة، وكأنها الخط غير المرئي في العملة الورقية.
ونفس الرؤية يجسدها في قصة “منطق الأشياء”، حيث تسود جائحة الكورونا التي تحصد الأرواح، وينعزل الإنسان مع نفسه ليفكر فيما يمكن أن يحدث، ليصل في النهاية إلى أن مصير الإنسان واحد، فتمثل حياة الإنسان سيرًا وفق المنطق المعروف بين البشر؛ ففي الشباب يكون الحب وتكون الغيرة، وبعد الشباب يكون الحصاد، وفي نهاية العمر والشيخوخة يكون بيت المسنين.
وينهي الكاتب مجموعته بقصة “سماء أسفل النافذة”، وكأنه يعبر الحياة طالعًا الشجرة، بحثًا عن ذلك السؤال الذي يراود الإنسان منذ نشأته وحتى مماته. إلا أن الكاتب لم يترك قارئه يبحث عما وراء الكلمات، فينهي القصة بفقرة تنص بشكل مباشر عما أراده من القصة:
{غفوتُ… لمّا أفقتُ كان ذهني ثابتًا، وقادرًا على استرجاع الشريط من أوّله: الشجرة والمرأة والكتاب الكبیر، ثم السقوط واللجوء إلى هنا. لو ظهر لي رجال الوجوه الطیبة سأقول لهم: “أصارحكم أنني في صعودي وهبوطي وجدتُ شبه استنساخ لتجاربي في حیاتي، قابلتُ نشوتي وابتهالاتي ودموعي”. سأحدثهم عن كوني ومعرفتي، عن هذه الأرض الممتدة تحت جسدي إلى مدى بصري}.
وهو ما يوحي بأن الكاتب كان دقيقًا في ترتيب قصص المجموعة، بحيث تبدأ بالأحدث كتابة، حيث نجد أنها الأكثر غموضًا، لكنها تحمل في طياتها المفاتيح التي يمكن الدخول بها إلى عالم القصص الداخلية، أي أن القصص تم ترتيبها تنازليًا، من حيث القرب من الشاعرية، وغياب المباشرة، وعمق الرؤية.
وتصل عملية التخيل التي ينسجها الكاتب للقارئ، كي يكون مشاهدًا، بل ومعايشًا للقصة، إلى ما نجده في قصة “تانجو النوم”، حيث يأتي استخدام كلمة “تانجو” في العنوان، بما يحتم ضرورة أن يكونا اثنين، فالعملية المطلوبة لا تعطي كل ميزاتها إلا إذا كانا اثنين. إضافة إلى أن التانجو يكون مصاحبًا للموسيقى الراقصة، أي المرح، فيحمل العنوان هنا المفارقة.
فإذا كان هذا هو العنوان، بما يحمله من معانٍ، فقد جاءت “ريم” تحمل كل الحزن والجمود، وهو ما يزيد من إحساس السارد بالوحدة والمعاناة، فيحادث نفسه، لنكتشف أن السارد وحيد، وما حضور “ريم” إلا تصورات في الرأس، ورغم ذلك فإن غيابها جعله يستعيد تلك اللحظات التي كانت، حين كانت تنتظر حتى يبدأ هو:
{وكیف أبدأ في جو الغَمّ الذي تفرضه بوقفتها الفقریّة، وبهذه الملامح المقفولة؟ ملامح لن تنفتح لا الآن ولا عمّا قریب.}
ويحرص الكاتب على صوغ تجربة تبدو محدودة، إلا أنه يستدعي فيلمًا رومانسيًا وجنسيًا في الوقت نفسه، دون أن يعرف أيٌّ منهما الآخر، ليؤكد -دون أن يصرح- بأنه لم يرمِ من القصة إلى حكاية شخصية، وإنما إلى الإنسان بصفة عامة، يؤكدها قوله:
{مع أنني أعرف وهي تعرف وأنتم جميعًا تعرفون ماذا يريد أي رجل في العالم من امرأة لها رائحة تُشعل مراكز إحساسه.}
فالإشارة هنا تفيد أن لقاءً جنسيًا هو ما يسعى إليه السارد حينما وقفت “ريم” عند الباب بعدما أتته بعد غياب، بينما هو أعزب وصل إلى سن الثانية والأربعين من العمر. إلا أنها عندما استجابت لدعوته بالدخول، وبدأ هو بالفعل… نامت، فانطفأت شرارته، وأصيب في أخصّ ما يخص الإنسان، الأمر الذي يؤكد أن العملية ليست مقصودة لذاتها.
إلا أن الكاتب استفاض في الحديث حول مواصفاتها، بما يحرك كل المشاعر ناحيتها، ويبرز الجوع الذي يكنّه لها، أو لأي امرأة تأتي في هذا الظرف، الذي يحلم بها ويتخيلها، ويتخيل أنه يقتحمها:
{أقرأ على ملامحها المزمومة أنها تكرهني مع مرتبة العشق، كراهیة تعني الرعب المتواصل من لحظة أن تلتفت أو تسهو؛ فتجدني هناك، مع جسدها، أُمارِس طقوسي المتجددة: أُمرّغ وجهي في شعرها القصیر، لا أترك شفتیها الممتلئتین إلا عندما تسیلان بالعسل………}
ومن عمق الرغبة، يدلف الكاتب إلى ما ينأى بنا عن العملية ذاتها إلى منعطف آخر، حين يقول:
{تمرّ أیضا في طریقها بالإدارة الحكومیة التي أعمل بها، لا تنظر إلى سورها ولا إلى أدوارها الخمسة الكالحة. تقول إنها تفقد الرغبة في الدنیا كلها عندما ترى ذلك المكان. تضحك عندما أردُّ علیها: فما بالك بمن یعمل هناك كل یوم! تصل إلى الشارع الصغیر.}
ويواصل الوصف عن ذاته:
{أراها من مكاني في البلكونة تتنحَّى عن الزبالة الموجودة بجوار المدخل.}
لذا كانت هذه من الأمور التي -ربما- دعتها إلى هجرانه، فإنه بها يترك قارئه ليستنتج إجابة السؤال الذي لا بد أن ينطرح على ذهنه: إذا كان السارد قد وصل إلى هذا العمر ولم يتزوج، فلماذا لم يتزوج؟
ويحدث نفسه بالتساؤل الذي يخرج من التجربة المحدودة إلى الأفق الواسع الذي يشمل الإنسان أينما كان:
{الذي لا أفهمه.. لماذا تُعافر ولا تعترف أنها تحتاجني في حزنها أضعاف ما أحتاجها؟}
لنجد أنفسنا في مصر، ونجد أنفسنا أمام الإنسان في أي مكان، ولنخرج من التجربة المتخيلة التي بنى عليها الكاتب رؤيته.
ويقترب الكاتب كثيرًا في قصة “النظر بعين القلق”، والتي ربما أراد بها أن يجرّب المسرح الشعري، حيث تقوم القصة على الحوار بين اثنين متحابين، وبينهما خلاف، ولكنهما يتفقان على الرفض والشجب، وكأنهما يمثلان الدول في حالة الصراع، ويكتفيان بالرفض والشجب. غير أن السارد يقف في مواجهة النيل، وهو ما يؤكد ما سبق أن قلناه من أن حسام المقدم رتّب قصصه ترتيبًا تنازليًا، حيث اقتربت القصص كثيرًا من المباشرة.









